كانت
عطلة الصيف المدرسية ، و كان زهير يقضي معظم وقته
مستلقيا أو نائما ، يقرأ أحيانا مقاطع من صحيفة اليوم ثم
يلقي بها ضَجِرا ، أو يلهو قليلا بالعزف على ( الهارمونيكا
) ثم يرميها مللاً ، و لا يدب النشاط في أوصاله إلا عندما
تنادي رقية ابنة الجيران إحدى شقيقاته ، فإذا اطمأنت أنها
موجودة ، تقفز فوق السور الفاصل بين المنزلين لتلقاها ، ثم تتجها معا إلى غرفتها كي تتسامرا .
عندما كان يسمع صوتها ، كان يهب واقفا ، و يهرع إلى نافذة
مطلة ، كان قد جهزها بحيث يرى منها و لا يُرى ، فيراقبها
و هي تتسلق السور ثم تنقلب فوقه نحو حديقة منزله ، عندئذ
يتحول قلبه إلى طبل إفريقي يقرع معلنا النفير ، و تصبح
عيناه كعيني صقر يبحث عن طريدة ؛ ثم يعود إلى غرفته
ليستعيد صورة ما رآه و هو في أشد حالات الإنفعال و الهياج
، ثم يظل متربصا إلى حين عودتها إلى بيتها ، ليهرع من جديد
إلى تلك النافذة .
عندما كانا يتقابلان – مصادفة - وجها لوجه ، كانت تلقي
عليه تحية مقتضبة و قد وشّت خديها حمرة خفيفة ، أما هو
فكان يرد السلام بفم مرتعش و قد اشتعل وجهه و كاد قلبه
يخرج من صدره .
كانت رقية ترافق أحلام يقظته و أحلام نومه على السواء ،
يتخيلها إلى جانبه يناجيها و يبثها لواعج قلبه ، أو يؤلف
جملا رقيقة يتصور أنه سيلقيها على مسامعها معبرا عن وقوعه
في هواها ، إلا أنه لم يجرؤ أبدا على إلقاء كلمة واحدة
أكثر من ( أهلا ) مقرونة برجفة تنتابه من قمة رأسه إلى
أسفل قدميه .
و ذات يوم قدم إلى المنزل فتىً يماثله سنا أو أكبر قليلا
، برفقة والده الذي عرَّفه بأنه ( سليم ) أحد أبناء
العمومة ، جاء إلى المدينة ليكمل دراسته الثانوية ، لأن
بلدته ليس فيها صفوفا لما بعد شهادة الكفاءة* ، و أنه
سيكون ضيف الأسرة إلى أن يجد مسكنا مناسبا .
رحب به الجميع و بسرعة أصبح كأنه أحد أفراد الأسرة ، كما
أصبح صديقا حميما لزهير ، الذي ما لبث أن أسرَّ له عن حبه
الدفين لرقية ابنة الجيران و ما يعانيه من عذاب هذا الحب
الذي ملك قلبه و روحه ، و أنه لم يتجرأ حتى الآن أن يبوح
لها بحبه هذا ، و أنه كتب لها عشرات الرسائل و لكنه كان
يمزقها جميعا قبل أن يجف حبرها ، خشية أن تصده أو تفضح
أمره .
في الأسبوع التالي ، و بينما كان زهير عائدا من دكان
الخباز ، صُعِقَ إذ لمح سليم – ضيف الأسرة - و برفقته
رقية ابنة الجيران التي طالما سلبت لبه و أرقت مضجعه ،
يتمختران معا على الرصيف المقابل ، و قد التصق الكتف
بالكتف و تشابكت اليد باليد .
------------------------
* شهادة الكفاءة : شهادة المرحلة المتوسطة(البروفيه)
--------------------------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع :
www.FreeArabi.com