أقاصيص
محمد داني*
وضعتني
سيارة المصلحة ليلا... وقد أنهك العياء جسمي النحيل... تنبهت
لحافلة الساتيام وجدتها قد ذهبت... الساعة تشير إلى العاشرة
ليلا... اضطربت كل مفاهيمي... فقد كنت أخبرت زوجتي بعودتي هذا
المساء...
طلب مني مرافقي المبيت إلى الصباح...لكنني أصررت على تنفيذ
قراري... السفر مهما كان الأمر... فقد ضقت ذرعا بحرارة المنطقة
اللاهبة...بعدما أنهيت مهمتي على أحسن ما يرام... ومرت
الامتحانات عادية بلا مشاكل أو احتجاجات...
لم أجد أمامي إلا حافلة زرقاء...
يزمجر محركها بقوة... سلمت على بعض الأشخاص ، الذين عرفتني بهم
حافلات النقل،ومداومتي على ركوب الساتيام...
صعدت الحافلة الزرقاء بعدما ابتعت تذكرة سفر... وأنا متيقن من
وجهتي ووجهة هذه الحافلة...
كان مقعدي قصيا... رقمه 45، انكمشت وسطه، وأسلمت نفسي لنوم كنت
في حاجة إليك لما جريته الأسبوع كله بين مجموع مناطق الجهة
التي أعمل بها...
فتحت عيني، على صباح جميل، بعدما نبهتني حركة الركاب... نظرت
من وراء زجاج الحافلة المجاور لمقعدي... وجدتني في محطة لم
غريبة عني... سألت أين نحن... فعلمت أنني في تزنيت...
لم أجد بدا من البحث عن فندق بالمدينة، والاتصال بزوجتي
وإخبارها بالأمر...
ورطة
تنظر إلي من وراء نظارتها البنية، نظرات لفتت انتباهي.. الشيء
الذي دفعني إلى سرقة نظرات إليها من حين لآخر، وهي تتحدث إلى
بعض زميلاتها.
كانت جميلة جدا... أغاديرية المولد، سوسية الأصل، ذات ملامح
امازيغية فتانة.. لا ادري كيف جرت انتباهي، وأصبحت انظر إليها
كلما مرت من أمامي، بل أحيانا أبحث عنها بعيني بين جموع
الطلبة، او في مقصف المؤسسة..
لا يمكن أن يمر نهاري دون أن انظر إليها أو انتظر قدومها...لقد
دخلت قلبي وعقلي في وقت وجيز...
داخل الفصل اتخذت مكانا مقابلا لها.. كلما رفعت عيني أجدها
تحملق في.. وتطل علي من وراء نظارتها ابتسامة ساحرة.. لست ادري
لم تهتم بي هكذا... ربما سحرتها تلك الشعيرات البيضاء التي غزت
ناظري.
كنت في الخامسة والثلاثين ، زوجتي فوزية معلمة بالدار
البيضاء.. لي ولدان في سن الحضانة.. تركتهم مع والديها،
والتحقت بالمركز الجهوي بعد نجاحي في مباراة الدخول.
كنا 20 طالبا بقسم الفنون التشكيلية بالمركز الجهوي العرفان.
كانت تجلي " إيجة" قبالتي.. في الجهة اليمنى.. أحيانا أغيب
واسرح في الدرس، وأنا أتخيل مشاهد مع إيجة أغرق فيها.. لا
يردني إلى انتباهي سوى حمحمة طالب، أو حركة مدوية..
كنت اسكن بدوار رجاف الله، بحي يعقوب المنصور، أكثري شقة مع
طالب من فاس، اسمه المرابط.. تعاهدنا على كل شيء.. كل سبت نحيي
ليالينا الحمراء.. كأس ونساء...
وفي ليلة من ليالي ديسمبر الحزين.. قلت فجأة للمرابط وبدون
سابق تمهيد.. ونحن نقرع كأسينا:
- اسمعني جيدا يا أخي العزيز.. غدا السبت لا أريدك أن تعمر
الدار زوالا.. ستأتي عندي إيجة.. وأريد أن نكون لمفردنا.. لا
أريدك أن تعكر خلوتي، ولا تقطع علي رومانسيتي.. لذا لا أريد أن
أراك غدا بتاتا.. ومن الأحسن لا تعود إلا صبيحة الأحد.
اتفقنا على ذلك...لم يحتج ولم يعاند.. وأقسمنا اليمين ألا يخون
أحدنا الآخر.
صبيحة السبت، استحممت، وتعطرت، ورششت فمي ببعض الكولونيا..
ولبست بذلتي التي أحضرتها من المصبنة.. أعددت شرائح اللحم،
وبعض الفواكه، والمشروبات الغازية.. وانتظرت كأني في غرفة
ولادة.
حان الموعد المنتظر.. بدأت أتحرق.. واقطع الغرفة جيئة وذهابا
وأنا أردد<< تأتي..لا تأتي..>> كالمجنون...وإذا بي أسمع طرقا
خفيفا على الباب.. اهتز قلبي اهتزازا.. إنها هي.. لا بد أن
تكون هي.. وإذا ما كان لمرابط؟...لا لن يكون لمرابط.. لقد
أفهمته البارحة ما يجب عليه فعله.. لن يكون صبيا ويخلف
وعده...إنها هي.. أنا واثق من أنها هي...هذا أول لقاء بيني
وبينها..إنها هي..
يا إلهي لم أرتعش هكذا كالعصفور.. أهو الحب؟...أم الخوف؟..يجب
أن اصمد.. وإلا فضحني خوفي وترددي.
وتوجهت نحو الباب... مددت يدي المرتعشة إلى المزلاج... فتحت..
تسمرت مكاني... شل لساني.. عرق بارد يتندى من جسمي..
- من؟ !!!!!!
فوزية :::!
يا لها من مفاجأة سعيدة !!!!..//..
نزيف
فجأة ركض المطر... ركض النهار...
تمرد الغيم.... تكلم القمر...
بحثوا عن المساء...وجدوه قد تحول جرحا أسود....
ظلال
فتحت نافذتي كالعادة... وجدت كلماتي موجا.. تعلوه نكهة
الصبار....حينها أخرجت من وجهي وجه امرأة... ورسمت على كفيها
ظل طفلين...
نسيان
جمعت كل النسيان الذي كونته في منذ وعيت الحياة.... مددته
أمامي... كتبت على جبهته: أنا أنسى ، أنا موجود....
محنة
وجدت كل محني طفلا... فرحت به ذات عقيقة....
غيفارا
وجد صورة غيفارا مرمية في مكان قصي...
مسحها من بعض الأتربة.... وضعها في جيب قميصه...
تلبسته روح غيفارا...
وقف في الشارع العام... بدأ يصيخ لاعنا الامبريالية،
والإقطاعية، والديكتاتورية، والاشتراكية، والليبيرالية،
والشيوعية...والقومية... والناصرية...وووو...
صبيحة اليوم الموالي، قدم أمام وكيل جلالة الملك، بتهمة
الإخلال بالأمن العام.. والمس بالمقدسات....
مرشحة فوق العادة
قررت أمي خوض الانتخابات الجماعية، مستقلة غير منتسبة لأي حزب
سياسي لعدم قناعتها بأي منها.
كانت متحمسة جدا لخوض هذه الانتخابات تحمسها للدراسة في أقسام
محاربة الأمية التي اجتازتها بنجاح كبير...
طلبت مني وضع بروفيل لها، يناسب سنها ومستواها.. كان اسم
الحاجة زهرة رنانان وملفتا...
تعاطف معها الكثير خاصة و أن برنامجها الانتخابي ركز على أمور
جميلة وبسيطة هي أقرب إلى الحلم: إنارة دائمة،وحدائق غناء،
ونظافة وكنس، وإخلاء الأزقة من الأزبال والقمامة، ونقل مريح
على طول اليوم...
كل من في الدار كان يساندها، ويشاركها حملتها الانتخابية، إلا
أبي، فقد اتخذ مكانا قصيا، وانغمس في حزن ممزوج بغضب عميق...
- مزيان... في آخر أيامنا غدي يوليو العيالات يسيرونا... هذا
لبقى لينا...
كان والدي أكثر الناس فرحا... عندما أعلنت النتائج... ولم تحصل
والدتي إلا على صوت واحد... أغناها عن كل تعليق...
سراب
لأول مرة تلج فضاء سميراميس...مقهى ومرقص خاص بالشباب العاشق
للطيكطونيك... كانت في السادسة عشر من عمرها....رافقت صديقاتها
الثلاث، اللائي اعتدن المجيء إلى هذا الفضاء في أوقات فراغهن.
جلس بالقرب منها، بعدما قدمنها إليه...يكبرها بعشرين سنة...
آثار النعمة تظهر عليه... يبين أنه من أبناء كبار البلد...
ابتسامة ماكرة تغلف شفتيه... وفي عينيه حيوانية دافقة...إنه
عالمه الخاص الذي اعتاد العوم فيه...
- بما أنك صديقة صديقاتي، ولأول مرة تدخلين مغارة علي بابا ن
سنحتفل بك احتفالا رائعا... خذي...
- ماذا؟...سيجارة؟...لا أدخن...
- هذه ليست سيجارة...هذا مكوك يدخلك الجنة، ويطوف بك في
عوالمها الملائكية...
شربت نفسا...نفسين...سعال...ضحك...قهقهة...تسدل جفنيها وأنغام
الميطال تزلزل المكان... تبالغ في شرب السيجارة...
- والىن إليك هدية الدار...هذا قرص عجيب، يجعل السواد في عينيك
بياضا.. وألوانا قزحية...
فتحت عينيها... وجدت نفسها في مصحة خاصة لإصلاح البكارة....
خيبة
-
أتعرف مع
من تتكلم أم لا؟ إنك تتكلم مع رئيسة مصلحة أكبر مؤسسة في
البلد... الزم حدودك..
-
ولكن خديجة... أريد فقط أن...
-
لا أريد أن أسمع منك شيئا.. انتهى
الأمر....سأتأخر مساء. لدي اجتماع مهم مع بعض المسؤولين
الكبار....لا تنتظرني على
العشاء...
-
ستتأخرين ؟... هل آتي لانتظارك؟...
-
لا.. ستأتي بي سيارة
المصلحة... وعلى فكرة... ضع الثياب الموجودة في سلة التصبين في
الغسالة... وامسح
صفيحة الفرن...خذ بالك من البيت...
-
ألا ترين يا خديجة انك بالغت كثيرا في
إهانتي...
-
لا حبيبي .. هذه ليست إهانة... أنت تساعدني فقط.. بما أنني أنا
خارج البيت وأنت داخله... فكل واحد له دوره... دوري أن أوفر لك
كل شيء، وأنت دورك
أن توفر لي راحتي داخل البيت... هذه سنة الحياة...
-
لكن... لن أكون موجودا
بالبيت ، سأذهب لزيارة أمي..
-
أمك.. أمك... كل يوم أمك... لقد حرقت أعصابي
بأمك...هل أحملك أنت وأمك.. ؟ هل ولدتكما ونسيتكما؟....
-
خديجة فقط أر.....
- (
تقطع كلامه) انتهينا... لا تنس أنني أشقى طول النهار لأوفر لك
لقمة
ومالا...لست مسؤولة لأنهم لم يختاروك أنت واختاروني أنا... لقد
وجدوا في ما لم
يجدوه فيك....إنني أتحرج عندما أكلم بعض المسؤولين عنك...
أكثرهم وعدني بتوظيفك
قريبا... المهم أنت مرتاح بالبيت... أنا التي أشقى لأجعلك لا
تشعر بشيء... أف....
دائما كل صباح تتعبني هكذا....
صفقت خديجة الباب وراءها، وتركت حماد داخل البيت
يجتر غصته، وخيبته....
التحول
ما إن قرأت:<<الروح تغادر الجسد في بعض الأحيان وتقوم ببعض
الجولات، يحدث ذلك بالليل أثناء النوم، وإن لم يكن شرطا، تلتقي
الروح أحيانا بأرواح شريرة وأحيانا بأرواح طيبة>> حتى رميت
بقصة بهاء الطاهر( بالأمس حلمت بك) جانبا. واعترتني قشعريرة،
وخوف شديد.
طار النعاس من عيني، وبدأت أتساءل في سري... كيف يمكن للروح أن
تغادر الجسد؟. هل إذا ما نمت تخرج روحي وتقوم بجولات، وفي
الصباح تعود إلى بدني؟.
ماذا يحدث لو ركبت الروح عنادها، ورفضت العودة إلى مستقرها؟.
ماذا يحدث لو التقت مع روح أخرى شريرة، ورافقتها إلى مستقرها ،
ولم تعد إلى جسدي؟.
وأنا أقلب هذه الأسئلة ، تذكرت قصة غي دو مونباسان( الهورلا)،
فانكمشت في فراشي، وأشعلت كل مصابيح غرفتي.
أحسست ببرودة تلفح محياي، وستارة النافذة تهتز ..انكمشت أكثر..
ارتعدت... دخلت عيني محجريهما.. يا إلهي هل حل الهورلا
بغرفتي؟.
انتبهت إلى المصحف على المنضدة الجانبية قرب سريري...أخذته،
وفتحته ويداي ترتعشان...
وقعت عيني على سورة الزمر في آيتها 41:<< الله يتوفى الأنفس
حين موتها، والتي لم تمت في منامها، فيمسك التي قضى عليها
الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى، إن في ذلك لآيات لقوم
يتفكرون>>.
ازدادت رعشتي، ودقات قلبي.. وانكمشت أكثر.. لا أنا بالمتمدد
ولا أنا بالجالس... تذكرت حينها قول كافكا في يومياته:<< من
المستحيل أن أنام... من المستحيل أن أستيقظ>>. هكذا كنت أنا...
اهتز قلبي أكثر عندما سمعت أزيزا بغرفتي...واهتزازا خفيفا
يعتري سريري... حينها أدركت أنني لست وحدي...
تسارعت الصور أمام عيني... وأفعال غي دو مونباسان أراها
أمامي... هل أشعل النار في غرفتي لأرتاح من وسوستي هذه؟. هل
أضع كوب ماء لأتأكد من وجود كائن غريب معي؟. تهت، ولم أعرف
بداياتي ولا نهاياتي...
انتبهت إلى ساعة يدي... ساعة يدي تتك إلى الأمام بحال عادية...
وبدون إرادة مني.. انزلقت عيني إلى الساعة الحائطية.... الساعة
عقرباها يسيران عكس مسار الساعة...أحسست أن كل شيء في الغرفة
ثابت لا يتحرك...
لم أعد أضبط الوقت.. ضاعت مني في لحظة كل مفاهيم الزمن...
وبدون إرادة مني... أسدلت عيني جفنيها، وغفوت... وفي غفوتي
وجدتني في عالم سحري عجيب...
وجدت أنني نزلت عالما أرضيا... قابلني فيه بروميثيوس...سألني
هل بدأ الحلم؟... هل بدأت تحس بالغربة داخل غرفتك؟... إذن
استعد للرحيل..
استيقظت استيقظت مفزوعا... الهلع يأكل كل جسمي... نفسي كريشة
كتطايرة.. أحسست أنني أضعت وقتا في الحلم والتذكر... زمن ثمين
يذهب... بل ذهب مني سدى دون أن أفعل شيئا.
شمس الصباح تغمر غرفتي... شعرت بنوع من الهدوء النفسي...أردت
النزول من سريري... لم أستطع الحراك...
طرت علها... عندما انتبهت إلى جسمي... جسمي منتفخ
كالبالون...يتحرك في حركة حلزونية.. يا إلهي... ما هذا؟...
هنا سقطت رواية التحول في رأسي...وحضرت صورة غريغور سمسا
أمامي... وتيقنت أن لعنة الكائن الغريب الذي شعرت به أمس قد
مستني، ومسختني،
وحولتني إلى شيء غريب...
شيء ... أحس أنني
محتجز داخله... يشكلني دوائر لا أتحرك لا إلى الأمام ولا إلى
الوراء...
إنني أجد نفسي أتحول إلى شيء... لا أنا بالإنسان ولا
بالحيوان، ولا بالحشرة.
============
محمد
داني - المغرب