
.
خاطرة

أ.
د.
دنحا طوبيا كوركيس*
كانت
الدقائق
القليلة التي تكلمت خلالها من عمّان مع والدتي (رحمها الله) على فراش الموت
في
بغداد يوم 12 آيار 2009 لحظات حاسمة في علاقتنا الارضية التي انتهت ببضع
كلمات: "لا
استطيع التكلم، يا ولدي، فالملاك گـورييل على اكتافي". سمعت هذه العبارة عن
كل من
كنت له شاهدا وهو ينازع الموت إلا جدتي (صالحة، والدة والدتي) عندما كنت في
السادسة
من عمري، التي غابت عنا لساعتين أو أكثر ورجعت قافلة لتروي لنا قصتها مع
الملائكة
في السماء، بينما تطلب من الناحبات حولها ألا يبكين وأن يعدن لها صحن
(عدس). وما ان
فرغت من الأكل، سلمت روحها لباريها وهي تتمتم: "سأرجع حيثما كنت".
وفي
اللحظة التي وضعت هاتفي المحمول جانبا بانتظار العرس المبكي على والدتي،
ظهر شريط
متحرك على شاشة التلفاز يحمل خبرا عاجلا: "عزرائيل يحصد ارواح عراقيين
بالجملة".
أتذكر جيدا أن آيار هو شهر الخير، شهر يحصد فيه الشعير بالمناجل في العراق،
ولكن ما
لم يرد في كل الاديان، حتى الوثنية منها، أن يأتينا هذه المرة عزرائيل
بمفرقعات
ليحصد البشر. رنّ جرس الهاتف لتبلغني اختي بأن الملاك گـورييل استلم
الأمانة التي
اودعها رب العالمين على الأرض قبل تسعين سنة. لم أذرف دمعة واحدة بسبب
عزرائيل الذي
كان منشغلا في مدينة الثورة (تيمنا بعبد الكريم قاسم، رحمه الله). بدأت
اتأمل في
المعتقدات، واتساءل: هل يمكن أن يكون گـورييل وعزرائيل وجهين لعملة واحدة؟
وإذا كان
الأول قد أمهل والدتي التي كانت تصلي وهي تنازع الموت، وسمح لجدتي أن
ترافقها
الملائكة، فلمَ لم يمهل عزرائيل الابرياء لينطقوا بالشهادة؟ لو قلت بأنني
اشكك في
عدالة السماء، ما لبث احدهم إلا وقال لي: إنها ارادة رب العالمين، ومكتوب
عليهم أن
يموتوا بهذه الطريقة، ولا خيار للانسان في انتقاء طريقة موته، حتى لو كان
انتحارا.
مفاهيم ايمانية يرقص لها عزرائيل ومن يواليه طربا، أليس كذلك؟ غريبة هي
افكارنا،
ولكننا نخاف ان نعلن عنها على الملأ كي لا نوصم بالالحاد، أو في الأقل نفسح
للفقيه
أو اللاهوتي مجالا في ان يعترض طريقة تفكيرنا. لا أشك في أنه خطر ببال
بعضكم بأن
عزرائيل ليس واحدا، بل يمتلك جيشا جرارا في العالم، يأتيك من الاطلسي غربا
ويتجه
إلى طورا بورا شرقا، وإلا كيف تفسر حصاد الأنفس بالجملة؟ وإذا كانت
الشياطين هي
التي تدفع بالبشر لأن يزرعوا عبوات ناسفة، أو يقطعوا رؤوسا ويفجروا الكنائس
والمساجد، فهل يكون ذلك بإمرة عزرائيل؟ وإذا كان عزرائيل ارهابيا، فلماذا
يفجر نفسه
احيانا؟ وهل عزرائيل (مَلَك الموت) ارسله الخالق ليحصد أنفسا بالمتفجرات ما
زُرع
لأجل الخير، بينما يرسل لوالدتي الملاك گـورييل الذي سمح لها بأن تكلمني؟
أعلم جيدا
أنها اسئلة محيرة نعجز الإجابة عنها، ولكن هل يمنعنا الله في أن نسأل كيف
ندركه؟
ورغم كوننا احرارا في الافصاح عما تختلج به صدورنا والتعبير بصدق عن
مكنوناتنا، فأن
عزرائيل يتربص بنا في كل حي وزقاق ومتجر ومركبة ومطية، وحتى في الفضاء
الخارجي. ولو
سألته متى يحين دورك في (زفته) الجماعية أو المنفردة، سيقول لك: لو بالليل
لو
بالنهار!
==================
*د.دنحا طوبيا كوركيس
==================