
ق ق
عبد الله الدحيلان*
قدومُهم
يحدثُ زلزالا في تلك البقعة الصغيرة من الكرة الأرضية
! .
الكل يخرج ليرحب بهم ، رجالا ونساء ، شيوخا وصغارا .. الكل
يطمعًُ في أعطية ٍ
يرتكزُ عليها . فوالدها لا يزورنا إلا وينثر المال على
جانبي الطريق . يغرسُ في يد
كل واحدٍ منا جنيها ذهبيا لا يساوي مثقال ذرة من تركته
الضخمة ، بينما يعد مجرد
النظر إليه في قريتنا انجازاً .. فكيف الظفر به ؟!
.
النساء يزغردن منتشيات
فرحا ، وتتحلق مجموعة صغيرة من الصبايا ليرقصن بعيدا عن
أعين الرجال الغرباء . أما
الرجال ، فيطلقون الأعيرة النارية بكثافة بالغة ..
ويستعرضون مهاراتهم الحربية من
خلال رقصات شعبية تنبض بالفحولة
! .
سيارتهم الفارهة هي الوحيدة التي تمر من
هنا . تشق الأتربة وتثير الغبار ، فتخلف وراءها عاصفة
رملية تعكر ، للحظات ، صفو
تلك السماء النقية
! .
قصرهم الكبير ، يقع هناك ، في طرف القرية . يمثل هذا
القصر لأهالي القرية دنيا العجائب ، تحاكُ حوله القصص
والروايات . فيقال : إن هناك
بحيرة صغيرة يقصدها الهرم فيعود شابا فتيا .. لذلك نجدهم
يودعوننا كل عام ٍ ووجههم
نضرة محمرة كأنها التفاح
! .
ويقال أيضا : إن سيارتهم الحديدية التي
يستقلونها ما إن تغيب الشمس يلتفون حولها لتحكي لهم أجمل
الحكايات في جلسة سمر لا
تنتهي إلا بطلوع الشمس مرة أخرى
! .
إسرائيليات كثيرة تقال عن هذا القصر وما
يدور فيه ، لا تصدق ولا تكذب .. ولكن يستأنس بها
! .
أعدُ الأيامَ بشغفٍ حتى
تأتي كل عام وأملأ عيني منها . جميلة وصفٌ أختصر به كل
المعاني التي قيلت في الحب
منذ أن عشق العشاق ، وهام الهائمين . يا لها من نسمة تطير
فتحلق خلفها الأعين
..
تتبعها ، تراقبها ، تتأملها حيث لا مثيلَ لها في الدنيا
! .
أبيض من الحليب
، وأنعم من الزبد ، ولها همسٌ كأنه عزف ناي ٍ في وادي ٍ
عميق يرتد صداه فتتكسر من
أجله ضلوع الفؤاد . وحين تضحك .. يالله ! كأن الشمس أشرقت
؟! أم أن الأرض اهتزت
وربت ؟! . قطعتي خوخ ٍ ممزوجة بالحمرة تنفرج قليلا فيلمع
عقد من اللؤلؤ المكنون
.
هي ملاك ! أجمل ما رأيت في حياتي . اسم على مسمى ، ملاك
! .
لا تهبط
ُ على أرضِ ٍ إلا هبط الخير معها ، تشعر بأنها ليست غنية
متغطرسة بالمال وما يجلب
معه من جاه ٍ وسلطة . هي بسيطة ، تبتسم حينما يبتسم
الآخرون ، وتغضب .. وتكاد تدك
الأرض دكا ، وتتحول من حمل ٍ وديع إلى ذئب مفترس حينما ترى
طفلاً يبكي أو يتضور
جوعاً . فلا تقاوم ، تذرف دمعة نقية ، يشبه لناظر أنها
قطرة سقطت فجأة من جوف
السماء
.
وأنا صغير ، كنت أجلس بجوارها كلما رأيتها ، استرق بأنفي
رائحتها
الزكية وأتفحص بعين تلك الملابس النظيفة المليئة بالخرز
الملون ، الذي يبرق فيصدر
ألوانا مدهشة . لا أجلس بجوارها لأنني غني مثلها ، بل هذا
قدري . فأمي خادمة مطيعة
وأمينة ، لذلك فهي تخدم في بيت هذا الرجل منذ أن حط رحاله
هنا قبل حوالي ثلاثين
عاما.
أدخلُ ذلك القصر الكبير ، وأتجول فيه بقدمين نحيلتين كأنهم
سيقان فرخ
وليد . رأيت تلك البحيرة التي يكثر الناس الحديث عنها حتى
يومنا هذا . فوجدت الورود
الملونة مرمية بشكل عشوائي ومنتشرة في أرجاء تلك البحيرة ،
التي تصب فيها نافورة
ذهبية ماء زلال يشبه خريره انسكاب القهوة في الفنجان ..
تذوقه فكأنه الشهد
! .
لم يصدر ذلك الثري بعد أوامره بأن لا أدخل قصره مرة أخرى ،
معللا ذلك بأني
كبرت وتحركاتي في القصر باتت تريبه ! . هكذا قالها لوالدتي
مواريا حتى لا تصطحبني
معها إلى هناك مرة أخرى . لم يشأ أن يقول لها أنه رآني
أمسك بيد ابنته مغادرين
القصر في وقت متأخر من الليل . حيث ذهبنا إلى تلك العرافة
المنبوذة التي تقطن كوخا
في أعلى الجبل . ذهبنا إلى هناك لنسألها عن حقيقة ما يقال
في حق ذلك النهر المتطرف
الذي يقع بالقرب من القصر الكبير الذي تقطنه ملاك وتطل
عليه من غرفتها مباشرة . حيث
تعلمنا منذ الصغر أن من يسبح في ذلك النهر أو حتى يقترب
منه تبتلعه الجن ويموت
سريعا . أكدت لنا هذه المعلومة ، وطالبتنا ألا نتهور
فحياتنا كما رأت بعد أن كشفت
لنا (الودع) هي حياة سعيدة تنتهي بعش صغير لا يسكنه إلا
أنا وملاك
.. ! .
لا
أعلم لماذا نظر كل واحد منا إلى الآخر وابتسم . هل هي تفكر
بما أفكر به ؟! هل تقبل
أن تتزوج صعلوكا مثلي يأكل يوما ويصوم يوما آخر ؟! وهل
سترضى أن تعيش في منزل
متهالك أكل الدهر عليه وشرب ؟! وإن قبلت .. هل سيقبل
والدها أن يكون صهره فلاحا
وأمه خادمة تحت قدميه ؟!
.
ودعتها تلك الليلة لتنام في غرفتها التي لو أقيم
فيها سباق خيل ٍ لحوته . وذهبت أنا إلى المطبخ لأنام على
سجادة افترشها كل ليلة حتى
لا يأكل جسدي ذلك البلاط البارد جدا . الهواجس تئن في رأسي
حول ما قالته العرافة ،
فأما النهر فلا شأن لنا به ولا بجنه فلا أنا ولا ملاك نجيد
السباحة ، هكذا أخبرتني
، ما يهم هو الزواج . لم أستطع الاحتمال فضاقت نفسي بي
وقمت أتجول في ذلك الميدان
الكبير الذي يتوسط القصر . فلا أحد هنا ، الكل نيام ،
والهمس يسمع فكيف بصوت
(قبقابي)
وهو يرتطم بالدرج الطويل الذي ينتهي إلى الطابق العلوي حيث
غرفة ملاك
.
فتحت الباب قليلاً ، فوجدتها تغط في نوم عميق ، فلحافها
الظلام والقمر
يتسلل من شرفتها كمصباح يبدد خوفها الدائم من العتمة ! .
أطلتُ النظر .. وكيف لي أن
أشبع وأرتوي وعروس البحر مسجاة أمامي ؟!
.
أخذت نفسا عميقا . أغلقت الباب
وهرعت مسرعا إلى مطبخي حتى لا يراني أحد ، حيث القدور
والأواني والملاعق وسجادتي
اليتيمة ، وكم هو منظر لا يستحق التأمل والتفحص
! .
-
هل سألحق بها .. ؟!
منذ أن سمعتُ بالخبر وأنا في حالة هستيرية ، ذهبت مهرولا
حافي القدمين
.
أريد اللحاق بها ، بحبيبتي ، أردت أن أكون أول الواصلين .
عندما وصلت ، زاحمت ذلك
الجمع الغفير من الناس ، فوضى عارمة واختناق يحدث كل سنة
.
ها هي سيارتهم
الرمادية تأتي مسرعة كسرعة البرق ، وما أن تتوسط الطريق
حتى تبدو كعجوز تمشي ببطء ،
ليتسنى للجميع أخذ الأعطية .. خاصة الفقراء والمحتاجين
! .
تتلفت وعيونها
تكاد أن تطير من مقلتيها . إنها تبحث عني ، تريدني ، وأنا
كذلك كنت ألوي عنقي لياً
حتى تلتقي العيون فتحتضن بعضها البعض . صعدتُ ذلك التل
الصغير ، أشرت بيدي فأشارت
بيدها ، تبسمتْ والسعادة تملأ ملامحها ، كل شيء فيها يغرد
طربا ويفضح مشاعر شوق لا
تقال ولكنها تلج إلى القلب مباشرة وتنقش بسكين حادة تقطر
دما كلمة أحبك
.
ما
أن رأيتها حتى شعرت أن دلوا من الماء البارد صب علي . فتور
، راحة نفسية وبدنية
.
أحسست أن مجهودي لم يضع سدى ، انتظاري عام كامل أتى أوكله
، فكانت الثمرة ، كما هي
كلما رأيتها ، ناضجة تسر الناظرين
.
شدها من كتفها بقوة ، و لوح بيده لسائق
أن يمشي بسرعة .. ثم رمقني بنظرة استحقار وراح يتمتم
بكلمات لم أسمعها ! . رأيت في
عينيها انكسار ينبأ بنهاية العالم . طارت نشوة الفرحة وحل
كابوس لعين . نزلت
كالمجنون ، انغمست بين جموع الناس ، متسائلا (من هذا الرجل
؟!) لم يجبني أحد ،
فطائفة فرحة بما أتاهم من فضله وطائفة حزينة تكيل اللعنات
والشتائم لذلك المتعالي
الوقح ، بذيء اللسان
! .
صرخت بصوت عال ٍ (أجيبوني .. من هذا الرجل ؟!)
وحدها أمي ، من أين ظهرت ، لم أرها ، فكأنها خرجت من باطن
الأرض . أمسكتني من كتفي
بين تلاطم الجموع ، ثم هزتني بقوة ووجهها صامت جامد لا
حراك فيه
..
-
إنه
زوجها .. زوجها يا ولدي
!!
------------------
الإسم: عبدالله الدحيلان
البلد: السـعودية
تاريخ الميلاد: كانون الثاني 8, 1986
المهنة: أكاديمي/تعليمي
البريد الإلكتروني:
alduhailan@maktoob.com
تعقيب
الأخ المبدع عبد الله الدحيلان
إنه الحب السراب ، الحب بلا أمل ، الحب المحكوم عليه سلفا
بالوأد
***
القصة رائعة و محزنة
صغتها يا أخي بحِرَفيِّة بالغة
و فنية راقية و أسلوب مشوق
و نفس روائي متفوق
***
سلم يراعك و دمت مبدعا
نزار