مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 غربة أجساد
" وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت " قرآن كريم
قصة بقلم :
عبدالسلام المودني

المرايا


          
 متثاقلة الخطو.. تجر رجليها بوهن .. وتجتر بعضا من أيام عيشها الأخيرة .. عجوز الجسد .. منكسرة النظرات .. خبت روحها التي أحرقت جسدها يوما فأحرق أرواح من عرفت .. تمشي الهوينا كأنما خلف موكب جنائزي حلزوني .. التصقت أصابع يديها باذني قفتيها الثقيلتين .. وقد ضمتا .. خضرا وفواكه .. وقطعة لحم هي منتهية في بطون ظلها الثقيل .. وظلال أحشائها المنتظرين..
رياح المدينة تعبث بأجساد الغرباء عنها . ولا موطن لمن غادر موطنه وهي لا زالت تحتفظ بغربتها .. ورياحها العاتية التي ألفها جسدها .. طفلة صغيرة يمسها الدوار وأطياف أحلامها تتراقص حولها .. تمسك بيد أبيها الذي أصابه مثل الذي أصابها تحاول الاستنجاد به وهو يدثرها من البرد الذي ينفخ فيها بنصائحه المطمئنة ..
- الناس طيبون هنا..لن ينقصك شيء جوارهم .. فافعلي كل ما يطلبوه منك يا ابنتي . ولا تعترضي على شيء .. واعلمي انه لولا الحاجة ما دفعت بك إلى هذا .. فاصبري ..
لازالت تعلق بذاكرتها أنفاسه لما هوى عليها يلثمها في جبهتها الصغيرة .. بعدما أودعها للطيبين ستقيم معهم وسيكون بيتهم بيتها الجديدة الذي ستنام وتستيقظ داخله.. وبين اليقظة والنوم.. يوم طويل عريض ستتقلب فيه كما فعلت دوما في بيتهم وبيوت من أقربائهم كلما استضافها أحدهم بين مسح وكنس .. طبخ وغسل .. تنظيف وتلميع .
والناس طيبون كما قال ابوها .. منحوها زاوية بمطبخهم لتنام سويعات ليلها داخله سيدته تعطف عليها كثيرا وتعنى بها .. وتهمها كما قالت مصلحتها .. وهي تحاول إعادة تربيتها.. لدرجة أنها أحرقتها يوما في مناطق كثيرة من جسدها .. كل ذلك حبا فيها .. وصار المطبخ وعاء أحلام ظلمتها .. وتآلفت مع أطيافها .. وبرودتها .. وصمتها .. ولياليها .. وفي ليلة يتسلل إلى أطياف أحلامها .. ظل ثقيل يعبث بأشيائها لاهثا ..يضغط نهديها.. يدمي بين فخذيها.. يروع برودتها.. يصخب صمتها ..يهتك لياليها .. كل ليلة يأتيها .. وأضحت تنتظر همس خطوه .. متكومة على نفسها .. مرتجفة .. راكنة إلى أطياف أحلامها التي تفر خوفا من أمامه .. ومن رأسها .. ليستقر ظل ثقيل بأحشائها يطردها أيضا من زاوية .. بمطبخ الطيبين إلى المدينة التي تعبث بأجساد زائريها .. والغرباء عنها .
طفلة تتلاعب الشوارع بجسدها .. تقف لها سيارة يطل منها وجه طيب آخر يشبه طيبين كثر ..
- اصعدي يا ابنتي.. البرد والليل وأنت وحيدة.
ونسي الجوع .. مستكينة ركبت إلى جواره .. خانعة أخذها إلى بيته .. لم يدخلها مطبخا .. بل دخله هو ليعد لها وجبة مغرية بعدما تذكر جوعها .. خاضعة استحمت.. مسلوبة أنامها في سرير دافئ وثير وأفلت أطياف أحلامها .. ولم تعد تزرها هنالك أيضا . وإنما ظل ثقيل يدعك نهديها .. ويدمي بين فخديها .. ويتبول داخلها بشبق .
وكبر جسدها .. وكبرت ظلال أحشائها حولها بعدما أدمت بين فخذيها .. وجففت نهديها .. وتبولت على ظهرها و تغوطت .. ونظفت ظهورهم .. وأملأت بطونهم .. وسدت أفواههم وأدخلوها مطابخهم .. هنالك استسلمت لنفسها وصلت على اطياف أحلامها في سرها صلاة الغائب .
تقاعد الطيب من عمله .. ولم يتغير أبدا .. ظل كما كان .. طيبا.. ساربا بالنهار .. وظلا ثقيلا رابضا لها بالليل تعبث أياديه بأشيائه .. التي التصقت بها خطأ .
تقاعد الطيب من عمله .. وتنتظر يوم يقعدها أيضا .. لتغنم يوما أو بعض يوم أو شبه ليلة .. لتعبث يدها بإرادتها بأشيائها الصغيرة .. لتمحو ذاكرة معذبة وتصنع ذاكرة جديدة لها وحدها تكون صاحبة الأمر والنهي فيها .. لتبحث في ظلال أحشائها عن أب .. يعيد لها أشباح أحلامها يعلمها كيف تمشي في المدينة .. كيف تتحدث ؟ ولا يدخلها مطبخا أخر في بيت اخر في مدينة أخرى في زمن اخر في حياة اخر .
دنية هي من يوم تقاعدها .. قريبة هي من يوم تعطل أجهزتها .. أحست خللا بأطرافها .. وهي ترقب الصغيرة أمامها تمسك يد أبيها و قد أحاق بهما الدوار استرخت أصابعها من على اذني قفتيها .. تساقطت القفتان وتناثرت الخضر والفواكه وقطعة اللحم التي كانت ستنتهي في بطون ظلها الثقيل وظلال أحشائها مدت يدها والتقطت دمية كانت ثاوية في قلب قفتها .. وهرعت الى الصغيرة .. فمدتها لها .. وحاولت تناولها .. وابتسامة أمل كبير تزين وجهها .. لأطياف أحلامها الراقصين من حولها .. بينما شدها الوالد بقوة وهو يشير إلى بيت طيب .. في طابق طيب .. في عمارة طيبة .. في حي طيب .. في مدينة طيبة .. في ...

 

 

 

هجمة سوقية

قصة قصيرة بقلم : د. رضا صالح خليفة

 

              كان الرعب والهلع أهم ما يميز الحركة داخل السوق فى هذا اليوم الذى لا ينسى ؛ قادتنى قدماى إلى هناك.. رأيت هرجا و مرجا ؛ فقد كبست شرطة المرافق مصحوبة باللودر ذى الذراع الطولى وقد دخل إلى الطرق الضيقة التى تفصل المحلات عن بعضها؛ يسبقها رجال أمن مركزى بزيهم الأصفر الباهت المميز , فوق رؤوسهم خوذ لونها أخضر داكن مغبر , وفى أيديهم هراوات ؛ انتشروا فى السوق كالجراد ، كان الباعة يتدافعون أمام طاولاتهم ، توجهت فى تلك اللحظة إلى سوق السمك ؛ الكل يتجه بنظره إلى اللودر الأصفر وقد وقف كالمارد يدخل من أول الطريق يرفع الكباش إلى أعلا يبدو مثل ذنب العقرب وقد استعدت للمصارعة . الكل هائج فى حركة سريعة يحملون طاولات السمك والجلمبو والثوبيا بلون حبرها الأسود ذى البريق اللامع تحت ضوء الشمس ، بعض السيدات البائعات يحملن الطسوط والجرادل المليئة بأسماك البساريا والشخرم والهليلى والجلمبو والجندوفلى , وقد تدافعن  وهرعن إلى داخل المحلات الضيقة ليخبئن بضاعتهم فيها ، تماما كتجار المخدرات أو كيوم الحشر ، بعض الطاولات تسقط من التدافع ؛ يتناثر منها السمك على الأرض..

سألت أحد الباعة وقد وقف مذهولا؛  وهو يوجه نظرة إلى العفريت الأصفر الذى بدأ هجومه على التندات المعدنية الحامية من حرارة الصيف والإجهاد وضربة الشمس وفساد الأسماك ..

ما الموضوع ؟

نظر إلىّ نظرة شك وارتياب ، ثم سكنت أساريره ؛ وقال لى :

كما ترى ، الله ينتقم منهم ..

هل أنذروكم ؟

لم يقل لنا احد شيئا ..

المفروض أن يكون هناك أكثر من إنذار قبل الإقدام على هذا الفعل

لمن تقول هذا الكلام يا أستاذ ؟

فى تلك اللحظة كان اللودر العملاق قد اقترب منا ؛ وقد تجمهر حوله أفراد الأمن المركزى بهراواتهم الغليظة , يحومون حوله ، انتشروا  ليوسعوا  له الطريق ؛ حتى يتمكن من إسقاط البروزات والزوائد والخروجات من واجهات المحلات ، ليزيل التند ويقضى عليها  قضاء مبرما؛  التوى الحديد والمواسير وتقرقع الصاج ؛ وسقط على الأرض ركاما وقد انخلع من الحوائط خلعا

صار المنظر رهيبا ، وقد امتلأت أرضية السوق ببقايا المواسير والقماش و الصاج والحصر المصنوع منه التند ؛

اتجهت إلى شارع آخر داخل السوق؛  كان اللودر قد أنهى مهمته فيه ، بانت إمارات الأسى والخنوع على وجوه الباعة ..اشتريت ما تيسر ؛ وأسرعت إلى الخارج فرحا بالنجاة .!!