
قصة قصيرة بقلم:ابتسام كنعان
* "هنا
كنا،
أنا وإِِنّا
وافتراقٌ بسيطٌ بين الألف وشدتها.
يا خوف، قالت، أينا الآخر؟
قلتُ فرقي بين الرعاة وبين
العراة قد تمسكين المعرفة"
في
غمرة اشتياقها للترحال
، انطلقت من صنعاء مستقلة
الحافلة، يجرى بصرها مع الحافلة يلامس بحنو اخضرار مدرجات ـ تنشط بالقات ـ طال
انتظارها تتلظى بشوق التلاقى مع موسم هطول أمطار استوائية ، تعز تلك المدينة
التى ضاعت ملامحها بملامح نسائها الموشحات بالأسود ، تعز تناديها ، "ثماني
ساعات ونصل إلى تعز " قال سائق الحافلة . "كفيلة بنسج علاقات مع المسافرين"
قالت في نفسها. من يجلس في المقعد الأمامي في الحافلة ضيف صديقتها مدعوان معا
عند نفس الصديقة ، ترافقا طوال الرحلة . يكمل أحدهما للآخر صورة الوطن الغائب
طلب السائق من المسافرين النزول
للاستراحة. على قارعة الطريق صبية يبيعون التحف والهدايا توجهت إليهم ، وباقى
المسافرين دخلوا لتناول طعامهم . وحده واقفا فى ممر الحافلة يحمل الة التصوير
يسجل لحظات رقصها مع صبية يمنيين تعلمهم الدبكة الفلسطينية ويعلمونها الرقص
الشعبي اليمنى، علق ضاحكا كل الرقصات تعرفين، قالت له هو الشوق للدبكة
والدلعونة، لمعت عيناها وهى تتذكر نفسها تطير على خشبة المسرح مع فرقتها تسافر
لتحيى حفلات يوم الأرض، وذكرى الانطلاقة و.... ، آآآآآآآآه ه ه ....كثيرة هي
ذكريات الطيران بعدد نكبات الوطن ونكساته
صدفة اسمه مشتق من تلك المدينة
وبهره اكتشافها لتلك العلاقة بين الاسمين، اختارت له اللون البنفسج هدية،
والتقيا في عشقيهما للبحر والبنفسج والفن وصوت فيروز، ويشتركان أيضا بشوقيهما
لحضن الوطن.
اعتاد مرافقتها في جولاتها
المجنونة، السوق القديم سوق الفضة، المدارس، المدرجات، وثّق حديثها مع يهود
اليمن لعرب، يتبعها أينما ذهبت على كتفه الة التصوير. بطلة لفيلم اسماه" مكبوبة
تعزف الحياة"و تغرف منها بقدر استطاعتها. دون مؤلف تكفى تلك الرحلة برفقتها
لتكون فيلمه القادم، و ينقل رحلته لأطفال مخيمات لبنان عبر الصورة وتنتقل
فلسطين حاضرة معه في كل حديث وشوق،
لحظة غروب الشمس على شاطىء عدن
خرجت من مياه الخليج موشحة بقطرات الماء، امسك بعوده وغنى للوطن أغنيات الشوق
والعشق، غنى الم الغربة، وفقر الفقر، جالسة بجانبه ويدها تغرف حبيبات الرمل
وتذريها في الفضاء يبكى قلبها الحلم البعد متى ستحضن يدى طين الوطن و غنى لها
بصوته العذب " نسم علينا الهوا.... من مفرق الوادي.....خذني على بلادي " نفضت
يديها. " الوطن بعيد" وعادت إلى مياه الخليج لتكمل تعميدها وظل على الشاطىء
يغنى .
اعتادت أن تريه نفسها نصوصا
حالمة، فرحت وكاشفته بأنه حلمها الذي يمشي على الأرض، غادرت البلاد تاركة قصاصة
ورق تطلب منه أن يخلد لحظة اليقظة حين عاشت الحلم في فيلم روائي ، وهى ستكتبه
نصاً، كان قد أهداها أملا فى عقد فل ، ردته حلم في قصيدة شعر .
بعد عام هاتفها من بلاد اللجوء
وطلب لقاءها في بلاد محايدة ـ لعلها هي التي هاتفته لم اعد اذكر ـ خرجت من
مدينتها و هرب من مدينته ـ قفصه ـ وكلتا المدينتين قاتلتين غريبتين، والتقيا في
مضارب البادية، دعاها بالصقر والساحرة والتنين، ونادته يا بحري: " لا تقترب ممن
لم يجربوا طعم القبلات" لكنه اقترب منها ،عانقها، انسابت أصابعه تجمع خصلات
شعرها الخيلي الطويل، قربه من شفتيه وقبله باحثا عن رائحة زهر البرتقال في
بيارتهم حين غادرها منذ سنوات إلى مخيم اللجوء، وناداها: "شجرة برتقال هل تشمين
رائحة الوطن الاتية من هناك" أشار بيده إلى أضواء خافته هناك الجبل .الضوء
أريحا بيارتنا، هناك حلمي ،
ظلت تراقب بقعة الضوء تحلم بها
،وتشعر به .ضم الوطن إلى حضنه، هنا لم تر الوطن بعيد، غنت له " نسم علينا الهوا
.... من مفرق الوادي.....خذني على بلادى" فما عاد يدعوها بساحرتي الجميلة، وما
عادت تدعوه بحري، عندها غادرته بعدما كتبت له،
أيها العاشق للتيه / انتحر / أو
انفجر/ افعل ما شئت / فأنت حر / ولكن أترك لي الخيار / ألحق بك أم أسبقك
.
ترك لها اختيار موعد مغادرتها.
شده اللجوء رغما عنه إلى منفاه
، وجذبها الحنين في غفلة
منها إلى هنا ظلت أغنيات فيروز هي كل ما تبقي لها، ورائحة زهر البرتقال في
بيارت عشقتها .تناديها. في حقيبة سفر ضمت كل أحلامها ـ ما عدا صوته وحده تركته
وعادت تدلها الريح إلى حضن الوطن .