مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

فارق توقيت

قصة قصيرة


سمير الفيل

samir_feel@yahoo.com
Samir_feel@hotmail.com

القصة السورية

        كان الفجر موشكا على الطلوع عندما انبجست في روحه مياه غزيرة فاضت وملآت الكون كله حتى أنه شعر بنفسه يسبح في لجة زرقاء . وتصور أن النجوم تومض له كعناقيد من عنب تتدلى من سقف حجرته ، وهو يمرق عبر الجدران لكي يتماهى مع هذه القباب اللطيفة .
حين هزته يد أمه قال لها أنه لم يشبع من النوم ، فقط عليها أن تمنحه نصف ساعة . نصف ساعة لا أكثر ، وسوف يجد الوقت مناسبا لاستكمال مذاكرة كتب القانون الضخمة .
راحت عليها نومة ، ولما الشمس دخلت حجرته كانت قد فاتت ساعة كاملة على بدء امتحان الكلية . نزل مسرعا استوقف تاكسيا ، وأمام بوابة الجامعة هبط منشطرا ومدحورا . راح يجري داخل الكلية باتجاه السرادق الكبير لكنهم منعوه .
لم يكن هو التحدي الوحيد الذي صادفه ، لكنه أدرك أن الزمن هو الذي يتحكم في كل هذه الأشياء ، ومن يرد أن يحقق تفردا فعليه بملاحقة الزمن الهارب .
لم يستطع أحد أن يمنعه ، وهو يجري في الشوارع والميادين ، وشاطيء البحر ، ومسطحات الحدائق الخضراء . وكانت يد العميد التي وقعت قرار الفصل بناء على الأشهر القليلة التي قضاها في المصحة تتحرك طيلة الوقت في وجهه .
برابطة عنق متأنقة وبدلة صوفية يبدأ العدو الصباحي الذي لا يتوقف إلا لحظات . مجرد لحظات لا يؤبه لها ، وحين يتوقف للحظة يشعر بالصفير يجتاح أذنيه ، ولكي يتمكن من اللحاق بمواعيده في توقيت مضبوط عليه أن يجري بأقصى سرعة .
وعليه أن لايقتنع بهمهماتهم ، ولا بمقولاتهم بأنه قد منع لسنة واحدة إذ أن قبضته أسرعت بلكم المعيد الذي منعه من دخول السرادق فكان القرار . لم تنفعه الدموع التي سالت دما وأبحرا ، ولقد وثق بأن الزمن وحده هو الذي عانده .
أمين مفيد مرسي الشنوتي ، ستجد الاسم هوهو مع رقم البطاقة الشخصية ، وبطاقة الجامعة ، ورقم الجلوس ، والوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.
في طفولته جاء التومرجي وقطع قطعة جلد صغيرة تحت السرة ، بين فخذيه تماما ، أحس بالألم ، دمعت عينا أمه ، أما هو فصرخ ، وقد وبخه الأب لأنه سيكون رجلا في المستقبل ، وعليه أن يكتم ألمه.
يبوح لمن بسر الوقت والسرادق كان ينهار رويدا رويدا على رأسه وأمه تبكي لأنها نامت ، وهو الفتى النابه الوحيد لأبوين فقيرين ؟
فقد الاحساس بالوقت ، وراح يعالج هذا الخلل ، فاشترى ساعات من كل شكل ولون ، ومنبهات تدق في توقيتات مضبوطة ، وساعات جيب بغطيان ملساء من الفضة ، لكن الصفير لا يكف .
وهو يجري ويجري حتى لا يفوته موعد ، وحينما يتفصد العرق على جبهته وينحدر مياها مالحة في عينيه يجري أكثر حتى يوقف هذا الصفير . ليته يكف لحظة عن التسلل لصيوان أذنيه .
ليتهم يتركونه في حاله ، ولا يعترضون سرعته بقطع الطوب التي تلقى في طريقه الذي لا يعرف أبدا كيف يصل لنهايته في التوقيت المناسب .