
قصة قصيرة
نجلاء بقالي
من المحيط إلى الخليج
كانا
يتهامسان على بضع أمتار مني. وكنت
أدير وجهي عنهما كي لا يفهم أحدهما أمري على نحو خاطئ. في الحقيقة لم أكن
غاضبة. أمام البحر اللعين يتغازر حزني. شكله يخرجني من أناي ويرجعني إلى من
أكون. امرأة تلهو بها أمواج الوحدة. امرأة صور لها جنونها أنها قد تلعب بالقدر,
قد تزيح عن المسكوت اللثام وقد يٌغفر لها عن حماقات نسبت إليها. فقط لأنها
امرأة طفلة.
كان يقول لها بلغة رصينة : " ملهمتي...لماذا لم أعثر عليك قبل الآن؟ ".
وتأتيني وتأتيه إجابتها بمفاجأة صغيرة...
" هل تعلمني السباحة؟ "
عانقها. ارتمت بين ذراعيه وذابا في قبلة خجولة. كان مغمورا بها حد الغرق. وربما
كانت كذلك أيضا. لكنها بدت متيقظة أكثر منه. تدير رأسها كلما تنحنحتُ على
الصخرة المحدبة, أو سمعت أصواتا بعيدة. أو تناهى إلى أذنيها طقطقة فرس خافتة
على الرمال.
طلبها فاجأني. لم أحس بالحرج لأني كنت أبدو متلهية بعصاي المطاطية. أبحث في
الخلجان المائية الصغيرة عن أعقاب السجائر التي لم تتفتت بعد. أدخلها من فوهة
وأرمي بها على حد ذراعي من الفوهة الأخرى. هكذا كنت أبدو منشغلة. وأعفيهما من
الإحراج. جاهدت ألا أسمع شيئا من حديثهما الخاص جدا وألا أرسم لهما في ذاكرتي
وضعا معينا حين أسمع الهمهمات والأنفاس تتقطع، تخفت، ثم تهيج على شكل جميل.
لكني لم أدرك هذا النبل. اكتسحني كثير من الفضول...
عدت أفكر في السباحة وفي جهلي لها. ..
قبل عامين اشتركت في نادي لتعليم السباحة. كنت أشيب المنخرطين. لكن ذلك لم
يمنعني من تكثيف جهودي حتى أنتصر على خوفي من الماء ومن البحر. تذكرت المنشط أو
بالكاد جمعت تقاسيم وجهه المشتتة في ذاكرتي, وعودتي إلى البيت مزهوة بانتصاراتي
الصغيرة.
حدث لي أن أقول لرفاقي : " تعلمت كيف أحرك ذراعاي وقدماي في نفس الآن. وأن
أتقدم بضعة أمتار دون أن أغرق! "
وحدث ذات عصر أن غرقت وأغرقت المنشط ذو الجسد الرياضي بعد لحظات عراك مع وزني
في المسبح. أخرجونا أجسادا هامدة. لا أذكر ما حدث. سمعت ،ربما، صفيرا من بعيد
ثم أصوات جزيئات الماء تتراطم وتتلاحم. عاد وجهي إلى السطح المائي, فتراءت لي
وجوه صغيرة تراقبني. نوهت بشجاعتي. قلت إنني أسبح... وبعد لحظات وجدتني على
الأرضية المعشوشبة محاطة بأجساد عديدة وكان الأطفال يضحكون. صرخت بمن تجمعوا
حولي وورائي قائلة :
" علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل ". ضحكوا وتسللت كقطة.
كان الرجل العاشق يصرخ بها وفي وجهها... يبدو متألما ومن مقلتيه يطل توق غزير.
" لماذا ؟ "
وتجيب بصوت خافت :
" لأنني أردت ذلك."
" ألا يهمك أمري؟..."
" أحبك منذ ولادتك. وقد ولدت لحظة التقينا. لا تهمني حيواتك السابقة "
"أسمااااء". صرخ الرجل.
" كارلوس ". همست أسماء.
" ملهمتي....يهمني أن تعرفي من أكون "
" كارلوس...أعرفك صدقني. أعرفك عن حب."
بدا كارلوس متشائما واعتلته حيرة. لم أستطع منع نفسي من الالتفات. وجدته ماسكا
رأسه وجاثما على ركبتيه. صرخ باسمها يائسا, وصمتت أسماء.
التقت نظراتنا في ردهة قصيرة. استدرت مسرعة وركزت بصري على المساحة المائية
الهادئة.
تساءلت كيف يعشق كارلوس هذا؟. وكيف تعريه تلك " الأسماء " وتجعله عند ركبتيها
راكعا؟.
لم أقابل رجلا همس لي باسم مميز ومحبب ك" ملهمتي". فكرت في الألفاظ التي
تستعملها النساء...احبيبة, اكبيدة, ولم لا ايديدة أو ارجيلة!!!!. كل الألقاب
أجدها مقرفة ومستهلكة وخالية من أي معنى. والأسوأ أنها, جلها, تلفظ دون حركة.
علامة السكون أولها. وقد يكون السكون نهاية مفعولها.
حصل أن سمعت رجالا يغازلون نساءهم ويقولون في لحظة حب...: " أحبك آ الجن" أو
مثلا " أحبك آ القريدة؟ ". أو عبارات مستهلكة ك : "الزين." تلك التي تخرج من
أعطن الأفواه ومن أنقاها. لكنني لم أسمع قبل اليوم رجلا يتكلم عربية سليمة
وينادي فتاته بالملهمة.
ربما ينقصنا الإحساس بالإحساس. وبالتأكيد لغة صريحة تفضحنا دون حرج أو تعب.
سمعت جلبة. لكنني لم أستدر هذه المرة. غبطت الفتاة ولم أكن أريد أن تفهمني على
نحو خاطئ. مع أني قد أكون لمتها لأنها أيقظت المرأة العارية التي أكونها والتي
أدفنها تحت الأنقاض خوفا عليها من أن تهترئ..
كانت تضحك بصوتها الصغير وتصرخ...
" أحقا طلبت ذلك..."
" أجل...اقبليني أرجوك. أعلم أننا التقينا للتو. أفوقك سنا بسنوات عديدة لكنك
أعدتني طفلا أمام نظراتك الساحرة. وأمام كل ما تعرفين وما تجهلين."
" إنما..."
ويقاطعها متلهفا...
" لك الخيار...هنا أو هناك. في الغد أو بعد شهر....فقط عديني أن تظلي قربي
لأستيقظ على رائحتك كل صباح "
" هل أخبر أمي؟ "
" خبري خالتي. الآن. ولتشهد على ما أقول"
نفضت الرمل عن قدمي الحافيتين وانتعلت حذائي مسرعة كأن أحدهم يطاردني. غمرتني
موجة صغيرة. مسحت وجهي. فكرت في اللواتي انتظرن, وكابدن, وأحببن. وفي أولئك
الذين خانتهم الشجاعة وارتموا على سرير غريب.
التفت مرة أخيرة إليهما. كنت قطعت مسافة بعيدة. رأيتهما يلعبان. صغيرين جاءا
للتو من كوكب بعيد. وفي الأفق كان قرص الشمس قد غرق. أو أن الأرض استمرت في
الدوران...أو أنني....
في المساء قبلته, وناديته حين غادر كرسيه ليغسل يديه بعد وجبة عشاء حضرتها عن
حب ولهفة.
" ملهمي...أريد كوب ماء مثلج "
ضحك ملء فاه. تفحصني بنظرات مرحة وأجاب :
" آ القريدة. أي فيلم مكسيكي شاهدت هذا المساء؟...."