www.FreeArabi.com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  قبض الريح

قصة قصيرة

بقلم : محمد أيوب

عن دنيا الوطن

 

           كان يقضي وقته متجولا بين خيوط بيت العنكبوت باحثا عن فكرة هنا أو موقف هناك ، يخلو إلى نفسه مع الكلمة والحرف ، يقرأ ويكتب ، يتابع ويستطلع ، يحاول أن يسبح في فضاء كوني واسع تمنحه إياه هذه الخيوط العنكبوتية ، وفجأة سمع نقرة خفيفة ، فتح نافذته ، لم ير شيئاً ، ولم يشأ أن يكون متطفلا أو أن يكون البادئ بالكلام ، لم يسأل عن الطارق ، أغلق نافذته بهدوء وتجاهل الأمر وكأنه لم يكن ، ولكن النافذة ظلت تلاحقه باستمرار ، ظل على هذه الحال فترة طويلة ، وذات ليلة دفعه حب الاستطلاع إلى فتح النافذة وإلقاء التحية على الطارق الذي لا يعرفه :

- مساء الخير !

- مساء الفل !

- ممكن نتعرف ؟

- اسمي غزالة .

- ولكني لست ظبيا ! أنا إنسان أنتمي إلى عالم البشر ولكني أحب مشاهدة الغزلان ، ولا أحب أن آكل لحمها لأنني ضد أن يذبح كائن جميل كالغزال ولو كنت سأحصل منه على المسك .

سألت : وأنت ، ما اسمك ؟

قلت : محمد !

- وماذا تعمل ؟ هل أنت كاتب؟

- قلت : وكيف عرفت ؟

- خمنت ذلك من أسلوبك ، فيم تكتب ؟

- أتخصص في مجال الأدب .

- من أي البلاد أنت ؟

- قلت : من بلاد قريبة بعيدة ! أو كما يقول فريد الأطرش : " قدام عيني وبعيد علي ... ولا أريد أن أكمل ، لا أريد أن أقول مع فريد : مقسوم لغيري وهو ليَّ ، أنا من فلسطين أجمل بلاد العالم وأقربها إلى الله .

تساءلت : وأنت ؟

- أنا من قطر عربي يحب فلسطين ويضحي من أجلها .

قلت : عرفته .. إنها بلدي التي انحدر منها أجدادي ، بلدي التي ما زلت أهواها ، وأهوى فلسطين وأهوى كل بلاد العرب .

قالت : لهذه الدرجة تحب بلدي ؟

قلت : هواي جنوبي ومزاجي جنوبي .

سألتها عن عائلتها ، ذكرت اسم العائلة دون تردد ، أخبرتني عن أسرتها ، وقالت : هناك من يختبئ وراء أسماء وهمية !

قلت : لا أحب الأسماء الوهمية ، أنا لا أجيد فن الكذب ، أحب الوضوح ، ليس هناك ما هو أجمل من الوضوح .

طلبت منها رقم هاتفها بعد أن استمتعت بقراءة بعض كتاباتها التي طلبت رأيي فيها ، أعطتني رقم الهاتف دون تردد ، كنت أريد التأكد من أنني أواجه الحقيقة ولا أواجه وهما.

وفجأة اختفت تلك الغزالة كما ظهرت فجأة ، تركتني مشدوها ومشدودا إلى خيوط بيت العنكبوت الذي لا يتيح لي أن أفلت منها ، غابت غزالة عني على غير موعد ودون سابق إنذار ، ترى هل أنا مستيقظ ؟ أم أنني غفوت قليلا ، فتحت عينيّ على وسعهما لأتأكد مما إذا كنت مستيقظا أم لا ، آثار تلك الغزالة ما زالت أمامي حروفها التي مازالت أمامي تؤكد أن الحروف هي التي جمعت بيننا ، دققت النظر في بيت العنكبوت علني أجدها ولكنها ذهبت ، قلت في نفسي هي الوهم لا أكثر ولا أقل ، طيف زارني فجأة وتركني دون إشارة إلى لقاء آخر ، رأيت رقم الهاتف الذي كنت قد كتبته على ورقة أمامي ، هل هذا الرقم حقيقي يا ترى أم أنه وهم آخر ؟ هل كنت أحلم ؟ أمسكت هاتفي النقال وكتبت أرقامها ، ضغطت بلطف وتردد خشية أن أزعجها ، رد علي من الطرف الآخر صوت ناعس حالم ، كأن سنة من النوم ألمت بصاحبته ، هي الحقيقة إذن ! لم أكن أحلم ، كنت مستيقظا وبكامل وعيي ، كانت قد أخبرتني عن عمرها ، أخبرتها عن عمري وقلت لها إنني لن اتركها ترى صورتي حتى لا تخاف منها فأنا رجل عجوز وهي في عمر ابنتي ، أنا الخريف وهي الربيع ، فهل يمكن للخريف أن يلتقي بالربيع إلا إذا وصل بينهما الشتاء أو الصيف كما تصل المفصلة بين الباب وحلقه ؟ أنا الماضي والحاضر ، وهي الحاضر والمستقبل ، أنا وهي قطبا مغناطيس لا يلتقيان ولا يفترقان ، يكمل كل منهما الآخر ، الشباب في حاجة إلى حكمة الشيوخ ، والشيوخ بحاجة إلى حماس الشباب وحيويتهم ، هو التكامل إذن .

وبينما كنت أتجول في فضاءات بيت العنكبوت أحاول التخلص من خيوطه التي تزداد التفافا حول جسدي ، لاحت لي عن بعد مهرة عفية جامحة ، حاولت امتطاء صهوتها فجمحت بي وأنا المجرب ، كادت تلقيني أرضا لولا أنني تشبثت بها تشبث الطفل بأمه ، أو تشبث الغريق يتلك القشة الصغيرة التي يتوهم أن فيها نجاته من الغرق ، كانت مهرة غاضبة ، تجتاحها أحزان عاتية تقض مضجعها ، ترى الوحوش من حولها فتنفر وتقفز مبتعدة عنها ، دققت النظر فيها فرأيت فيها غزالة التي تركتني دون سابق إنذار ، هذه أنت ؟ قال لها ، وأردف : لم تركتني مع وساوسي ، لقد اعتقدت أنك كنت وهما !

قالت : أنا الحقيقة ، ولكني أملك أكثر من بعد ، لست واهما وأنا لست وهما تراءى لك !

قلت : كوني وهما أو كوني حقيقة .. كوني واقعا أو كوني خيالا ، كوني سرابا أو كوني ماء يرتوي منه الظمآن ، حتى لو كنت سرابا فإنه السراب الذي يوهم العطشان بقرب الارتواء ، كوني ما تشائين ، ولكن لا تدعي الأحزان تسد منافذ روحك ، فالبشر يعيشون على الأمل ويتخطون حواجز الأحزان ويتناسون الهموم التي تخلفها الآلام وراءها .

تسربت مهرتي من بين يدي فوجدتني أقبض الريح بين أصابعي ، وكلما رأيتها ، وكلما تسربت إلى مسام عقلي وخرجت منها ازددت تعلقا بها ، ترى : هل عدت مراهقا من جديد ، وهل العقل يمر بفترة مراهقة ، أعتقد أن لا ! ولكن كيف تتعلق أيها العقل أو أيها القلب بغزالة لم تقابلها ولا مرة في حياتك ، كيف تعشقها من خلال حروفها النارية المتوهجة؟ أنا لا أعشق الوهم ، هي حقيقة متجسدة بشحمها ولحمها أمامي ؛ لم أرها نعم ، ولكنها تسكن خلايا عقلي وجسدي ، أفكارها قريبة من أفكاري على الرغم من الفارق الزمني بيننا .

تكررت زيارات غزالة لي ، كانت تأتيني كالطيف ، مرة على شكل غزالة ، وأخرى على شكل مهرة ، وثالثة تأتيني إنسانا من لحم ودم يملأ فراغ روحي وتعزف على أوتار قلبي فيرتعش هذا القلب رعشة الفرح ، رعشة قلب أم فقدت وليدها لتعثر عليه بعد طول غياب فتتعلق به بشغف ومتعة ، أصبحت غزالتي جزءا من كياني ، تملأ الفضاء من حولي ، تغمرني بوهج يجعل من قلبي شمسا مشرقة بالآمال العذاب ، يا إلهي ما أجمل أن تشعر أنك محط اهتمام إنسان رائع كل هذه الروعة .

اتفق معها على لقاء قريب ، تواعدا فيما بينهما ، ظل يتخيل شكل غزالته أو مهرته وهل هي غزالة أو مهرة ، ليس ذلك مهما على كل حال ، المهم أن موعد اللقاء بات قريبا ، أعد أمتعته واستعد للسفر ، كان السفر متعبا ، ولكن لقاء غزالة يجعل كل أنواع التعب تهون في سبيل ذلك ، وبعد طول اشتياق ، اشتياق المريض إلى الشفاء ، فقد كانت بلسم روحه ، حدد معها مكان اللقاء ، وهناك رآها .. صمت قلبه لحظة ثم دق بسرعة .. إنها أجمل مما كنت أتصور ، ضمها إليه بشوق قبلها بين عينيها ، توجها إلى المكان الذي ينزل فيه ، جلست بجانبه ، شعر بدفء جسدها يسري في أوصاله ، كانت تبعث فيه شحنة من الدفء اللذيذ ، أمسك يدها ولثمها بشفتيه ، قال : كم انتظرت هذا اللقاء أيتها الحبيبة .

تأوهت حين سمعت وجيب قلبه الذي وشى به وفضح مكنون نفسه ، حاول أن يسكت هذا القلب لكنه لم يفلح ، فقد ظل يخفق ويجري كأنه طفل ترك أمه ليلهو في حديقة رائعة الجمال ، طوقها بذراعه ، قبلها في وجنتيها أكثر من مرة ، لثم شفتيها ، ذاق طعم الشهد ، مسه تيار دغدغ مشاعره ، احتضنها بلطف ، ضمها إلى صدره ومالت بهما الدنيا في قبلة لا أحلى ولا أعذب منها ، جذبهما السرير إليه ، فطوقها بذراعيه، ولكنه استيقظ من خدر عواطفه: لا ، لن أدنس بكارتها ، لن ألوث طهارتها .

افترشها فكانت أكثر اتساعا من الوطن من محيطه إلى خليجه ، ولم تكن أقل اتساعا من الكون ، كانت كل ذلك في وقت واحد ، كانت أرضه وسماءه ، كانت الدفء الذي يسري في عروقه ، قالها بلهجة ظافرة منتصرة : وجدته يا جلجامش ! وجدت ما فكرت أنك حصلت عليه وأضعته ، لقد عرفت سر الخلود أيها الباحث عن حياة أبدية وعن سر الخلود ، إنه يكمن هنا ، على صدر هذه الأنثى التي تتسع لتصبح أكبر من الوطن ولا تضيق لتصبح أصغر من الكون ، إنها سر الخلود ونبع الحياة الذي لا ينضب ، إنها المرأة .. الأم والوطن ، الأرض والعطاء ، الأخت والابنة ، الزوجة والحبيبة ، الصديقة والعشيقة ، نبع سعادتنا الفياض ومصدر الحياة وتعاقب الأجيال ، دمت لي يا مهرتي الأصيلة نبعا لا ينضب .

عيادة بالمجان

قصة قصيرة بقلم: صفاء حسونه
 

          جلست في ردهة الانتظار بالمستشفى تقرأ في مجلة يبدو أن أحدهم نسيها. تحاول أن تقتل الدقائق التي تفصلها عن مقابلة الطبيب في العيادة. لوحة قديمة تدلت على الجدار تغطي عيوباً فيه أبت إلا الظهور من خلفها. كتبت بخط رديء حاول صاحبه أن يقنع من يقرأها أن لا حرج من زيارة العيادة النفسية فكلهم يفعلون. تهز رأسها في غير اقتناع. أناس كثيرون يروحون و يغدون يقطعون عليها استغراقها في القراءة, يتحدثون بأصوات مرتفعة و بعضهم يهمس في أذن محدثه و هو ينظر في عيون الجالسين فيثير حنقهم و فضولهم لمعرفة ما يقول.
ينفرج باب العيادة أخيراً و تدعوها الممرضة للدخول فتدخل على عجل و قد غطت عينيها بنظارة سميكة أحست للحظة أنها تستطيع بها أن تخفي نفسها عن عيون الناظرين و فضول المتطفلين سيما هذه الممرضة التي بددت إحساسها الكاذب بالخصوصية و راحت تتفحصها من رأسها حتى أخمص قدمها. انهزم كبرياءها المزيف أمام هذه النظرات التي لم تتوقعها من أنثى مثلها. حاولت الهروب منها.
جلست على الكرسي أمام الطبيب دون أن تلقي التحية. هو الأخر لم يحفل بقدومها رغم أنها نزعت نظارتها وظل منهمكا يكتب في أوراق وضعت أمامه. يبدو أنه أثار غضبها بتجاهلها فراح يلاحظ قلقها البادي من خلف نظارته فيتوقف عن الكتابة و يبتسم ابتسامة أدركت أنها مصطنعة رغم إتقانها. يسألها عن مشكلتها. لم ترد , يبدو أنها لم تسمعه. يعاود سؤالها و يطمئنها بأن الأبواب مغلقة و ليس عندنا جهاز تسجيل و لا تصنت و جدراننا بلا آذان.
تردت في الرد, عاودها خوفها و قلقها و طفا على أطرافها ارتجافاً و ارتعاداً و على جبينها تعرقاً.حاولت عبثاً أن تخفي كل ذلك. حتى محاولة الطبيب لم تفلح. أيقظت فيها حساً فطرياً بالخوف و التوجس. راحت تتفحص الأبواب و الجدران و النوافذ و قطع الأثاث القليلة المتناثرة في الغرفة بتلقائية بدت معها و كأنها لا تصدق الطبيب. الأبواب و الجدران بدت لها و كأنها شياطين بلهاء فغرت أفواهها الواسعة و آذانها الكبيرة تتربص سماع ما ستقول. استطاعت بقليل عناء أن تسمع صوت من بالخارج. كيف لا يسمعون ما ستقول. جالت ببصرها الحائر حتى أستقر أخيراً على الممرضة!
أدرك الطبيب غايتها. طلب من الممرضة بصوت خفيض أن تترك الغرفة. ترددت الأخيرة و مطت شفتيها في امتعاض قبل أن تفعل على مضض. تركت الباب شبه مفتوح خلفها. ربما يستطيع فضولها أن يتسلل لالتقاط كلمة مما سيقال…
فطن الطبيب لما فعلت. وقف ليوصد الباب ثم عاد ليجلس في الكرسي المقابل لها. ربما تخلى عن دور الواعظ. يقترب منها أكثر. يشعرها بالأمان. يشجعها على الحديث.
تراجعت في الكرسي و شدت غطاء رأسها إلى الأمام. كاد أن يلامس عيناها. انتبه الطبيب لما سببه لها من حرج. لم يستلم لحياءها وظل في كرسيه. بعد قليل وقفت هي واستأذنته في الخروج, أمسك بيدها المبللة بعرق توترها الذي زاد مع اقترابه منها. وعدت بالعودة عندما تكون أكثر استعداداً و الطبيب يصر على بقاءها: يبدو أن حالتك متقدمة و من غير المناسب تركها دون استشارة أو علاج. تصر على الخروج رغم نصيحته. و أخيراً يذعن لرغبتها و يقول ببرود: كما تشائين…
عادت إلى البيت تلوم نفسها على ما بدر منها. تحاول إقناع نفسها أنها لم تقصد إحراج الطبيب. تطرد الفكرة من رأسها. تمتد يدها بلا وعي إلى دليل الهاتف القريب منها و تتصل بالهاتف…
صعدت للدور الثالث. قرأت اسم الطبيب الذي تقصد عيادته الخاصة مدوناً على لوحة عريضة. ممرضة جلست خلف طاولة صغيرة تمسك بيدها مرآة صغيرة و قد انشغلت بإصلاح زينتها. سجلت اسمها و دفعت أجرة الكشف ثم صحبتها الممرضة حتى غرفة الطبيب الذي كان منهمكاً في قراءة كتاب, يرفع رأسه و يحيها و كأنه كان ينتظر الفرج مع قدومها ثم يدعوها للجلوس.
يسألها الطبيب عن اسمها فتترد في الإجابة قبل أن تعتذر لأنها سجلت نفسها باسم آخر لدى الممرضة في الخارج. أحست بأنها قد بدأت مع المتاعب من جديد. الطبيب على ما يبدو تفهم مقصدها وقال: هذا أمر شخصي يخصك و لكن لا داعي لذلك فالأمراض النفسية هذه الأيام هي الأكثر شيوعاً بين الناس خاصة السيدات!. هزت رأسها و تظاهرت بالموافقة.
سألها: المهم ما هي مشكلتك التي جاءت بك للعيادة؟
تنهدت طويلاً. هي قلقة دائما و متوترة و سريعة الغضب. ما يقلقها أكثر أن غضبها بدأ ينصب على أطفالها, فهي تصرخ فيهم كالمجنونة , يفرون منها كفئران مذعورة, تنهال عليهم بالضرب أحياناً كثيرة و بما تقع عليه يديها و قد تؤذيهم. الطبيب يستوقفها و يسأل: و هل يريحك مثل هذا التصرف؟
لا. فهي على العكس تصبح أكثر توتراً حتى أنها تبكي و تندم على ما فعلت و لا تصدق ما بدر منها وتقنع نفسها أن إنساناً أخر قد فعل ذلك. تحاول أن تضمهم إليها و لكنهم ينفرون مني. يخافون أن تضربهم من جديد. لقد بدأت تكره نفسها فعلاً. إنها لا تطيق النظر لوجهها.
و أين زوجك من كل هذا؟ و ماذا فعل؟
زوجي منشغل عني و عن الأطفال بالعمل الإضافي بعد وظيفته في الصباح فراتبه … يقاطعها الطبيب محتداً هذه المرة. : هل حاولت أن تشاركي أطفالك لعبهم و لهوهم؟
لن تكذب, فهي تتركهم أمام التلفاز معظم الوقت و تراقبهم عبر نافذة المطبخ. و إن غاب أحدهم عن بصرها تكاد تجن و تترك كل شيء للبحث عنه.
الطبيب: هذا سلوك طبيعي و لكن خوفك زائد بعض الشيء. فالأطفال فيهم فضول يدفعهم لاستكشاف ما حولهم و اهتمامكم الزائد بهم قد يحول بينهم و بين ذلك. دعيهم يكتشفون عالمهم على طريقتهم, جربي اللهو معهم في ألعابهم التافهة و السخيفة. هل تكرهين أن يعاد شريط حياتك من جديد أمامك.
:صدقيني سوف تكتشفين أنك فوتي على نفسك متعة كبيرة بعدم اللعب معهم و الاقتراب من عالمهم الصاخب. لقد أهدرت فرصة لإنضاج شخصيتك و الارتقاء إلى عالمهم. ظلت تنظر إليه في دهشة غير مصدقة ما تسمع.
يمد الطبيب يده أسفل المكتب و يضغط بقوة . صوت جرس مرتفع يرن في الخارج…
تدخل الممرضة و يأمرها الطبيب أن تعيد للسيدة أجرة الكشف. تتوسل إليه أن يصف لها مهدئاً يريح أعصابها.
سيدتي: أنت لست مريضة و أطفالك الذين تعتقدين أنهم سبب ما تشعرين به هم في الحقيقة الحل الوحيد لمشكلتك. أطفالك هم طبيبك الذي لا يخطأ و دواءك الذي لن يسبب لك أية مضاعفات..
ينتابها خجل شديد. تاهت بين كل ما سمعت منه. صور أطفالها تقفز تباعاً لمخيلتها المتعبة. تخرج مهرولة إلى البيت… إلى طبيبها …
صفاء حسونه

 إثـــارة

قصة بقلم : كلاديس مطر


         بيني
وبين (أبقراط) قسم، وربما سر قديم لا يعرفه أحد سوانا. صحيح أنني وقفت مع مجموعة كبيرة من الأطباء أمثالي، حين أديناه، لكن نبرات أصواتنا كانت مختلفة تنم عن حس شخصي، خالص، وربما قلق لدى بعضنا خوفاً من تغيير في عادات التعبير، وحب الفضفضة، والرغبة في سرد الأسرار الصغيرة في سهرات الأصدقاء.

أما أنا فلست مستعدة أن أضن بسري أمامكم، بل حتى لا أرى مبرراً لذلك. إن أسرار المرضى تشبه أسرار الوطن، كلاهما كلما أمعنا في سترها استفحلت وظهر التشويه اكبر.

ولكن من منا مستعد للمجاهرة بوجعه، وحث الآخرين على تغيير اتجاد عباد الشمس، بحيث يرنو دائماً إالى النور؟

تتميز مدينتي الصغيرة بهذا الميل الخفي للتستر على الأسرار، والركون الى الوجع، وكم الفم على الآه التي لا تجد لها منفذاً. إننا نخاف من أن تدفع الأسرار المفضوحة أحباءنا والمعارف للتشفي وتكبير الجرح. نخاف تغير صورنا الجميلة والمتحفظة أمام من نريد أن نبذهم ويبذوننا. نخاف من الجنون والطلاق والتشرد والأفلاس والهجرة التي يدفعنا اليها الآخرون، متى أراد الزمان أن يرمينا في الفضيحة ويدك بيتنا الزجاجي المتين الذي طالما زخرفنا به ودعمنا أساسه الواهي.

لكني مع ذلك لا أرى سبيلاً للخلاص إلا في الفضيحة والمجاهرة بالأوجاع، وكشف المستور، إذا ما أردنا قيامة أبداً. ولا أرى سبيلاً للحب إلا بالخيانة، خيانة تقاليدنا الكئيبة ونصائح الحلاقين ومزيني الحي والعرافات. ولا أرى سبيلاً للحياة إلا بموت هذه الرغبة للتقوقع واللوم والتأنيب وكره الأختلاف عنا.

لقد واظبت كثيراً على الصلاة فيما مضى، وصمت، صمت كثيراً بدافع إماتة الذات وأحياناً الخوف، كما راعيت الأصول المتعارف عليها فلم تصدر عني ضحكة عالية ولا سمحت لنفسي أن أعبر عن ميل للفن أمام الآخرين، ولا تمايلت على موسيقى مؤثرة، ولا أذكر بأني تركت لساقي أن تستريحا متباعدتين بعض الشيء، إلا عندما أرتدي السروال الواسع الطويل بين الأقرباء في المنزل. كما أنني (طبعاً) لم أدخن، ولا سمحت لنفسي بالمجاهرة بالحب تجاه أحد. لقد كنت على صورة هذا المجتمع الغريب ومثاله.

وحين قبّلت الأيادي كي أدرس الطب، نهرت، فلم يحتمل والدي أن أرى أعضاء الذكر التناسلية بدافع طبي بحت، كما جننه خياله وهو يتصورني أقلب الجثث المنقوعة بالمحاليل، وأحمل معي إلى البيت عظام الموتى كي أدرس عليها.

دخلت كلية الطب وأنا ما زلت أقيم الصلاة وأصوم وأراعي الأصول كفتاة شرقية رصينة. ولم أر (بعد) ميلاً في نفسي، والله العظيم، كي أدخل في حدة الصراع النفسي، فطالما سُمح لي أن أدرس ما أشاء، فإنها نعمة يجب المحافظة عليها بلا ضجيج.

لكن الأيام التوالي التي هدرت في المخابر وتحت (مصابيح) الدراسة ليلاً، دفعتني كي أرفع أكمامي بدافع العمل، وأطلق ضحكاتي المكبوتة كلما توصلت في دراستي الى شيء هام، أو أمكنني استيعاب فكرة كانت عصية على الأدراك. أما الرغبة في الحياة بكليتها فلم يخلقها كبت الدراسة ولا كثرة المثابرة، وإنما إحساسي الطاغي بأن ثمة شيئاً ما هناك، شيئاً يقيناً لم أحدد معالمه بعد، لكنه قوي إلى حد الطغيان.

إذن، فلأفتح نوافذي على كل الأتجاهات، ولأتطلع الى الخارج، ولأسمح لنفسي بشيء من الوجود الذي باركته حتماً يدا خالق ارتكب حب الحياة قبلنا.

لقد خلق الله الجمال، ونحن أوجدنا الغطاء، وخلق الله الحب ونحن سترنا العورات، وخلق الله الحرية والأجنحة والخيال ونحن رفعنا الأسوار، وخلق الله الميول الفنية فينا ونحن رأينا فيها استهتاراً بالأخلاق! إنها أخلاقنا نحن التي نخالف من خلالها مشيئته كل يوم.

أنهيت دراستي وتركت مدينتي الصغيرة للعمل في بلد قريب. ودعت الأهل والأصدقاء، أما والدي فلم يعش لليوم الذي يرى فيه تلك التغييرات الحقيقية التي طرأت علي. إنها تغييرات خرجت من عمق ذاتي، لم أقرأها في كتاب، ولم أستسغها على أحد. لقد أوجدتها حاجتي وميلي للتطلع نحو الحقيقة، فلم أعد أطيق الأفراط في الشكليات، ولم أجد مبرراً بعد في ترصيع الطقوس والمحافظة عليها كبؤبؤ العين، ولم أفهم لماذا يجب أن أكرس الحواجز الوهمية، وأن اسير ضد تيار انسانيتي بسبب اي اعتبار.

في الطريق من المطار إلى المشفى الذي تعاقدت على العمل فيه، كان المناخ يغدو صحراوياً أكثر فأكثر، فخلت أني أسير باتجاه أحد المعتقلات. لم ألمح من وراء زجاج السيارة لا زرعاً ولا شجراً. لم يكن هناك سوى الرمال الممتدة، وبعض الأبنية الحديثة الرائعة التصميم، والتي لم أفهم لوجودها هنا سبيلاً. وظللنا نسير في طرق فتحت عبر الكثبان، حتى لاح المشفى في الأفق البعيد، فقلت في نفسي (يا ألله! لقد اقتربت لحظات العمل وتحقيق الذات. لربما أمكنني أن أتابع أبحاثي طوال بعد الظهر والتفرغ للمرضى صباحاً، أو ربما أدعم شهادتي بأخرى، فليساعدني الله على ذلك. آه ما أبدع الطموح وكل الميول إذا كانت تصب في قلب فرح هذه الأنسانية التي نلتصق بها، ونحمل همها طوال العمر.)

ورحت أردد كم أنا معجبة بذلك البلد، الذي نحت حضارته في عمق الصحراء، وهو يحاول اللحاق بهذا العالم على طريقته الخاصة. لقد سمعت الكثير عن التقنية الحديثة في المشافي، وعن الأجهزة التي وصلت للتو، من مصانع مخترعيها، وعن العناية بالمرضى التي فاقت كل التأمين الطبي الذي تتغنى به الدول الكبرى. ما همني وتلك الكثبان؟ وما شأن ارتفاع الحرارة بطموحي؟ سوف أنكب على عملي متنعمة بالمكيفات ووسائل الراحة التي لا آخر لها.

وصلت إلى المشفى بعد الظهر. كانت الشمس الحارقة تقف في كبد السماء بلا رحمة. أما المبنى نفسه، فقد كان معزولاً بعض الشيء، لا يحيط به سوى أربع شجرات مزروعة بقصد التجميل، وربما بعض الظل. إنها الطبيعة المختزلة الموحية ... والباقية.

بعد عدة أيام بدا المكان أليفاً، بالرغم من التحفظات الكثيرة تجاهي، كوني امرأه. فلم يزرني مرة رجل من مرضى تلك البلد، اللهم إلا الغرباء. ولم تشأ الظروف أن أدير حواراً مع أحد منهم، ما عدا مدير المشفى الذي رحب بي بكلمتين لبقتين، دون أن يجرؤ على التطلع إلي مباشرة. (ما هذا التهذيب!!) قلت في نفسي، حقا لم تتمكن التكنولوجيا وصرعات العصر، من إفساد الأمور هنا، فكل شيء يسير لحاله.

إذاً، سأصل في أبحاثي الى الذروة، وسيساعدني كل شيء هنا على تحقيق ذلك، حتى الحرارة المرتفعة وامتداد الكثبان. سوف لن يتمكن أحد من استغلال كوني امرأة، وستحترم حريتي بالضبط كما كنت احلم دائماً. أما عاداتي وهواياتي وعلاقتي بالله، فستبقى كما هي، بل ربما وجدت الحضن المثالي لكي تتجلى في محبتي العارمة تجاه الأنسانية كلها.

لقد كان عالمي يتألف مني ومن المرضى والشجرات الأربع التي غدت جزءاً لا يتجزأ من كون قاحل ممتد بين هضاب الرمال.

وحين كنت أرنو بنظراتي، من وقت لآخر، من وراء زجاج المشفى، كنت أتصور المكان ممتلئاً بالأشجار والدغل وأشتال الورد، وأتخيل تنضيدها. وحين كانت عيادتي تمتلئ بالمرضى المنتظرين، كنت أعرف أنهم يتلهون بالتطلع الى الشجرات خارجاً، أكثر من صبرهم على قراءة المطبوعات والنشرات الطبية الموضوعة أمامهم. أما ظلها المعكوس فقد كان يمتد ليشمل مساحة لا بأس بها، فكانت الكلاب والقطط، تهرع للأسترخاء، محتمية من وهج الحر، الذي كان ينسكب من الشمس بلا توقف.

وشيئاً فشيئاً، أخذت أستعيد توازن بوصلتي، وبدأت أعتاد إيقاع حياتي التي أربكها الأنتقال والعمل في بلد جديد. كما وجدت مكاني بين أشخاص عرفتهم وأحببت خصالهم، واتخذتهم أصدقاء.

وازداد إيماني بالله كلما تقدمت في أبحاثي، وكلما وطدت علاقتي بمرضاي، واتسع فهمي لأمور الدنيا حولي. ورحت أجد متعة في المساعدة خارج أوقات العمل. أما الشجرات الأربع، فقد ميزت خلفية المكان الذي كان يحتضن كل هذه التغيرات وربما كل هذا العيش.

لكني فتاة غير متزوجة، هذا هو الأنطباع السري الذي خلفه عملي كطبيبة في المشفى، وهذا بالضبط مصدر كل قلق خفي كان يطغى ، من وقت لآخر، على مشاعر الأرتياح التي أحسها بسبب تقدمي في العمل. التهذيب الشديد، وربما الحذر مني كان يربكني بالرغم من تفهمي الممزوج ببعض التأفف والتذمر. إنه مجتع مختلف عني، لكنه غني –كنت أقول لنفسي- على عكس بلدي، الذي كان مدنياً أكثر، ويناضل كي يحافظ على بنيته التحتية. لقد أبعدنا صراعنا الطويل مع العدو، وقضايانا القومية عن حدة التطرف، وغدونا بلداً يبحث عن قيامته وقوته، ويحافظ كي يبقى على قيد الحياة. لقد حزرنا، كشعب، على المدى الطويل، ما هو المهم وما هو الأهم، ولم نعد نكترث كثيراً في حمأة بحثنا عن وجودنا وقيامتنا عن ركبة امرأة بانت عمداً، أو بلا قصد من خلال ثوب. لكننا مع ذلك بقينا، في العمق، مؤمنين بأن هناك عيناً كبيرة تطل من الأعلى لترعانا، وتهدي خطواتنا. هذا هو بلدي الذي قدمت منه. أما هنا، فقد كان للوجود اعتبارات أخرى، وللحب أصول لم أفهمها. أما الحرية فقد كانت أمراً لم يبت فيه بعد.

لقد نشأت في عائلة محافظة، وربما ظننت لوهلة بأننا اكثر العائلات تزمتاً ومحافظة في بلدتي، لكن حاشية الحرية، مع ذلك، والتي كنت أملكها كفتاة، كانت كافية حتماً لأصل إلى آخر سنة من سنوات اختصاصي كطبيبة.

تمر الأيام هنا متشابهة بعض الشي، تميزها الوجوه الجديدة للمرضى، وقصصهم السريرية وتبدل الطقس ثم الحذر، الذي أخذ يزداد يوما بعد يوم من كوني طبيبة غير متزوجة.

وفي يوم استيقظت على عجل، بعد أن قضيت ساعات عدة، بعد منتصف الليل في مخبر المشفى. ولأميز المناخ في الخارج بدقة، أزحت الستائر، وفجأة وقعت عيناي على الشجرات الأربعة مقطوعة من جذرها، ومرمية جانباً بقصد ترحيلها. وفركت عيني لأتأكد من صحة ما أرى، وأعدت فركهما مراراً، كمن يرى مشهداً لا يصدق. جلست على حافة السرير وأخذت أخمن بسرعة السبب الذي يدفع أحداً لقطع مصدر الظل والجمال الوحيدين في صحراء بلا بداية أو نهاية.



لقد انكسر شيء في داخلي، لربما هو الهبوط الذي يخلفه إحساسنا بالفقدان، أو حتى انهيار ثبات الذاكرة بالذات، حينما يتساوى لدى المرء كل شيء في لحظة واحدة.

هكذا كنت أفكر وأنا أعبر الممر الطويل، باتجاه غرفة مدير المشفى. ولأول مرة يسمع الزملاء، وربما المرضى، صوتي مرتفعاً، وقد أمسكت عنق الرجل بقبضة يدي، وأنا أسمع تعليله للأمر. وصرخت:

( أيها المتخلف الشاذ ... اذهبوا إلى الجحيم أنتم ومشافيكم وأموالكم وتقنيتكم المستوردة أيها المتخلفون ... يا ساكني المغاور والكهوف ...)

في اليوم التالي، وفي طريق عودتي الى المطار، كنت أرتجف حنقاً وغيظاً، وأنا أجتاز مجدداً هضاب الكثبان، بينما هز تعليل مدير المشفى الفضاء حولي:

(لقد اضطررنا لقطعها بسبب .. أقصد ... بسبب لجوء القطط إليها والتناكح في ظلها، الأمر الذي قد يثير غرائز المارين، وربما المرضى المنتظرين في العيادات ...)