

أقصوصة واقعية
نزار ب. الزين

بداية وقبل أن أخوض في هذا النص الذي بين يدي أستميحكم عذرا لتوضيح
بعض
النقاط.
1-
- أنا لست ناقدا ولم أمتهن يوما النقد كي لا يداخلني الغرور يوما أو
يلتبس الأمر على البعض فيتهمونني بما لست أهلا له.
-2
- أنا مجرد قارىء
للنص من
حيث شكله ومضمونه كما أفهمه وبطريقتي التي يداخلها الخطأ أكثر من الصواب.
- 3
- إعجابي ببعض النصوص يدعوني للمجازفة
هذه المرة نلتقي بقاص سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت
العرب
عضو الجمعية الدولية للمترجمين و اللغويين العرب
منذ قدومه منابر
ما فتىء ينثر بيننا جمال مداده
.
تميز بقصّه الواقعي الذي يأخذ الحدث من المجتمع
وينسجه بحرفيّة متقنة ليقدمه لنا على طبق من الإبداع والروعة.
فنجده يعرض قضية
المرأة وظلم المجتمع لها والحيف الواقع عليها في أقصوصته :" تربية".
وفي " عدالة
صنف ثاني" يفضح الحيف الاجتماعي وسيطرة المال على المبادىء وانتشار الظلم
لما يستبد
صاحب المال بمصائر الغير...
و أقاصيصه كثيرة نابضة بالحياة ترسمك وترسمني, تتحدث
بلسانك ولساني, تحمل همّك وهمّي...
واقرأ إن شئت " الجزاء" أو مرّ على " تنافس"
..
ولاتنس أن تملّي عينيك بأقصوصة " المتشرد"..
ولن أطيل
..
القصة التي
اخترتها بعنوان : " فرصة العمر"
.
فلنبدأ:
من خلال العنوان " فرصة
العمر" يتبادر إلى الذهن أن هناك حدث سيغير حدثا,
فالفُرصة هي الوقت والنّهزة,
يقال" انتهز الفرصة" أي اغتنمها.. والفرصة هي النّوبة, وهي اسم من تفارص
القوم
البئر.. يقال " جاءت فرصتك من السقي", أي نوبتك.
والعنوان يضعنا في الإطار
الصحيح للأحداث التي ستندرج ضمن مفهوم الانتهاز واقتناص الفرصة لما تحين
اللحظة
الحاسمة .
ويبدأ التأثيث لمجريات القصة بإدراج حدث غير مسبوق أوضحه الكاتب جليا
من خلال استعمال الناسخ " كان" في المضارع المجزوم بـ " لم" ليعلمنا أن بطل
القصة
لم يعلم حتى اللحظة التي هو فيها ما يقع ثم ليستدرك بـ "لكن" ليؤكد أن هناك
أمر
سيقطع رتابة الأحداث ويلج بنا إلى الأعماق...
هذا التقديم الذي لم يتعدّ السطر
كان كافيا ليبرز قدرة الكاتب على استعمال عنصر التشويق والترغيب لمواصلة
القراءة...
مقدمة لم تتجاوز السطر استطاع من خلالها بكل حرفيّة أن يحدد بطل
القصة ويرفع الستارة مباشرة لنعيش معه الأحداث كما ارتآها دون أن يصيبنا
ملل السرد
الرتيب .
من خلال اسم بطل الحكاية " أمين" يتبادر إلى الذهن أننا أمام شخصية
يرتبط اسمها بمسماها, وننتظر منه الكثير لما ندخل جوهر القصة.
"أمين" يفاجأ برحى
الحرب الدائرة ببلده من خلال " قصف المدفعية" ومن أخبار " المذياع".
ماذا نستشف
من هذا؟
ربما يكون الغزو قد تم فجرا
.
ربما يكون "أمين" رجلا غير مهتم بما
يدور حوله.
ربما يكون من سكان الضواحي البعيدة فلم يفطن بما حصل
هذه الـ
"
ربما" لم تبدر مني جزافا بل زادت عمقا لما أصرَّ "على المضي قدما" بسيارته
في حين "
ابتدأت فوضى السير على الطريق السريعة".
عجبا!
أهي الشجاعة؟ أم
اللامبالاة؟
أيكون التهوّر؟
ربما عقله لم يستوعب خطورة مايجري بعد.
أوف..
اللعنة على هذه الـ " ربما" التي وقعت فيها لما أصرّ هو " على المضي قدما"
.
إلى
أين؟
إلى " فرع البنك رقم ( 5 ) الذي يديره
".
وبكل شجاعة استطاع أن يصل رغم
أن " القصف يشتد", وبكل رباطة جأش قدر على الصمود داخل الفرع مع أن أحدا "
من
الموظفين لم يحضر"
ما أشجعك يا أمين.
رجل والله أنت , استطعت أن تتخطى جميع
الصعاب لتطمئن على الأمانة التي علّقت برقبتك.
لكن لابد أن تخاف.
قوات الجيش
الجار الغازي تنتشر في كل مكان, قذائفه تصيب الأخضر واليابس, وربما يصلك
بعض من
جهنّميّتها وعدوانيّتها فتفقد عمرك وتلقي بأبنائك بطابور اليتم..
ربما يدخلون
عليك الآن ويأخذونك أسيرا..
ربما يجبرونك على فتح خزانة الفرع وينهبون ودائع
الناس وأموالهم التي ائتمنوك عليها…
اللعنة على هذه الـ " ربما" التي لم تطلق
سراحي.
إن قلبي يرجف ويكاد يحطم الضلوع مني فزعا على هذا المسكين الذي رمى
بنفسه
في هذا التنور من العذاب…
الله .. الله على فكرك الناضج يا نزار ب الزين
.
كم
تتقن نسج الكلمة وزرع الحرف ليثمر جملا قصيرة لكنها حادة المعنى تتلاعب
بالأحداث
وبنا لتنقلنا من هدوء المكان وغياب الموظفين حتى نظن أنه سيغمى عليه من هول
الواقعة, وإذ بك تحوّل دفة الأحداث مرة واحدة لتدخل بنا نفقا ثانيا مليئا
بالرهبة.
فجأة..
"
لمعت برأسه الفكرة"
سرقة ما أمّنوه عليه," أخرج ما فيه
من نقود" وعبّأها داخل حقائب.
ثم " و بكل رباطة جأش ، قاد سيارته عائدا إلى
بيته".
أنت لست ممّن يُقدِم على مثل هذا الفعل الشّنيع يا أمين .قد يؤثر
الإنسان
الخصاصة على أن يمدّ يده لما ليس له. ألم تكن تزرع يومك تعبا وتسقيه بسيل
من عرقك
المالح حتى تجنيَ في آخره كسرة خبز تهنأ لها البطون. قد حسبتك ثابتا لا
تهزّك رياح
الطمع, ولا تقدر عليك مخالب نفسك الأمارة بالسوء..خسارة يا " أمين". قد
هويت في
مستنقع لا مخرج لك منه,شربت منه حتى الثمالة…
خسارة. حين تهوي لتصير لصّا.
وكأني أسمعه يهمس في أذني مبتسما:
وهب أنّي سرقت. هل أُعلِنت نهاية العالم
بما فعلت؟
اطمئنّ, لا تحنق عليّ كثيرا فلست أول من مدّ يده لما عند غيره..
هي النفس البشرية إذن التي يسكنها الطمع وتكتنفها الأنانية وربما تصل
حد
الحيوانية حين يفسح لها المجال ولا تجد من يلجم اندفاعاتها البدائية.
فهاهو بطل
القصة أمين قد تخلى عن أمانته وانسانيته ورمى بميثاق العهد الذي أنيط به
وتجرد من
مخاوفه لما وجد " فرصة العمر" التي هيأتها له الفوضى التي سببها العدوان
على
بلاده.
**
الخلاصة:
القاص: نزار ب الزين:
أهنؤك بأسلوبك الرائع في القص
الذي يعتمد على اختصار الأحداث من خلال الاستغناء عن السرد الممل وتعويض
ذلك بالجمل
القصيرة غير المركبة التي تجيء مليئة بالمعنى غزيرة بالأحداث,إلى جانب سرعة
الانتقال من حدث لآخر دون إحداث قطيعة بين المعنى واللغة.
ودمت بخير
سيدي.
وحتى نص آخر لكم مني أجمل تحية
طارق الأحمدي - تونس

المنابر
الثقافية -
منبر الدراسات الأدبية والنقدية
http://www.mnaabr.com/vb/showthread.php?t=19746
Jul.19/2008
الرد
أخي المبدع و الناقد الفذ طارق الأحمدي
تقول تواضعا :
"
أنا لست ناقدا
ولم أمتهن يوما النقد كي لا يداخلني الغرور يوما أو
يلتبس الأمر على البعض فيتهمونني بما لست أهلا له."
أنت يا أخي ناقد أدبي محترف و عن جدارة
فقد كان تحليلك للنص معمقا و منسقا رفع من قيمته و أثراه ، تناول أهدافه و
غاص بين مراميه باحثا منقبا إلى أن عثرت على جميع جوانبه ماظهر منها و ما
توارى . و لم تغفل رؤيتك للأسلوب السردي و اللغة المستخدمة ، فكان تحليلا
شاملا كاملا .
أخي الكريم لقد أجدت و افضت أهنئك و أهنئ نفسي بك
و على الخير معا نلتقي لنرتقي
نزار