الأدب 1/و

ضيوف "العربي الحر"

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

*****

في قصر الباشا  يد الله و  رحمته

.

مقال : آسيا بوفنار

   

 

        منذ  سنوات خلت ، و بالضبط في العهد العثماني كان لا بد عليك إذا أردت الدخول إلى قصر البشا أن تكون : باشا و ابن باشا .. أن تكون مفعما بالحيوية و القوة و تملك قوة المال و النفوذ في الوسط المخملي .. أن تكون غنيا حد الترف .. أنيقا جدا بلباس مزركش بخيوط من ذهب .

أما اليوم ، فيكفي أن تكون إنسانا عليلا ، و هنا يتساوى الناس في هذه الصفة كأسنان المشط .. أما بالنسبة للكنية : فيكفي أن تكون مريض و جزائري الجنسية .. و لا حول و لا قوة لك .. ينهش جسدك داء ما .. فقيرا حتى الجوع أو غنيا حد الآرشي ميلياردار على حد تعبير الجزائريين .

أما لباسك ، فلا مقياس يؤخذ ه لا من حيث الجودة و لا النوع و لا حتى النظافة في بعص الأحيان ! حتى أنه و أحياينا يكون اللباس مواريا للجسد و فقط ....

كانت الباشوية تطلق على فئة معينة أثناء العهد العثماني في المشرق و المغرب العربي و بها خلقت الطبقية في الوسط الاجتماعي آنذاك .

الجزائر بلد تجتمع فيه التناقضات ، لذا فإنها منحت اسم " مصطفى باشا " لأهم مركز حي بقطاع الصحة .. هذا المركز الذي يقدم جميع أنواع الخدمات العلاجية مجانا .. و كم هو غريب أن يمنح اسم يتضمن الباشوية لمركز يقدم الخدمات المجانية لكل طبقات المجتمع من فقير أو غني ، ذو نفوذ أو لا يملكه .

داخل هذا القصر الباشوي لفظيا .. توجد يد الله و رحمته للإنسان من أخيه الإنسان ألا و هو الطبيب .. هذه اليد التي يتشبث بها المريض تشبث الهاوي على جرفٍ هارٍ بخيط رفيع .

نحن نعلم أن الله لم يجعل من قلبين لرجل في جوف كما ذكر عز و جل .. و لكني أظن أن الطبيب يحمل في صدره هذين القلبين و هما متضادين فيما يختلج داخلهما من مشاعر متناقضة .

ربما ليس جميع الأطباء يتميزون بهذه الصفة لأن  طبيعة البشر تختلف من شخص لأخر .. فهناك من يتصف بالقسوة في المشاعر قلبا و قالبا .

لكني بصدد الحديث  عمن يتميزون بقالب صلب يمكنهم به أن يتناولوا الآلات الحادة و يشقون بها بطن إنسان آخر و ربما في بعص الأحيان تجدهم يقطعون أحد أطرافه أو جُلها .

و قلب مفعم بالمشاعر الرقيقة التي يمكن أن تجعلهم يتألمون و يبكون إذا استدعى الموقف لحال مريض يكابد الألم العابث بجسده .

هذه القدرة العجيبة التي دغدغت مشاعري و لفتت انتباهي يتميز بها الكثيرون من الأطباء المتواجدين بقصر مصطفى باشا بالعاصمة الجزائرية و بالضبط بمركز بيار و ماري كوري للأمراض السرطانية .. و من أَخُصهم بالذكر دكتورين جراحين يتعاملان كل يوم مع الآلات الحادة و يشقون البطون في غرفة العمليات دون هيبة أو رفِ طرفٍ لمشاعرهما في تلك الغرفة .. أما خارجها ، فهما القلبين المليئين بالمشاعر الرقيقة اتجاه المرضى .

هذا التمازج بين الصلابة و اللين يميز الدكتورين : شرشار عبد الحميد و سالمي عبد الوهاب بهذا المركز .

فمع كبحٍ لجماح مشاعره و استرسالٍ لها رويدا رويدا يقوم الدكتور شرشار عبد الحميد بالتعامل مع المريض ، فكُله آذان صاغية لشكواه و كُله صدرٌ رحبٌ لأناته و كلُه وسيلة للتخلص من آلامه .

أما الدكتور سالمي عبد الوهاب فلا لجام يستعمله لكبح مشاعر الاهتمام الحساس بآلام و معاناة المريض ، فتجده حيران و مستاء عندما يقبع الألم لمدة طويلة بجسد مريضه.

 فهما يعلمان جيدا أن ما بيدهما أمانة من الله الرحيم الذي وضع هذه الرحمة فيهما .. لذا فإنهما يخشيان التقصير أو إرجاء عملية ما تكون مقررة لمريض و يكون نتيجة هذا التأجيل ما لا يحمد عقباه فيصيبهما الندم على أمر لا يد لهما فيه .

لا شك أن هذه المهنة هي أسمى عمل يقوم به الإنسان اتجاه أخيه الإنسان .. و هذا القصر يضم داخله هذه الفئة التي تستحق أن تحمل لقبا أسمى من الباشوية .

و لولا أننا لا نتمنى أن يصاب أحد بعلة –عافاكم الله- لكنا دعوناكم لزيارة قصر اباشا مصطفى و بالأخص مركز بيار و ماري كوري .

  آسيا بو فنار - الجزائر

          enfin213@hotmail.com