الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

إنانا

www.inanasite.com

فردوس و عصافير

قصة قصيرة

بديعة بنمراح*

       إلى أطفال غزة و العراق أهدي نزيفي
يفتح فياض عينيه شيئا فشيئا، يأتيه صدى أصوات لا يعرف مسرحها: أنين.. صدام.. اهتزاز....و استغاثات عمق الألم.
يغمض جفونه، فتعود الأصواتت من جديد قوية كنذير.. لعله كابوس جراء بطنه الفارغة،
أو لعل أخاه الأصغر....آه! ماذا كان اسمه؟! كان شغبه الطفولي يملأ البيت حركة
و أحيانا شعاع أمل يطرد شبح الخوف و الموت من البيت الحزين.
محمود.... أجل هكذا كان اسمه. بدأت خيوط الذكرى تتجمع في عقله الصغير،لكنها ذكرى
تحمل معها عذابا.
محمود، أخي الرضيع.. أمي أحبت أشعاردرويش بجنون، كانت ترددها على مسامعنا كل يوم
أيها المارون بين الكلمات
آن آن أن تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم، ولكن لا تقيموا بيننا
ولتموتوا أينما شئتم، ولكن لا تموتوابيننا
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
و خشيت عليه أمي أن يذبحوه و هو لا يزال بسمة على شفاهها، لكنه جاء للحياة رغم
الحصار و الدمار، و ذبحت البسمة على شفتيه قبل أن يبلغ عامه الأول.. آه يا محمود!
يتلمس فياض مكان الجرح بيديه، يعتصره ألم
أين أنا يا ترى؟ أيكون الفردوس الذي يمتلئ بنا الآن؟ أمي و إخوتي و قطتي الجميلة روزا و أستاذتي أحلام؟ قالت لنا أمي: مكاننا هناك في النعيم.. إن لم نجد لنا في هذه الدنيا مكانا!
لكنني أحب أن أعيش.. أن ألعب بدراجة كانت يوما جميلة، أجري و أضحك و أكبر فرحة تنير قلب والديّ و أصير مهندسا لأصنع بيوتا تأبى السقوط تحت نيران الصواريخ.. أرفع راية وطني عاليا، أحب و أتمتع بجمال الحياة، أتذوق حلوها و مرها.
ها هو الألم ينسكب شلالا يغمر جسدي النحيل، أتذوقه شهاب جمر تلسع خلاياي، كل جسدي يشتعل..رأسي.. أضلعي..عنقي، و أسناني، أحس فمي الصغير فارغا منها.
-
لا تخش شيئا يا فياض،أنا هنا بجانبك!
برقة و عذوبة خارقة كانت تضمد آلامه، حاول أن ينظر إليها و يسأل:
-
لكن.. كيف عرفت اسمي وأنا نفسي لم أعد أذكره؟
-
أنا اسمي ماجدة يا فياض!و عمري خمسة عشر عاما. كل الناس كانوا يتحدثون عن جمالي و ذكائي، لكن انظر إلي الآن ، بعد أن تحطمت آمالي وبراءتي و ضاعت مني حياتي !
يتحرك فياض قليلا في مكانه، يعود ليتلمس الجرح في رأسه، فتصطدم يده بمادة لزجة يظنها جزءا من مخه.. ينظر إلى ماجدة حائرا:
-
نعم!تقول ماجدة، و هي تضم يده بين راحتيها، أنت فياض، رأينا صورك عبر كل الفضائيات، و على صفحات الجرائد و المجلات.. فياض طفل غزة الذي جمعوا مخه من على الطرقات!
بيتكم قصفوه و دمروا الحي كله، و لم ينج من مجزرتهم إلا أبوك! لكنه حين رأى جثثكم جميعا، ساوره إحساس بالجنون، فحمل حجرا ضخما من الأنقاض، و ضرب به جنديا إسرائليا، أوداه قتيلا، فهجم عليه ثلة من الجنود و أذاقوه الموت ألوانا..
آه ! لست أدري إن كانت أمي هناك تحت الأنقاض،أم أنها هنا معنا.. اشتقت إليها كثيرا.
كنا في السوق نشتري خضرا، حين سمعنا صوت انفجار دوّى في الأرجاء، وبدأ الناس يركضون.. أمي أمسكت بيدي جيدا، و بدأنا نركض مع الراكضين، ثم أحسست بلهيب نار
ودم غزير و أنين...
-
لكن يا ماجدة، ألم يقولوا ليس في الفردوس أنين؟!
تنظر ماجدة في جرح رأسه الغائر، تجهش ألما و لا تجيب.
-
أنتِ إذن من هناك.. من فلسطين!
-
لا أنا بلدي العراق يا فياض! و جرحي ما فتئ ينزف كجرحك!
يضمها إلى صدره بقوة، يرى فيها أمه و أباه الذين دفعا حياتهما حبا لأجل وطن عشقاه،أخاه الذي قضى عليه الطغيان و أعداء الحرية ، و لم يطفئ بعد شمعته الأولى، و يهتفان معا بصوت واحد:
العصافير لا تريد فردوسا
العصافير تريد فضاء رحبا
أجنحة مفرودة و غناء

===============

* بديعة بنمراح  – المغرب

===============

تعقيب

أختي المبدعة بديعة

جميل جمعك بين مأساتين متزامنتين

يبدو أن مآسينا – يا أختاه - بلا نهاية

***

نصك الرائع هذا

اعتصر القلب و أدمع العين

و أسلوبك السلس شدني

حتى الحرف الأخير

دمت و دام إبداعك

نزار