
قصة قصيرة
حنان بيروتي*
hananbei@yahoo.com
نجران
تمسك
بيد طفلها، تحسها صغيرة مرتعشة اشبه بحمامة جريحة تلوذ بكفها، تؤلمها حقيقة
انها لا تستطيع حمايته.. آه.. تود لو تسيج روحها حوله لتحميه من النظرات
الفضولية التي تقتحم وجهه الصغير لتذكره بانه غير عادي!
هكذا تود لو تقف في منتصف الشارع زاعقة.. «يا جماعة الخير! بعرف.. والله بعرف
الولد منغولي!» تتابع السير وهي مستفزة من الداخل تفكر.. لماذا هذه الشفقة
المجانية الرخيصة؟! الاسراف في تقديم العواطف الجارحة التي تذكر بالجرح وترش
الملح عليه كل لحظة؟!
تتذكر.. عندما أُنزلت من قسم الولادة ورفعتها الممرضات عن الحالة لتستقر على
السرير، كانت اشبه بذبيحة دائخة اثر ضربة موجعة على رأسها، عاجزة عن التفكير او
التصديق، تحسب جسدها مثل جرح فتح للتو ليقذف بنتوء بشري، اصوات الممرضات
والطبيب ارعبتها وهي تصل وسط غمامة الالم ولحظات الخلاص الاولى «.. منغولي؟!»
تسمع نساء متهامسات هناك خلف الستارة التي رجت الممرضة ان تسترها بها لتحميها
من النظرات التي بدأت تتكالب عليها بمجرد نزولها.. «هاي جابوها الاربعة الصبح..
آه.. ولادة! جابت ولد بس منغولي!».
«هي قدّيش عمرها؟!.. بالله؟! شكلها صغيرة يمكن من جوزها..!»، تفح احداهن وهي
تهز رأسها مثل جرذون: «خطايا بايتة!».. «يا حرا..م.. يا حرام».. تتناثر هنا
وهناك.. عاجزة عن الرد وعن البكاء، تحس العرق يغرق مسامها ونزيفها لا يتوقف،
تغمض عينيها تبكي من الداخل «لو يرحموني! اشفقوا عليّ من شفقتكم!!».
تشدد قبضتها على كفه، تجد نفسها تزداد حبا وتعلقا به كل يوم، تسير.. تشعر ببعض
ارتياح، ها هي اخيرا بعيدة عن العيون المحمّلة بنار الشفقة!
لكم تكره التجمعات حيث لا بد وان تنبت في زاوية ما في لحظة مباغتة لا تقوى ان
تحدس بها.. تنبت شوكة تنغرس بقلبها تذكرها بان ابنها منغولي وبانها ام
المنغولي.. «يا حرام هاي اللي..!! هالولد! الله يعطيها غيره!.. شو بعرفك شو
بطلع..».
اليوم.. قررت ان تجمع بكفيها بعض الفرح، قطرات تبلل روحها وقد تشققت عطشا
وغربة.. ها هو يخرج معها بعد ان مرض اياما! حممته ومشطت شعره بعناية والبسته
ثيابا جديدة «اول لبسة».. تنظر اليه بفرح مشروخ.. تهمس لنفسها مشجعة: هو ابنها!
بعض منها! انجازها الرائع وجوهرتها البهية «وشو يعني الاولاد الطبيعيين يعني؟!
بدهم يطلعوا للمريخ؟ خالصة!».
ثمة باص «كوستر» يقترب، يترنح في مسيره مثل اعمى ثمل! لا تدري لماذا يجفل قلبها
كلما رأت هذه الباصات، يتوقف فجأة ليُنْزل راكبا او يرجع للوراء بشكل مباغت
لاصطياد آخر ويسير وسائقه لا يتطلع للامام بثبات بل يسترق نظرات متسارعة
للجوانب فكل شخص احتمال بريزة «تفوق السبعة قروش قيمة الاجرة! فلا فكة مع
الكونترول غالبا!».
يتوقف بالقرب منها.. الكونترول يتوقف عند الباب المشرّع منتظرا نزول احد
الركاب، بسرعة تبعد ابنها بحرص الى الجهة الثانية، لكن صوت الكونترول يباغتها
وهو يصرخ ونظرته محملة بوقاحة العالم.. «خلّي!.. بنحطو في الحاوية! بنحطو في
الحاوية!!».
يبتعد الباص ببطء، تقف مصدومة وجرحها ينزّ بشراسة مصعوقا مستفزاً!!
-------------------------------------
*حنان بيروتي-
عمان
سيرة ذاتية
*ولدت حنان نجيب يوسف بيروتي
في مدينة الزرقاء\ الاردن وأنهت دراستها الجامعية من الجامعة الأردنية حيث حصلت
على درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها .
*تكتب في مجالات أدبية عديدة وهي القصة القصيرة والنصوص النثرية واللقاءات
الأدبية والتحقيقات والمقالة.
*عضو رابطة الكتاب الأردنيين
*عضو اتحاد كتاب الإنترنت
*المؤلفات:
1-"الإشارة حمراء دائما"
مجموعة قصصية عن دار الينابيع للنشر والتوزيع عام 1993
2-"لعينيك تأوي عصافير روحي"
نصوص نثرية عن دار أزمنة للنشر والتوزيع عام 1996
3-" فتات"
مجموعة قصصية عن دار الفارس للنشر والتوزيع عام 1999
*المخطوطات:
*تفاصيل صغيرة-مجموعة قصصية / قيد الطبع
*فرح مشروخ-مجموعة قصصية / قيد الطبع
*أحلام متأخرة-مجموعة قصصية
*اسلاك شائكة-مقالات مختارة للكاتبة
*وجوه لاتعرف الموت-لقاءات أدبية
*تعمل حاليا في حقل التدريس في وزارة التربية والتعليم.
حازت على جوائز عديدة في الجامعة الأردنية
منها *جائزة أنباء الجامعة والجائزة الأولى في مسابقة لجنة التذوق الإبداعي في
القصة القصيرة التي أقامتها الدائرة الثقافية والفنية في عمادة شؤون الطلبة
1990
*فازت بالمسابقة الأدبية مجال القصة القصيرة للكتاب الأردنيين غير الأعضاء التي
أقامتها رابطة الكتاب 1994
*نالت الجائزة الثانية في مهرجان البجراوية للإبداع الثقافي النسائي العربي
الأول في الخرطوم سبتمبر 2005 حيث حصلت على الميدالية الفضية في القصة القصيرة.