
قصة قصيرة
بقلم : المجيد تومرت
الصداقة
في
طريقه إلى المدرسة الثانوية الجديدة التي نقل إليها دون رغبة منه، استرعى
انتباهه، من بعيد، كائن غريب يتحرك ببطء شديد في الاتجاه الذي يسير إليه. كان
الكائن ، في هالته شبه الدائرية ودبيبه الحثيث ،يشبه حلزونا أسطوريا ضخما .
دفعه الفضول وحب التعرف إلى الرفع من إيقاع سيره للحاق بهذا الكائن الهلامي حتى
تتضح له تفاصيل صورته أكثر...كانت دهشته عظيمة حين اكتشف أن هذا الشيء الضخم،
رزمة كبيرة..هالتها وحجمها يضاعف حامله مرات ومرات..و حين تعمد إسقاط محفظته كي
يتمكن من التقاط الصورة من زاوية أفضل وأقرب، كانت دهشته أعظم...فقد كان الذي
يحمل هذا العبء الثقيل امرأة عجوز ،قد بلغت في السن عتيا...كان جسدها النحيل
يشكل زاوية قائمة ..ضلعها العمودي نصف جسدها السفلي ، ونصف جسدها الفوقي ضلع
الزاوية الأفقي ..يبدو أنها أحست بفضوله وحركاته الاستطلاعية ..فقد قرأ في بريق
عينيها ،،كثيرا من التقزز والامتعاض حين أدارت رأسها الصغير نحوه و أطلت به
عليه ، بعد أن أشاحت عن عينيها الغائرتين بعض ذيول الرزمة بيد رفيعة.
تزحزحت مقتربة من الطوار ،و بحركة عجيبة و دقة متناهية، وضعت العجوز الرزمة
الضخمة، المشدودة بعناية تامة إلى صدرها الهزيل على حاشية الرصيف دون أن تسقط
من على ظهرها،ودون أن تفقد التوازن...هم إلى مساعدتها على التو ، لكنها اتقته
بيدها وكأنها تعفيه من عونها، كانت في تلك اللحظة قد أتمت إنزال رحلها بسلام.
أحس ،في نظراتها إليه ،هذه المرة ،بنوع من الرضا والغبطة ..بدت له ملامح وجهها
أكثر إشراقا ،يجللها حزن دفين...لاشك أن خلف هذا الوجه الصغير، الدارسة أطلاله،
مأساة وحكاية عجيبة..القسمات و النتوءات تؤشر على شباب وجمال ضاع ألقهما في
عذابات السنين ...خصلات شعر انفلتت من تحت المنديل الذي تشد به رأسها جللها
البياض فزاد المرأة وقارا وهيبة لن يدركهما إلا من شعر بعبء ما تحملت وما تحمل
هذه المرأة من أثقال...
قبل أن يتركها ويتابع طريقه إلى العمل، نبست إليه بصوت خفيض لا يكاد يسمع ،قائلة:-
"لا تحمل همي..أتمنى ألا يبطئ بك الزمان فتتأخر...سأحمل خيمتي وهمومي مها عظمت
..و سأضعهما متى و أين شئت.امض يا بني..لا تتعجب ..سترك الله..فقد يتأخر بك
الوقت .. تماما كما تأخر بهذه المرأة العجوز أمامك..." التقطت كل جوارحه الحكمة
بإصغاء شديد مرهف..وتابع طريقه إلى العمل قبل أن تبطأ به الدقائق المتبقية وقد
أكبر في المرأة كدها وكبرياءها . ظلت صورتها وحكمتها موشومة في ذاكرته.
طلب الأستاذ من التلاميذ ضمن الأسئلة الاختيارية التي ذيل بها النص، أن يصوغوا
من خيالهم نهاية للقصة مع اعتماد ضمير آخر في السرد. و أثناء تصحيحه للأوراق في
اليوم الموالي، استوقفته نهاية كتبتها أنجب تلميذاته تقول فيها:" وبعد خمس
سنوات ..في مساء ماطر ..كانت غنيمة تحاول العبور إلى الرصيف الآخر من الشارع
الرئيسي . و كنا نراقب المشهد من بعد مختبئين تحت شرفات العمارات حتى لا تبتل
ثيابنا ومحافظنا،
وكانت حركة المرور قد وصلت إلى أوجها ..يبدو أن المرأة قد أعياها الانتظار
وحملها الثقيل.. فغامرت بالعبور..فكانت الفاجعة المروعة ، شاحنة طائشة تصدم
العجوز وترديها جثة هامدة ..و تفصل الجسد عن الرزمة .. مات الحلزون حين تسرع
... وشاع خبر موت غنيمة في المدينة ،و في اليوم الموالي ،كان الدفن
الهزيل..تأسف من تأسف... وبعد أيام ، ما عاد أحد يذكرها ...وبعد خمس سنوات
بطيئة ، يذكرنا أستاذ اللغة العربية بحكمة "غنيمة"، المرأة الحلزون ،التي ما
كنا ندرك مغزاها حين كنا أطفالا تستهوينا مضايقتها والتسلي بها في الدروب و
الأزقة و في الطريق إلى مدرسة الحي الابتدائية ".
قرأ الأستاذ هذه النهاية على التلاميذ في حصة تصحيح الاختبار، عرف أن الحدث
فيها لم يكن متخيلا ،بل أعجبته الصياغة و أعجبه الموقف الذي عبرت عنه تلميذته
..أدرك مرة أخرى أنه لم يخطئ حين كتب القصة.. و حين اختارها لتكون موضوعا
لاختبار التلاميذ في إنجاز نص سردي.
**********************************
المجيد تومرت (خريبكة/المغرب)