قصة
قصيرة : نجلاء محمود محرم

كنتُ
سعيدا جدا..
وكنتَ تستطيع.. حين تنظر فى عينى.. أن تسعد أنت أيضا..
كل صباح.. أخرج وإخوتى مع أمنا.. تهرول.. ونحن وراءها نهرول بسيقاننا الصغيرة
فلا نستطيع اللحاق بها.. لكنها تتوقف بين الحين والحين ناظرة لبعيد.. رافعة
رأسها.. إلى أن تستشعر اقترابنا فتبدأ فى الهرولة من جديد..
تتوقف أحيانا لتشمشم فى كومة من "كل الأشياء".. نَطْرَبُ نحن للتوقف.. ننقض على
الكومة فى حماس وسرور.. نشمشم لترانا أمنا ونحن نشمشم! لكننا لا نستطيع كثيرا
تمييز الأشياء مثلها.. وقارها واتزانها يجعلنا أكثر طيشا!
تستخرج لنا من الكومة خبزا وعظما ولحما طريا! نكف عن الصخب بينما تقف هى إلى
جوارنا شامخة ترقب بعينيها العسليتين ما حولنا..
لما ألقى لنا الكائن الذى يطل علينا من أحد الصناديق الكبيرة المرصوصة على
جانبى الطريق قطعا عديدة من العظام.. أكلناها.. وصارت أمنا تأخذنا كل يوم إلى
جوار الصندوق الكبير الذى يطل منه.. ونقضى وقتا طويلا أمامه إلى أن تتساقط
علينا قطع الخبز والعظم.. نحدث صخبا عظيما لننادى من يكون منا بعيدا هناك..
وحين نزل ساكن الصندوق الكبير.. حاملا إلينا الطعام بنفسه.. توجست أمنا..
أمرتنا بنظراتها أن نبقى بعيدين.. وسمعنا صوت هريرها المخيف يتردد محذرا..
لكننا سمعنا نداءه: " كش كش كش ".. فعَدَوْنَا بسوقنا الصغيرة المفتوحة ونحن
نجاوبه: " هوْ هوْ هوْ "! حتى وجدنا أنفسنا أمامه.. وأمنا وراءنا!
بَدَرَ الطعام أمامنا فدُرنا وهمهمنا وهززنا ذيولنا وأكلنا.. وقف هو يتابعنا
بينما أمنا ترمقه ولا تحيد بنظراتها عن عينيه.. ولما اختفى داخل صندوقه دَسَّتْ
أمنا "بوزها" فى فرونا تتشممنا بقلق..
لكنها فى اليوم التالى.. اقتربت معنا من الطعام المبدور وتناولت بعضًا منه..
وهى تنظر للواقف بجوارنا.. ويتخذ جسمها وضعا متحفزا..
صرنا نأكل ببطء.. واطمئنان.. ونطرب لِكَفِّ مطعمنا حين تتحسس فرونا.. وصارت
أمنا تسمح لنا بالابتعاد عنها والاقتراب منه!
وحين حملنى.. وقربنى من صدره.. استخفنى الطرب.. وضربت بذيلى.. ومنحته " لحسات "
كثيرة بلسانى اللاهث سعادة.. لكنه وضعنى ثانية على الأرض.. فدُرْتُ حول نفسى
مفتقدا سعادتى التى كانت.. والتف حولى إخوتى يهنئوننى على ما نلته من شرف..
بينما ظلت أمى تدس أنفها فى فروى وتتشممنى بعمق..
صار يحملنى.. ويحمل إخوتى.. وصارت أمى تتمدد وتغمض عينيها بعد الوجبات.. بينما
نلعب نحن مع مطعمنا ونصخب وننبح بمرح.. بل صرنا ندخل وراءه داخل صندوقه
الكبير.. وندور حوله لنمنعه من تركنا..
لست أدرى لماذا كَفَّ عن حملى وتقبيلى.. بعد أن وضع فى عنقى هذا الطوق اللعين..
وربطنى فى مدخل صندوقه الكبير.. وأغلق الباب بينى وبين أمى وإخوتى؟
ولست أدرى لماذا كَفَّ عن إطعام أمى وإخوتى وصار يطعمنى وحدى؟
وحين يسمع بكائى وعويلى ونباح أمى وأنينها.. ينزل وعيناه مملوءتان بالكره..
فيرفسنى ويقذف أمى التى لا تفارق الصندوق بطوب موجع..
ولست أدرى أيضا.. لماذا صرت لا أحب قربه.. وأنتظر بفروغ صبر أن أكبر.. وتشتد
أنيابى.. لأعقره؟

نجلاء محمود محرم
- مصر
naglaamehrem@naglaamehrem.net
naglaamehrem@yahoo.com