|

قصة قصيرة

سمير الفيل*
الواحة
بائع
الغرابيل كان يجوب الأسواق
، ويخترق الأزقة الخلفية المشمسة في نهار طوبة شحيح الدفء . يحمل بضاعته بين
يديه وينادي . كانت وحيدة ، تتكيء على حافة الشباك ، وتسرح في البعيد حيث ذهب
زوجها لبر الشام كي يعمل بحثا عن الرزق الحلال .
قبل سفره بيومين رجته أن يبقى ، فرب هنا رب هناك ، لكنه قال جملته التي لن
تنساها : البلد التي تمنحك القرش هي بلدك .
كانت تعرف أن ارض الله واسعة ، وما يكسبه من عرق جبينه هنا حتى لو أنه قليل إلا
أنه يمنحهما الستر ، لكنه تبرم من ضيق ذات اليد . جاء بجواز السفر الأخضر
وألقاه أمامها . حين رأت النسر الذهبي ذعرت فقد كان ينظر نحوها بعداء واضح ،
وهي أعطته ظهرها حتى وضعه في الحقيبة الصغيرة .
قال لها وهي تعد له أقراص المنين والكعك بعجوة وعيش الطابونة : لا تطل الغياب .
اغتصب ضحكة ووعدها أن يرسل في طلبها فور أن ينصلح الحال . بائع الغرابيل ينادي
بصوت فيه نداوة :
( الحر يصبر على الضيق
ولا يفرح لعـــــــــادي
لو ينشف الفم م الريق
يتم ع الحال هـــــــادي )
لم تكن تفهم الكلام ولكنها طلت ورأت أنه يشبه حلمي تماما بنفس شاربه الكث وصوته
الغليظ المبحوح ، لكنه لم يغني لها أبدا .
لأول مرة تكتشف أن حلمي الذي راح لبلاد الشام ليعمل في الموبليا لم يغن لها حتى
في أيام الخطوبة . صحيح انه كان يلاعبها ويضاحكها لكنه كان لا يطيق الغناء ولا
سيرة المطربين والمطربات .
مرة سمعها تغني في الحمام وهي تستحم فطرق الباب وأمرها أن تكف عن إزعاجه بصوتها
. في الفصل وقبل أن تخرج من الصف السادس الإبتدائي كانت تشارك في فريق الكورال
، وقد علمتها مدرسة الموسيقى السلم الموسيقي ، ومتى تبدأ من " دو " لتصعد إلى "
سي " دون أن يختل صوتها .
هو الآن واقف على الباب بتهيب . فكرت لو أن لها طفلا لمنحها الأمان ، ولأدخل في
قلبها الطمأنينة . خمس سنوات بلا طفل . لا ملاغاة ، ولا تحنين : تفضلي يا هانم
.
مدت يدها تختبر متانة السلك ، وقبل أن تسأله عن الثمن سألها أن تأتي بكوب ماء
مثلج .
دخلت وتركت الباب مواربا ، وحين عادت رأته يمسح عرقه بظهر يده : الدنيا حر .
اسمحي لي بالجلوس على عتبتك.
لم يكن بوسعها أن تمنعه ، وكانت تشم رائحة عرقه فتعود القهقرى لأيام كان حلمي
معها ، يعود مساء في غاية الإجهاد فتضع قدميه في ماء ساخن ، تتركه لتعد العشاء
. ياه . كم اشتاقت لتلك الأيام ، فثلاثة أعوام جففت روحها ، وصحرت أيامها .هشت
بيدها خواطر سوداء : هل يوجد أكبر من ذلك؟
هز رأسه : هذه أفضل بضاعة ، وأبيع بنصف سعر السوق .
من طرف خفي قاست طوله ، ورأته أقصر من زوجها ببوصتين فقد كان " زر " الكهرباء
يعلو كتفه بنفس المقدار ، ضحكت وهي تضبط نفسها تقارن بين رجلين . بين حاضر
وغائب . سألته : من أين حفظت الموال؟
قال لها أنه لابن عروس ، وقد سمعته عن جدي فقد كان يغنيه بين تعب المشاوير،
وكنت أسرح معه . قالت له وهي تدخل لثوان معدودة ثم تعود بصورة أتت بها من درج
الكومدينو : هذه أنا في حفل المدرسة . كان صوتي جميلا .
حملق في صورة البنت الشقية للحظات وقد افترت شفتاه عن ابتسامة هادئة : كنت حلوة
. أراك تحبين الغناء .
وضع نظراته في بلاطات العتبة المزخرفة بأسود مع مربعات أقل بالأحمر : أول زبونة
تسألني عن الموال . إنني أسلي به نفسي .
تركت في يده الصورة ، ودخلت، أحكمت وضع الإيشارب حول شعرها ، وأغلقت آخر زرار
في فستانها البيتي المهوش : استرح دقيقتين . أجهز كوبين من الشاي لي ولك .
نظر نحوها في ترقب ومد رقبته يتشمم وجود أحد فاكتشف أنها بمفردها ، لكنها كانت
مأخوذة بالكلام الذي حفظه عن جده . اختفت لدقائق وعادت بالكوبين . مدت يدها
والشاي يصبغ الضوء النازل بحمرة مبهجة : ياليتك تغني موالا آخر . كانت الغرابيل
مسندة على حافة الجدار ، متداخلة ومتعانقة ، أما الباب فمفتوح على آخره ،وقد
راح ينتقل من موال إلى موال آخر وهي تهز رأسها مستمتعة لأقصى حد . كان البيت من
طابق واحد بالطوب الأحمر ، وعلى الحافة تحط عصافير وتطير ، وتهب نسائم آتية من
الشمال مع لفحة برد تنخر العظام .
ارتشف بتلذذ عجيب شاي الصباح ، وهي أمالت كوبها وراحت تعب وعقلها شارد حيث
ينبغي أن يكون حلمي : كم تريد ثمنا له؟
نظر بامتنان نحوها وقد لامست يده أصابعها الطرية بدون قصد فيما هو يسلمها الكوب
الفارغ : لا شيء . يكفيني أن تعرفت عليك .
لكنها دخلت ثانية . حطت الكوبين على رخام المطبخ ، وعادت بحافظة نقودها : خذ ما
تشاء . انتزع جنيهين . هبط درجات السلم القليلة ، هو يصدح بالموال ، أما هي فقد
راقبته من شباكها حتى ابتلعته الزحمة .
-----------------------
*سمير الفيل -
دمياط/مصر
samir_feel@yahoo.com
|