مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أعمال الطبيبة الأديبة مادلين حنا

و فات القطار

أقصوصة بقلم

 د. مادلين حنا

 

                 أشارت الساعة المتالهكة التى تتوسط ذلك الميدان الذى لا يخلو أبداً من الماره إلى منتصف الليل بينما كان ذلك الشاب يعبر الشارع فى سرعة نحو محطة القطار فى محاولة يائسة للحاق بآخر قطار يغادر المحطة لبلدته الريفيه البعيده ..
تصيب العرق على جبهته بعد تجاوزه بوابه المحطة الكبيرة و هو يشعر بتعب بالغ لأنه لم يتناول أى طعام منذ خروجه من بلدته فى الصباح ليلحق بموعد المقابله فى تلك الشركة التى نشرت إعلاناً تطلب فيه موظفين جدد ..
تسارعت أنفاسه و هو ينزل سلم المحطة و هو يتذكر أنه ظل منتظراً لست ساعات كامله مع عشرات الشباب و الفتيات بعد كتابه طلب التوظيف وهو ينتظر دوره فى المقابله مع ذلك المسئول المتعجرف الذى سأله بضعه اسئلة بسيطه ثم قال له أن ينصرف و سوف يتصلوا به .
لم يلتفت لاصطدامه بأحد جنود الحراسه و هو يعدو نحو شباك التذاكر المزدحم بالركاب فى فوضى شديده وسط سخط الموظف الجالس خلف الزجاج السميك و هو يتمسك بشده بالمظروف الأنيق الذى يحتوى على شهاداته الدراسيه و بضع صور شحصية استلمها فى المساء خصيصاً ليقدمها لمسئولى الشركة..
غمغم فى ضيق وهو ينظر لسيده مسنه تسقط على الأرض وسط الزحام:
- لا فائدة ..
نظر فى ساعته ليجدها قد تجاوزت منتصف الليل بعشر دقائق .. لازال هناك عشرين دقيقه على موعد مغادره القطار ..
انزوى فى ركن و هو يخرج أمواله القليله من جيبه ليخرج منها ثمن التذكرة مضافاً إليه مبلغ صغير إضافى كإكراميه معتادة للموظف ثم يدخل الباقى لجيبه فى حرص فهذه آخر أموال معه لهذا الشهر و لن يجرؤ على طلب غيرها من أهله الذين أثقلتهم الهموم و الغلاء ..
دخل وسط زحام الناس المتكالبين حول شباك التذاكر بينما ارتفع صوت شجار اثنين من المتزاحمين على أسبقية وقوفهما فى الصف ..
انتهز الفرصة و مد يده إلى الموظف الجالس خلف الشباك و هو يصيح:
- تذكره درجة ثالثة فى قطار الثانية عشر و النصف
ناوله الموظف تذكره فى سرعة بينما انسل من بين الناس ليسرع الخطى نحو رصيف القطار فلم يتبقى سوى عشر دقائق فقط ..
فجأه وجد رجل شرطه ببزته الرسميه يستوقفه على الرصيف و هو يقول:
- أنت .. قف مكانك .. أخرج تحقيق شخصيتك و تعال هنا ..
كاد أن يصيح فيه أن يتركه ليلحق بالقطار لكنه توقف و هو يبرز له تحقيق شخصيته الذى تناوله منه فى غلظه ثم نظر فيه مدققاً وهو يسأله:
- و ما الذى أتى بك إلى العاصمة ؟ و إلى أين أنت ذاهب ؟
أجاب فى ضيق واضح و هو يشير للقطار المزدحم فى الناحية الأخرى:
- أتيت لأحضر مقابله فى إحدى الشركات لأننى أبحث عن عمل و أنا راجع مره أخرى لبلدتى فى هذا القطار الذى سيتحرك بعد دقائق معدودة ..
سأله الضابط مجدداً:
- و ماذا تعمل بالضبط و تحقيق شخصيتك مكتوب فيه طالب ؟؟
إقترب من الضابط أكثر و هو يجيب:
- تخرجت من قسم الفيزياء النووية منذ ثلاثة أشهر و نسيت أن أجدد تحقيق شخصيتى هل هناك مشكلة ؟؟
ضحك الضابط و هو يقول:
- فيزياء نووية .. هل ستخترع لنا القنبلة الذرية مثلاً .. خذ تحقيق الشخصية و إلحق بقطارك يا فتى ..
تناول منه تحقيق الشخصية و هو يجرى فى سرعة محاولاً اللحاق بالقطار الذى بدأ تحركه البطىء من على الرصيف و صوت الصافرة المميزة يعلو و يعلو ..
بدأ يعدو بأقصى سرعة و هو يلمح القطار يتحرك ..
كان هناك كثيرين يشاركوه العدو فى سباق مع الزمن للحاق بالفرصة الأخيرة ..
تسارعت فى ذهنه الإحتمالات المخيفه لو لم يلحق بالقطار..
سقط المظروف من يده و تناثرت الأوراق على الأرض ..
توقف ليصيح بالناس فى غضب و هو يلملم أوراقه التى داستها الأقدام ..
نظر لشهاده بكالوريوس علوم الفيزياء النووية بتقدير إمتياز مع مرتبة الشرف التى انطبعت عليها نعال الأحذيه و هو يضحك فى سخرية قبل أن يدخلها فى المظروف..
جلس على الأرض و التمعت فى عينيه دمعه ..
بعد أن فات القطار ..