
رواية بقلم : الدكتور
أمل شطا*
مشاركة :
زرقاء اليمامة
العربي الموحد
هناك
امرأة بالباب تريد مقابلتكِ يا سيدتي
-
وما الغريب بالأمر ... هل هي المرة
الأولى ؟ دعيها تدخل
.
-
أمركِ يا سيدتي .. ولكن مظهرها غريب , ظننتها في باديء
الأمر جاءت تطلب إحسانا , ولكنها أصرت على مقابلة مديرة المدرسة , وتدعي أنها
أم
لإحدى الطالبات ولكني
..
-
يا لكِ من ثرثارة .. أغلقي فمكِ واذهبي لإحضارها
خرجت العاملة فورا وأغلقت الباب خلفها
واستدارت نوال مرة أخرى
...
وعادت تتطلع من خلال النافذة
كانت تقف إلى نافذة بجوار مكتبها , تحملق
باهتمام الى منزل متهدم مهجور . لم يكن هناك شيء يستحق النظر إليه على الإطلاق
, لم
يكن هناك سوى أكوام من القمامة والحجارة والأخشاب . ولكنها بدت من شدة اهتمامها
وكأنها باحثة تتطلع من خلال المجهر , أو أنها تراقب فيلما سينمائيا مثيرا .
ولكن من
يعرف الحقيقة يعجب لها ! كانت لا تمل من وقفتها هذه كلما سنحت لها الفرصة تراقب
الفئران المتناثرة هنا وهناك , تعدها وتحصيها , وتلاحظ حركتها وجحورها , وبين
حين
وآخر كانت ترمي إليها بقطع من الجبن , تتكاثر عليها الفئران
.
كانت تجد لذة
عجيبة وهي ترى الفئران الصغيرة تأكل بشراهة شديدة , وكل ما فيها يهتز ويرجف
وكأنها
لم تذق الطعام منذ أيام
.
وأحست بحركة خلفها , فاستدارت .. فوجدت امرأة تقف الى
جوار الباب وقد أطرقت برأسها الى الأرض
.
كانت ضئيلة الحجم .. ونحيلة الى درجة
كبيرة
.
بالتأكيد هي غريبة عن البلاد .... ولكن من أين جاءت ... من موريتانيا ؟
لا يبدو ذلك , من الهند ؟ لا أظن , ربما جاءت من ماليزيا ؟ .... ليس لي شأن بها
.
يالها من إنسانة غريبة الشكل
.
لماذا لم تشعريني بوجودك من قبل ؟؟ ولم ترد
المرأة . ورفعت رأسها , وأخذت تتطلع إليها في بلاهة شديدة
.
هل أنتِ خرساء ؟؟
....
اقتربي هنا ... ماذا تريدين ؟؟؟
اقتربت المرأة بخطوات صغيرة بطيئة
,
ووقفت أمام المكتب , وحاولت أن تبتسم فزاد ذلك من بلاهتها , وقالت : السلام
عليكم
.
-
للمرة الأخيرة ... من أنتِ وماذا تريدين ؟؟؟
-
أريد أن أرى ابنتي .... أنا
أمها ... ابنتي أنا ....هنا في المدرسة
.
كانت تتكلم بصعوبة ولكنة شديدة يصعب
فهمها . وكانت تهز رأسها وتحرك يديها مع كل كلمة حتى تساعد في التعبير عن
مقصدها
-
وما اسمها ...ما اسم ابنتك ؟
-
إسلام ... إسلام عبد المجيد
.
-
ماذا ؟
...
إسلام عبد المجيد ؟ اسلام ابنتكِ أنتِ ..؟؟؟ ... معقول
!!!
وما ان سمعت
المرأة هذه الكلمة , حتى اندفعت كالمجنونة تجاه المديرة , وأخذت تقبل يدها
ورأسها
وهي تصيح
:
-
ابنتي أنا ... أريد أن ارى ابنتي أنا ... أنا أمها ... إسلام
ابنتي أنا
...
-
ابنتي أنا .. أريد أن أرى ابنتي ... أنا أمها
...
إسلام ابنتي أنا
..
وكانت المديرة تدفعها دفعا بعيدا عنها .. وقد أصابها شيء من
الخوف
.
-
لنرى ... لنرى .. سوف أحضرها لكِ .. فقط اجلسي بعيدا عني
.
وراجعت
المديرة أوراقا أمامها , وهي تراقب المرأة في حرص وخوف
.
-
إسلام لم تحضر اليوم
على المدرسة . تستطيعين الحضور غدا ان أردتِ رؤيتها
.
فاندفعت إليها المرأة
مرة ثانية , وجثت على ركبتيها , تحاول أن تقبل قدميها , وهي تصيح في وله شديد
:
-
ابنتي أنا ... ابنتي أنا ... أنا أمها ... اسلام ... أنا أمها ... ابنتي أنا
...
دعيني أراها ... أسألك بالله ابنتي ... دعيني أرى ابنتي
...
-
صدقيني لم
تأتِ اليوم الى المدرسة , ولكن أعدكِ إذا أتيتِ غدا فسوف تتمكنين من رؤيتها ...
ليس
بإمكاني عمل أي شيء الآن
.
وأسقط في يد المرأة , وانخرطت في بكاء مرير , وتكومت
على أرض الغرفة تنتحب في بؤس شديد
.
كانت تبدو تعيسة
حزينة الى أبعد الحدود , ثم
أخذت تئن أنينا خافتا وتتمتم
:
-
خمسة عشر عاما لم أرها , خمسة عشر عاما وأنا
أعيش على أمل أن أراها . أين هي بالله عليكِ ابنتي ... ابنتي أنا ؟؟؟
-
خمسة
عشر عاما ؟؟؟ .... واين كنتِ طوال هذه المدة ؟؟؟
لقد أتيت من بلاد بعيدة ... من
جزيرة جاوة . هل تسمعين عنها ؟؟إنها بعيدة جدا . حضرت لأرى ابنتي . لقد أخذها
أبوها
بعيدا عني وهي في الثالثة من عمرها . دعيني أراها ... دعيني أراها
وأحست نوال بغصة في حلقها من شدة الإنفعال , وانحنت على المرأة , ورفعتها عن
الأرض
,
وأمسكت بيديها وأخذت تتطلع إليها
.
كانت لا تزال تبكي , وفي عينيها نظرة حزينة
ذليلة تعسة . كان لها وجه رقيق ناعم , بدا جميلا بالرغم من شحوبه .. كل ما فيها
صغير , أنفها .. فمها .. عيناها , وكفاها صغيرتان ناعمتان , بدت ملابسها نظيفة
إلى
حد كبير بالرغم من أنها تبدو بالية من كثرة الإستعمال وأعيد إصلاحها هنا وهناك
في
أماكن متعددة . كانت ترتدي إزارا طويلا , ملونا , ضيقا الى درجة يتعذر السير
معه
,
وبدا خصرها نحيلا وعظامها بارزة من الجانبين , وكانت تخفي جزءا من شعرها
وكتفيها
بغطاء أبيض رقيق . وظهر شعرها من الأمام , أسود كالليل , شديد النعومة
.
-
اسمعي , لابد ان تهدئي , ليس في يدي أي شيء الآن . وهذا وعد مني , إذا أتيتِ
غدا
سوف تتمكنين من رؤيتها , سوف أتصل بإسلام شخصيا حتى أتأكد من حضورها غدا .
اذهبي
الآن , وغدا صباحا ستكون ابنتكِ في انتظاركِ في هذه الغرفة
.
ونظرت المرأة
إليها نظرة عاتبة , غير مصدقة , ثم أخذت تتطلع حولها , وفجأة انفلتت من يديها
,
والتقطت مصحفا من فوق المكتب وضعته على رأس نوال وهي تقول
:
-
مصحف شريف
...
كتاب شريف
...
وفهمت هذه مقصدها
,
والتقطت منها المصحف وأمسكته بيدها وقالت
:
-
ها أنا أقسم لكِ أنني سأعمل ما بوسعي لتتمكني من رؤية إسلام غدا , كوني
مطمئنة , أرجوكِ أن تذهبي الآن ... اذهبي وعودي غدا
..
وبدا على المرأة شيء من
الطمأنينة , ولم تجد بدا من الإنتظار الى الغد . لقد انتظرت خمسة عشر عاما ,
أفلا
يمكنها الإنتظار يوما آخر . واستدارت في خطوات بطيئة وغادرت الغرفة
لم
تستطع نوال ان تتوقف عن التفكير في المرأة طوال النهار . وفي اليوم التالي
بكّرت في
الذهاب الى المدرسة
.
وما ان هبطت من العربة حتى فوجئت بها تقف أمام الباب
.
ياللمرأة التعسة ... ماذا تفعل في هذا الوقت الباكر ؟؟ وصاح الحارس : - هل
تصدقين
سيدتي ؟؟ لقد قضت هذه المرأة الليل بطوله على وقفتها هذه أمام الباب
!!!
ونظرت
إليها ... كانت تبدو أكثر شحوبا من ذي قبل
.
وما ان اقتربت منها حتى بادرتها هذه
قائلة
:
-
لا تنسي ... مصحف شريف
وابتسمت نوال , واصطحبتها الى الداخل
.
سارت معها في طرقات المدرسة ممسكة بيدها وهي تتلفت حولها وما لبثت أن
سألتها : - أين هي ؟؟ أين إسلام ؟؟
فقالت نوال : لم تحضر بعد
.
فابتعدت
المرأة فجأة وصاحت : - لقد قلتِ غدا ... قلتِ احضري غدا , مصحف شريف
.
-
وبعدها
معكِ ... ألا ترين المدرسة خالية من الطالبات . هل تريدين من ابنتكِ أن تبيت
هنا ؟
إن لكِ ابنة جميلة ناعمة , سترينها بعد قليل , سترينها خلال الساعة القادمة
.
-
ساعة ؟ ..... ساعة أخرى ؟ .... هل سأنتظر ساعة أخرى ؟؟؟ ..... لا ... لا أستطيع
...
لا .. أريد أن أراها الآن ... الآن
...
وأخذت تبكي في جنون .. وتضرب رأسها
بكفيها
.
-
لا بد أن تهدئي وتكوني عاقلة , ألم تفكري لو ان ابنتكِ رأتكِ على
هذه الحالة كم ستتألم ؟؟ هل تريدين لإسلام أن تتألم ..؟؟؟ هل تريدين ان تسببي
لها
الحزن ؟؟؟
وذعرت المرأة لهذه الكلمات . فجففت دموعها سريعا .. وهي تقول : لا
...
لا ...سأنتظر ... سأنتظر , لن اجعلها تحزن أبدا .. لن اجعلها تتألم
وسارت
خلفها طائعة حتى غرفتها
.
لم تمض نصف ساعة حتى كانت ساحة المدرسة تضج
بالطالبات . فتيات صغيرات يخطون حثيثا نحو الشباب . زهرات تتفتح للدنيا ..
ممتلآت
بالحيوية وحب الحياة , لا يتوقفن عن الحركة واللعب , وضحكاتهن تملأ المكان
.
انتظرت الديرة حتى دخلت الطالبات الى الفصول , وانتظمت الدراسة , وأرسلت
في طلب إسلام
.
كانت المرأة طوال هذه المدة تجلس صامتة على أرض الغرفة في مواجهة
الباب , لا ترفع عينيها بعيدا عنه , وكلما دخلت فتاة حملقت في وجهها , وبدت
كالمتحفزة , ثم تنظر الى المديرة متسائلة , وكلما مر الوقت ازداد ارتباكها .
وبدت
أكثر تحفزا , وأكثر توترا
.
وفجأة ... دخلت الى الغرفة فتاة طويلة .. ناعمة
..
رقيقة
-
ادخلي يا إسلام واغلقي الباب خلفكِ
.
صرخت المرأة من
أعماقها صرخة أفزعت الفتاة . فوقفت جامدة في وسط الغرفة تنظر إليها , والمرأة
تحملق
فيها فاغرة فمها كالمشدوهة , وللحظات طويلة لم تبد حراكا , وبعد قليل أفاقت
لنفسها
,
وحاولت النهوض فلم تستطع , وخذلتها قدماها , فسقطت على الأرض مرة أخرى , وأخذت
تزحف على ركبتيها وهي تلهث , وتخرج أصواتا أشبه بحشرجة الموتى , حتى وصلت الى
حيث
تقف الفتاة فاحتضنت ساقيها بقوة , ودفنت رأسها فيهما , وأخذت تقبلها في وله
شديد
,
وهي تنتحب وتئن وتتمتم
:
-
إسلام ... ابنتي .. يا حبيبتي ... ابنتي انا ... يا
حبيبتي ... يا حبيبتي , إسلام .. ابنتي أنا
....
وسقطت مغشيا عليها
أسرعت المديرة إليها , وكانت الفتاة راكعة بجانبها تنظر الى وجهها وقد
أخذتها المفاجأة . وبدون أن ترفع عينيها سألت في صوت ضعيف : - من هي ... هل هي
...
؟؟؟؟
-
اسمعي إسلام .... أعرف أنكِ فتاة عاقلة ... لقد حضرت هذه المرأة أمس فلم
تجدكِ , وباتت ليلتها أمام باب المدرسة تنتظر حتى الآن حتى تتمكن من رؤيتك ,
لقد
قالت لي أنها ... أمكِ
.
كانت كل خلجة في وجه الفتاة تنم عن مدى ما تشعر به
من ألم وانفعال . كانت ترتعش كالعصفور الصغير , بدت مذهولة , فقد كان الموقف
أكبر
من احتمالها
.
-
ولكن كيف ؟؟؟ إن أمي قد ... أقصد أبي قال إن
....
-
قال إن
أمكِ قد ماتت في صغرك ... أعرف هذا . ولكن صدق مشاعر هذه المرأة وهذا الشبه
العجيب
بينكما , هذا الشبه الذي لا يمكن أن تخطئه العين , جعلني أؤمن أنها أمك . لقد
ولدتكِ في جزيرة جاوة , وأبعدكِ أبوكِ عنها وأنتِ في الثالثة . لقد تعذبت كثيرا
حتى
تحضر لرؤيتك , أرجوكِ أن تتصرفي معها بحكمة , أرجوكِ أن تكوني رقيقة معها
.
ووضعت الفتاة كفها على وجه المرأة وأخذت تتحسسه
....
-
أمي ... هذه أمي
...
أعرف أنها أمي .... قلبي يحدثني أنها أمي
...
وانحنت على المرأة وقبلتها
وهي تردد
:
-
إنها أمي ... أعرف أنها أمي , وانسابت الدموع على خديها
-
أفيقي يا أمي ... أفيقي ... أرجوكِ أن تفيقي ... , ولم تتمالك نفسها , فانكفأت
على
المرأة تقبلها وتبكي
لم تستطع نوال ان تفعل شيئا . ولم تستطع أن تحتمل أكثر من ذلك , فاندفعت من
مكانها
تجاه النافذة , ووقفت هناك وظهرها للفتاة
.
أخذت تضغط بكلتا يديها على إطار
النافذة وهي تحاول جاهدة أن تحبس دموعها , وان تخفي انفعالها
.
كانت تكره أن
يراها أحد وهي تبكي , أو وهي متألمة . كانت تعتبر أن هذه الأحاسيس أن البكاء
دليل
على الضعف .. وهي تكره ان تكون ضعيفة
.
كانت تحب ان يراها الناس دائما قوية
وصلبة . ولم يكن يهمها أبدا أن يقال أنها قاسية القلب , متلبدة الشعور , ولكن
المهم
أن تظهر أمامهم كالقط المفترس .. وليس كفأر مذعور.
وعادت بها الذاكرة إلى الوراء
سنوات عديدة , عندما كانت طفلة صغيرة ربما لم تتعد الثامنة من العمر
.
كانت
مشاعرها رقيقة الى أبعد الحدود , عواطفها فياضة , مرهفة الحس , هشة سريعة
الإنفعال
,
تتألم وتبكي لأتفه الأسباب
.
كانت تبكي إذا رأت قطا جائعا , أو طائرا يذبح
,
أو عصفورا في قفص, كانت تبكي إذا رأت أحدا يبكي أو يتألم
.
حتى زميلاتها في
الفصل , كثيرا ما كن يحاولن إيذاءها أو السخرية منها أو سرقة طعامها , ولكنها
لم
تكن تشكو أبدا , حتى لا تكون السبب في إيذاء أحد
.
وكانت هناك أيضا أبلة سعدية
مدرسة الرياضيات ... أرطال شحم متحركة , ورائحة عرقها تحرق أنوفهن الصغيرة ,
هذه
اللعينة ... طالما سخرت منها وضحكت عليها .. كانت دائما تناديها بالفأر المذعور
,
ولم تكن تدري , أو لم يكن يهمها هذا الألم الذي كانت تسببه لها
.
حتى كان ذلك
اليوم
.....
إنها لا تزال تذكره الى الآن , يوم ضاقت أمها بها وببكائها وصاحت في
وجهها : إنكِ بالفعل مثل الفئران وليس هناك واحد في هذا العالم يحب الفئران
الضعيفة
,
وفي يوم من الأيام سيأتي قط كبير ليفترسكِ , أو يرمي إليكِ الناس بطعام مسموم
حتى
يتخلصوا منكِ.
ومن يومها , تحجرت الدموع في عينيها
...
كانت المرأة
تجلس في أحد جوانب الغرفة وقد احتوت ابنتها بين ذراعيها , وكأنها تحاول أن
تخفيها
بداخلها , كان وجهها مشرقا , والسعادة تشع من عينيها , وكأنها لا تصدق نفسها
,
وكانت تمسح على شعر ابنتها وكتفها , وتربت على رأسها بحنان بالغ , وبين حين
وآخر
كانت تقبلها بحب وشوق لا يوصف
.
أما الفتاة فلم تكف عن البكاء
.
وأبعدتها
المرأة قليلا عنها ... واحتضنت وجهها بين كفيها وأخذت تتأملها
.
-
إنكِ جميلة
جدا يا إسلام ... لم أر في حياتي فتاة أجمل منكِ , كيف يمكن أن تكون لي ابنة
جميلة
لهذه الدرجة ؟ ! ولكن أخبريني , لماذا تبكين ؟ هل أنتِ حزينة ؟ ألستِ سعيدة
مثلي ؟
انظري إلي يا ابنتي .. أنا أمكِ .. هل تحبينني ؟ أخبريني يا صغيرتي ألا تحبينني
؟
-
نعم أحبكِ ... أحبكِ كثيرا وافتقدتكِ كثيرا , ولكن لماذا تغيبتِ طول هذه
المدة, أما كان يمكنكِ الحضور قبل هذا من أجلي ؟ لماذا يا أمي ... لماذا
تركتيني
أعيش طفولتي وحيدة يتيمة وأنتِ على قيد الحياة ؟؟
وعادت المرأة فاحتضنتها بين
ذراعيها بقوة , وأخذت تقبلها , وقالت وهي تبكي
:
-
ماذا أقول لكِ .... إن أحدا
في العالم لا يمكن ان يتصور كم تعذبت وكم قاسيت . لقد مرت علي أيام كثيرة فكرت
فيها
جديا أن أتخلص من حياتي . إن الأمل في أن أراكِ , هو السبب الوحيد في بقائي على
قيد
الحياة إلى الآن
.
واعتدلت المرأة قليلا , وأدخلت يدها تحت صدرها وأخرجت منديلا
حريريا مطويا , وضعته على الأرض وأخذت تفكه بعناية وحرص شديد
.
كان بداخله صورة
صغيرة بحجم الكف , تأملتها للحظات بحب , ثم ناولتها لإسلام
.
-
انظري يا ابنتي
...
انظري إلى هذه الصورة
.
ونظرت إسلام , كانت صورة لرجل وامرأة وقفت بينهما
طفلة صغيرة
.
وصاحت الفتاة : - هذه صورة أبي , أليس كذلك يا أمي ... وهذه أنا
,
نعم هذه صورتي وأنا طفلة . وهذه السيدة ؟؟ يا إلهي ... كم كنتِ جميلة يا أمي ..
كم
كنتِ رائعة ....! وصمتت قليلا ونظرت إلى أمها وقالت في حزن : - لكم تغيرتِ ..
يا
حبيبتي , ماذا فعلت بكِ الأيام ؟؟
-
لا عليكِ لقد أصبحت امرأة عجوزا
.
-
لا
تقولي هذا , أعرف أنكِ لا زلتِ شابة . آه يا أمي كم تعذبتِ !! لماذا لم ترسلي
بخطاب
إلى أبي , لماذا لم تحاولي الإتصال بنا ؟
-
لقد فعلت , أرسلت له عدة مرات خطابا
تلو الآخر ولكن يبدو أن أباكِ كانت لديه مسؤوليات كثيرة , ولم يكن لديه الوقت
..
أقصد أنه ربما
...
-
يا إلهي ... لم أكن أعلم أن أبي بهذه القسوة .. لم أكن أعلم
-
لا تقولي هذا .. إنه أباكِ يا ابنتي .. ولا تنسي أن الحق معه , إن رجلا عظيما
مثل السيد عبد المجيد لا يليق أن تكون له زوجة مثلي
.
-
تدافعين عنه .. بعد كل
ما فعله بكِ تدافعين عنه ؟؟!
-
دعينا من هذا كله الآن .. فقط دعيني أنظر إليكِ
.
صدقيني .. عندما رأيتكِ سامحته , ونسيت كل ما حدث , ليس هناك امرأة في العالم
أسعد
مني الآن , ارجوكِ يا ابنتي لا تجعليني أشعر أنني قد كدرت صفو حياتك , صدقيني
لقد
نسيت كل شيء
-
إن كنتِ قد سامحتِ , إن كنتِ قد نسيتِ , فكيف لي أن أنسى ...؟؟
لقد عشت عمري أتمنى لو كانت لي أما لها نصف حنانك . كنت في أشد الحاجة إليك يا
أمي
,
ولكني رضيت بقدري وصبرت , صبرت يا أمي . ولكن بعد أن رأيتكِ . بعد أن أحسست
بلذة
الشعور بالدفء والحنان بين يديكِ , بعد أن أحسست ولأول مرة في حياتي بهذا الحب
الدافق يخرج من أعماقي , ويخرج من أعماقكِ , شعرت بالندم على أيام عمري الضائعة
,
لقد حرمني منكِ طوال هذه السنين , ولن أسامحه يا أمي .... لن أسامحه ما حييت
.
وسادت فترة من الصمت بينهما
.
-
هيا يا أمي .. قومي معي إلى البيت , سوف
أبيت الليلة بين أحضانكِ , هيا يا أمي لا تضيعي الوقت , يكفينا ما ضاع من العمر
.
وظلت المرأة على صمتها وقد غشت وجهها سحابة من الحزن
.
-
اسمعي يا ابنتي
,
إن كنتِ تحبينني حقا فلا تطلبي مني الذهاب معكِ . لا أريد أحد أن يعرف أني حضرت
إلى
هنا أو أني رأيتكِ
.
-
تقصدين أبي ...؟؟
-
نعم . لو عرف أبوكِ فلن يغفر لي
أبدا . وربما منعكِ من الحضور الى المدرسة أو عمل على ترحيلي من البلاد ,
أرجوكِ يا
ابنتي
.
-
لا يا أمي لن أدعكِ تذهبين , سوف نعود سويا الى البيت . إنه بيتكِ يا
أمي , إنه منزلكِ , ولن يستطيع أبي أن يعمل شيئا , سوف أمنعه , سوف أمنعه.
-
بل
يستطيع .... يستطيع يا ابنتي , أنا أعرفه جيدا , لو كنتِ تريدين حقا رؤيتي كل
يوم
,
لو كنتِ حريصة بالفعل على الا تحرميني منكِ مرة أخرى , فلا تدعيه يعرف بوجودي
أبدا
,
ولا تشعريه أنكِ قد رأيتني مطلقا
.
وصمتت إسلام ولم تجب
-
عديني يا
ابنتي , عديني حتى يطمئن قلبي
.
وبدت الفتاة كالمستسلمة , وقالت بصوت حزين
:
-
أعدكِ يا أمي ... أعدكِ يا أمي
وألقت حقيبتها جانبا . وأغلقت الباب جيدا , ثم ارتمت على فراشها منهوكة القوى
.
كانت صورة أمها بوجهها الرقيق ونظرتها الحانية تملأ روحها وكيانها , ولا تفارق
مخيلتها
.
بعد خمسة عشر عاما يا إسلام ... بعد خمسة عشر عاما من الوحدة واليتم
,
أخيرا لكِ أم
...
سامحك الله يا أبي
.....
ومالت قليلا , واحتضنت وسادة صغيرة
بجانبها
.
آه يا أمي ... كم أحبكِ , كم أنتِ رائعة , ليتكِ كنتِ بجانبي الآن
,
أين أنتِ , وماذا تفعلين ؟ يا إلهي !!! لقد نسيت أن أسألكِ أين ستبيتين الليلة
؟؟
آه يا حبيبتي ... آه يا أمي
!
وأحسّت بخوف وألم يعتصران قلبها , فانخرطت في بكاء
مرير
.
وفجأة .... وبينما هي على هذه الحال , سمعت صوتاً كالإنفجار , وفتح باب
غرفتها على مصراعيه , وفزعت الفتاة , وقفزت من مكانها
.
كان السيد عبد المجيد
يقف على باب الغرفة والشرر يتطاير من عينيه , وقد أمسك بأمها وقد تمزقت ملابسها
والدم ينزف من أنفها وفمها , وأخذ يجذبها من شعرها , ويسحبها على الأرض تجاه
النافذة , ويركلها بقدميه , وهي تصيح من شدة الألم
.
وصرخت الفتاة , واندفعت
إليه كالمجنونة تحاول تخليص أمها , فدفعها أبوها بقوة , فسقطت بعيدا على الأرض
وارتطم رأسها بالحائط
.
وقبل أن تستطيع النهوض مرة أخرى اندفعت الى داخل الغرفة
ثلاثة كلاب متوحشة , أشار إليها أبوها إشارة معينة , فهجمت على أمها تحاول أن
تنهش
لحمها , وإسلام تصرخ في فزع شديد
.
ولكن الكلاب ما لبثت أن اندفعت مرة أخرى
مسرعة إلى خارج الغرفة . ولم تفهم إسلام ما حدث , حتى سمعت صرخة مدوية أطلقها
السيد
عبد المجيد
.
كان يقف وسط الغرفة يحاول تخليص رقبته من ثعبان ضخم إلتف حولها
,
كان يجاهد بكل قوته دون فائدة والثعبان يزداد إلتفافا حوله . وفي النهاية سقط
على
الأرض وقد احتقن وجهه وجحظت عيناه
.
واندفعت إسلام تحتضن أمها في خوف شديد
.
-
هيا يا أمي ... هيا نخرج من هنا ... هيا نذهب بعيداً
.
ولكن أمها لم تبد
حراكاً . كانت تنظر إلى زوجها كالمشدوهة , والفزع يرتسم على وجهها , ولم تلبث
أن
اندفعت إليه تحاول تخليصه من الثعبان
.
-
اتركيه يا أمي ... دعينا نذهب بعيدا
...
ولكن المرأة أخرجت من صدرها مدية صغيرة وأخذت تضرب بها رأس الثعبان
.
وعادت إسلام تجذب أمها : - اتركيه يا أمي ليموت , إنه لا يستحق الحياة
.
وأخذت تصرخ بجنون : - هيا يا أمي ... هيا يا أمي ... اتركيه قبل أن يقتلكِ
الثعبان أنتِ الأخرى , هيا يا أمي
...
وأفاقت الفتاة من نومها فزعة وهي لا تزال
تصرخ ... واعتدلت في فراشها وأخذت تنظر حولها وهي لا تصدق نفسها , كان قلبها
يخفق
بعنف ويداها ترتعشان
.
لم تعرف كم مضى عليها من الوقت وهي نائمة ... ونظرت إلى
ساعتها , يا إلهي !!! لقد مضى أكثر من ساعتين
.
قامت إسلام لتوها ... وغيرت ملابسها سريعا , وهبطت الى الطابق السفلي
ورآها
الخادم العجوز
...
-
إسلام .... لماذا لم تتناولي طعامكِ الى الآن يا ابنتي
؟
-
لا أشعر بالجوع , ليست لدي أي شهية للطعام يا محسون . ولكن أخبرني .. هل عاد
أبي من الخارج ؟؟
-
منذ أكثر من ساعة , كان في زيارة الطبيب , لقد تناول طعامه
بمفرده , إنه يقرأ في غرفته كالعادة
.
كانت الغرفة هادئة ومتسعة , ذات طابع عربي
أصيل , فرشت لأرضها بالسجاد الفاخر , وارتصت في جنباتها فرش صغيرة واحد تلو
الآخر
,
لا تعلو كثيرا عن الأرض , غطيت بمخمل ملون , ووضعت عليها مساند عريضة , زينت
حروفها
بحرير أزرق . وتدلت من السقف ثلاثة فوانيس زجاجية ملونة كبيرة الحجم , تشبه تلك
التي نراها في المساجد القديمة
.
عندما دخلت إسلام , لم ينتبه لها والدها فاتجهت
إلى أحد الأركان وتناولت كتابا من جانبها . وأخفت وجهها فيه . لم تكن لديها أي
رغبة
في القراءة , ولكن كانت لديها رغبة شديدة في مراقبته
.
كان الرجل قد اتخذ مجلسه
في أحد جوانب الغرفة فوق واحد من تلك الفرش الصغيرة . وكانت إحدى ساقيه ممدودة
وقد
ثنى الأخرى فوقها , واتكأ بأحد مرفقيه على وسائد حريرية وقد انهمك في قراءة
صحيفة
بين يديه بينما أمسك بمبسم عاجي طويل . متصل بأرجيلة مذهبة , يزيد طولها عن
المترين
,
وبين حين وآخر يجذب منها نفسا عميقا فتصدر صوتا أشبه بقهقهة رجل بدين
.
كان
من يراه في جلسته هذه يظن أن هارون الرشيد قد بعث إلى هذا العصر مرة أخرى
.
لم
يكن قد تعد الستين من عمره , ولكنه بدا أكبر من هذا بقليل . كان ضخم البنية ,
يميل
الى السمنة , له بشرة بيضاء مشربة بحمرة خفيفة , وشارب كثيف لم تعد فيه شعرة
سوداء
واحدة . وبرغم التجاعيد , وبرغم فعل السنين بدا الرجل إلى حد ما بهي الطلعة
.
أزاحت إسلام الكتاب قليلا , وأخذت تتطلع إلى أبيها خفية وتتأمله : هذا هو
السيد عبد المجيد الذي يحترمه الجميع ويخافه الجميع , وهو لا يهاب أحدا ولا
يخاف
أحدا
.
آه يا إسلام ... إن أباكِ لم يخف حتى من الله , لم يخف حتى من خالقه
.
لماذا يا أبي ... أين كان ضميرك يوم أن فعلتها , اين كان ضميرك يوم أن فعلتها
,
أين كان ضميرك يوم أن رميت بأمي المسكينة وسط أمواج الحياة دون رحمة , وحيدة
...
ضعيفة , أين كان ضميرك يوم أن انتزعت طفلتها من بين أحضانها وتركتها تحترق لوعة
وأسى ؟ أسفي عليك يا أبي .. أسفي عليك
!
وانتبه الرجل لوجودها
...
-
إسلام
...
أنتِ هنا , لم أشعر بكِ عندما دخلتِ الغرفة , يا لكِ من قطة شقية
.
ولم ترد
الفتاة وظلت تحملق فيه فقال مداعبا
:
-
مابالك تنظرين إلي هكذا .. ألم تري شابا
جميلا مثلي من قبل
.
وحاولت الفتاة أن تبتسم
....
-
يا لك من ابنة قاسية
القلب , تتركين أباكِ العجوز يتناول طعامه وحيدا ... ولكن ما رأيكِ في العنب
الذي
اشتراه محسون اليوم , إنه كبير الحجم وفي غاية اللذة , إن الحبة الواحدة منه
أكبر
من أنفك
....
وانطلق يضحك بصوت عال ... ولكن الفتاة بقيت على صمتها , وأدرك
الرجل أن هناك شيئا يضايقها أو يشغل بالها , فتشاغل عنها بجريدته بعض الوقت ثم
عاد
ليسألها
:
-
ما بالك يا ابنتي ... هل هناك شيء في الأمر ... أخبريني ؟
...
ولم ترد . ولكنها قامت من مكانها واتجهت إليه و جلست أمامه . وقالت وهي تحاول
أن تصطنع المرح
:
-
أبي ... حدثني قليلا عن طفولتي
..
-
ولكنكِ ما زلتِ طفلة
.
هل تظنين أنكِ قد أصبحتِ شابة ؟
-
لا تسخر مني يا أبي .... أرجوك ان تحدثني عن
طفولتي ...حدثني عن أمي
..
وتغير وجه الرجل ... وقال مراوغا
:
-
أنا أبوكِ
.....
وأنا أيضا أمكِ
.
فقالت الفتاة بشيء من نفاذ الصبر
:
-
أبي ... أرجوك
أن تحدثني عن أمي
.
-
وماذا تريدين مني أن أقول لكِ ؟ لقد حدثتكِ عنها قبل هذا
مئة مرة
.!
-
كنت صغيرة . ونسيت كل ما قلته لي , هيا يا أبي .. هيا حدثني عنها
.
وأخذت تنظر إليه في شيء من التحدي . بدا مضطربا لا يعرف من أين يبدأ وماذا
يقول
.
وأخذت تحدث نفسها ... هيا يا أبي فلنبدأ رحلة الأكاذيب . دعني أرى وجهك
ولأول مرة في حياتي وأنت تكذب . هيا يا أبي أسمعني حكاياتك الملفقة , أسمعني
كيف
حاولت لسنوات طويلة أن تخفي آثار فعلتك الشنعاء
.
وبدأ الرجل يتكلم
....
-
إن أمكِ كانت ابنة لرجل عظيم من كبار رجال الدولة في تونس . أتى يرأس وفد
بلاده للحج ومعه زوجته وابنته وقامت بيننا صداقة قوية . فزوجني ابنته , وأقمنا
الأفراح ثلاث ليالِ متواصلة
.
وعندما كنتِ في الثالثة . اصطحبتني في رحلة عمل
الى جزيرة جاوة . ويبدو أنها لم تتحمل مشقة السفر فمرضت وماتت , واضطررت الى
دفنها
هناك , وعدت وحيدا
.
لكم تألمت لها ولفقدها
!!
وتمتمت الفتاة في تهكم
شديد : شيء مؤثر ... مسكين يا أبي , يالك من زوج وفيّ
!
وصمت الرجل لفترة , وشرد
بعيدا , واكتست وجهه لمحة من حزن , ونظرت إليه الفتاة
...
كانت في عينيه نظرة
غريبة لم ترها من قبل , وبعد قليل أخذ يتكلم بصوت حزين أحست فيه نبرة الصدق
...
-
لقد كانت أمكِ امرأو رقيقة , لم أر في حياتي امرأة في رقتها , كانت خجولة
جدا . كانت تخجل حتى مني أنا , لقد أحببتها كثيرا يا ابنتي . كان شعرها ناعما
كالحرير . أسود كالليل . وأغرب ما في الأمر ... لون بشرتها . كانت لها بشرة
سمراء
خمرية ورثتها عن أم هندية
...
-
أو كانت أمها هندية .. ؟
وفوجيء الرجل
.
وارتبك . وقال متلعثما
:
-
لا أدري ... أقصد ربما كان ذلك ... يبدو أنني قد
أخطأت في التعبير ... هيا قومي إلى كتابك , ودعيني أكمل صحيفتي , ليس عندي
المزيد
لأخبركِ به
.
ولم تزد الفتاة كلمة واحدة , وقامت من فورها , وعادت الى مكانها
واصطنعت الإنهماك في القراءة
.
أحببتها يا أبي ...؟ تقول أنك أحببتها لرقتها
!
ألأنك أحببتها لفظتها من حياتك ؟ ! ألأنها كانت رقيقة بالغت في قسوتك عليها ..؟
أخبرني بالله عليك ماذا كنت تفعل لو أنك كرهتها . أو أنها كانت إنسانة شريرة
سليطة
اللسان . أخبرني ماذا لديك أيضا من فنون القسوة والتعذيب .. ؟
!
وأنا ... ألم
تفكر في مصيري يوم أخذتني من بين أحضان أمي . أم ظننت أن في استطاعتك أن تعوضني
حنان أمي وحبها ؟
وتنهدت الفتاة , وألقت برأسها للخلف وأغمضت عينيها
....
لا يا أبي إنك لم تحاول
يوما أن تعوضني عنها ... لم تحاول أن تكون لي أما بدلا منها . إنك حتى لم تحاول
أن
تكون أبا .... أبا حقيقيا يملأ حياتي حبا ورقة وحنانا
.
لقد حاولت كثيرا أن أمحو
من ذاكرتي أيام طفولتي الشقية . عشت وحيدة في هذا البيت , منذ أن فتحت عيني على
هذه
الدنيا ... عشت وحيدة
.
كم كان عمري وقتها ... ؟ خمس سنوات ... ست سنوات ؟؟؟ لا
أدري .. ولكني أذكر جيدا مدى ما كنت أحس به من وحدة وخوف وأنت معي يا أبي , تحت
سقف
بيت واحد
.
كنت أستيقظ من نومي مذعورة , وأشعر برغبة في ان ألجأ إليك وأرتمي بين
أحضانك لأحتمي بك .... لأحتمي بك يا أبي ... وأظل أبحث عنك في أرجاء البيت أبكي
خائفة ملهوفة
.
وغالبا ما كنت أجدك في هذه الغرفة , نعم يا أبي ... لا زلت أذكر
هذه الغرفة جيدا وقد ضجت بالرجال , والدخان , وأكواب الشاي , والجميع ينظرون
إليك
في إعجاب , وصوتك وضحكاتك تجلجل بينهم
.
وبمجرد أن تراني .... تختفي الضحكة
تماما , ويتغير تعبير وجهك
.
كنت أعجب يا أبي , كيف كان يمكنك أن تتغير بهذه
السرعة فيصبح وجهك مقطبا ونظراتك قاسية .... وتزجرني كأني كلب أجرب رأيته يقف
على
بابك
.
وفي بعض الأحيان
,
كنت أفر عائدة إلى غرفتي وقد ازددت خوفا , وازددت
ارتباكا . وأحيانا كنت اندفع إليك غير مبالية , وأحاول أن احتضنك رغما عنك
..
وأقبلك رغما عنك . فتدفعني بعيدا وتصرخ مناديا محسون
:
-
محسون ... ألم أقل لك
مائة مرة ألا تدعها تأتي إلى هنا ... يا لك من غبي , احملها إلى غرفتها , ليس
لدي
وقت لهذا
.
نعم يا أبي ... لم يكن لديك وقت لتحتضن فيه ابنتك , ولكن كان لديك
وقت للأصحاب والضحكات والنوادر
.
ومرت الأيام ... ومرت السنون , واعتدت على
الوحدة , واعتدت على الخوف , واعتدت على اهمالك لي
.
أصبحت لا أبرح غرفتي إلا
نادرا , ولا أجلس معك إلا على مائدة الطعام , ولا أنظر إليك إلا من بعد
.
وفي
بعض الأحيان , كانت يدك تمتد عن غير قصد فتمسح على شعري وأنا أقف بجانبك , ويدب
الأمل في صدري ... ربما يا إسلام ... ربما سينحني أبوكِ بعد قليل ويقبلكِ
ويحتضنكِبين يديه , ولم لا ... ربما حملكِ أيضا بين ذراعيه وقال لكِ أنه يحبكِ
كثيرا , بل ربما أخذكِ معه إلى النزهة
.
وهكذا ... أظل أحلم وأحلم , ولا أفيق
إلا بعد أن تكون قد ذهبت بعيدا وتركت في يدي بعض النقود
....
وفي أيام الأعياد
,
كنت أقف بين الخدم , نتلقى جميعا منك النقود والهدايا
.
كم حاولت أن أنسى هذه
اللحظات ونفسي ذليلة , وقلبي يقطر أسى . لم أكن أشعر أن لديك أي فرق بين ابنتك
وبين
خدم البيت , لم يكن هناك فرق عندك بيني وبين محسون الخادم
.
آه يا أبي ... كم
تألمت منك , وكم كنت في حاجة إليك وأنت لا تدري
.
والغريب أنك كثيرا ما كنت
تسألني إن كنت أحتاج شيئا أو أن كان هناك شيء ما ينقصني ... وكنت أنظر إليك
وانا
أكاد أصرخ في وجهك ....لا يا أبي .. لست في حاجة الى المال ... لست في حاجة الى
الطعام ولا إلى الملابس ... ليس هذا ما أريده منك , إنني في حاجة إليك أنت يا
أبي
,
في حاجة إلى محبتك , ولكن ماذا أقول لك وأنت لا تفهم .. ولن تفهم أبدا
..؟؟
وبمرور الأيام فقدت حتى الأمل ... وتعلمت أن أعيش بغير أمل .. وظننت أن حبك
قد مات في صدري
...
ولكني كنت مخطئة ... لقد أحببتك يا أبي ... أحببتك طوال
عمري .. ولم أعرف قدر هذا الحب إلا عندما مرضت , وأحسست أني على وشك أن أفقدك
.
كنت يومها منهمكة في مراجعة دروسي ..وأحسست بضجة غير عادية في البيت . وأسرعت
خارج الغرفة . كان هناك رجال كثيرون عند باب غرفتك , والخدم يتحركون بسرعة ,
وقد
ارتسم القلق على وجوههم
..
وشعرت بانقباض في صدري
....
وحاولت أن أفهم ماذا
حدث ... فلم أستطع , ولم يهتم أحد أن يجيبني , وأخذت أجري كالمجنونة أسأل كل من
يصادفني ... ماذا حدث لأبي ... ماذا حدث لأبي ..؟؟ ولم تكن الإجابة تزيد عن ...
لا
شيء , لا تشغلي بالك , أباكِ بخير , أو إن أباكِ متعب قليلا ... وهكذا حتى فقدت
أعصابي
.
وأخيرا اندفعت إلى محسون وسألته
:
-
محسون هل مات أبي ...؟
واهتز الرجل وأجابني على الفور
:
-
لا تقولي هذا يا ابنتي , إن أباكِ بخير,
ولكن أصابه إغماء منذ الصباح , ولا يزال الأطباء معه حتى الآن , يقولون أن هناك
شللا ً أصاب ساقيه و
....
ودارت الدنيا من حولي ولم أشعر بشيء بعد ذلك
.
وعندما أفقت كانوا قد نقلوك الى المستشفى . وأخبروني أن زيارتك قد منعت
.
وحاولت المستحيل لأذهب إليك دون فائدة
.
وبعد ثلاثة أيام , اصطحبني محسون إلى
المستشفى وأنا أشعر أن قلبي يرتجف لهفة عليك
.
ووقفت على باب غرفتك أنظر إليك
كنت ترقد في سريرك مستسلما يا أبي , وبدا وجهك شاحبا وعيناك نصف مغمضة , كان
يبدو وكأنك لا تعي ما يدور من حولك تماما .
ولكن عندما رأيتني , نظرت إلي في حب , وابتسمت لي في ضعف شديد , ابتسامة هزيلة
اهتز لها قلبي .... ولم أدرِِ كيف اندفعت إليك كالمجنونة أقبل وجهك وقدميك
ويديك ... وكلما نظرت إليك ورأيت هذه النظرة في عينيك إزداد جنوني , وازدادت
لهفتي .
وعدت إلى البيت , وحيدة , حزينة , ونظرتك لا تفارقني .
آه يا أبي !!! ... لماذا أحييت الأمل مرة أخرى , لماذا جعلتني أحس بكل هذا الحب
في عينيك ؟؟ لماذا جعلتني أشعر أنك لولا ضعفك لاحتضنتني وضممتني إلى صدرك ...؟
وعشت أنتظر عودتك إلى البيت , وأعد الأيام والساعات والأمل يداعب أحلامي .
وعدت يا أبي .. وعاد البيت يضج مرة أخرى بالرجال والزائرين والأصدقاء , لم يكن
لي مكان بينهم .
ومرت الأيام , ومرت الشهور وبالتدريج خف الضجيج , وخف الزوار , وابتعد الأصدقاء
, منهم من نسي ومنهم من تناسى .
وعدت ابحث عن هذه النظرة في عينيك ..... فلم أجدها .
كنت أجلس أمامك طوال النهار على أن ألمح تلك الإبتسامة على شفتيك مرة أخرى دون
فائدة .
كان وجهك حزينا ... نظراتك حزينة .. وحاولت أن أخفف عنك , فلم أستطع . حاولت أن
أقنعك بالعودة الى الحياة مرة أخرى ... إن الشلل قد أصاب إحدى ساقيك ولازال
يمكنك السير بشيء من المساعدة , أو باستعمال عكاز وصفه الطبيب فباءت محاولاتي
بالفشل , ولم تقتنع , فضلت الإنزواء والموت البطيء على ان يراك أحد ضعيفا أو
مريضا , او حتى لا ترى نظرة الشفقة في عيون الناس.
يالكبريائك يا أبي .....ومرت الأيام ..متشابهة بطيئة , ووجهك يزداد حزنا ,
وتزداد انطواءً .
وفي يوم طلب محسون إجازة ليسافر إلى حائل فقد تلقى رسالة من زوجة ولده تخبره
فيها ان حالته الصحية قد تدهورت ولابد من حضوره .
وخلا البيت إلا مني ومنك .... أصبحت أعد لك الطعام كل يوم , وأجلس أمامك على
الأرض لنأكل سويا . كنت أساعدك في سيرك .. وفي حمامك , وأساعدك في ارتداء
ملابسك .
كنت سعيدة يا أبي . لم أكن أطلب أكثر من ذلك , يكفي أنك كنت تتكيء على كتفي في
سيرك , وكنت تناديني كثيرا عندما تحتاج الى شيء , يكفيني أنني أصبحت قريبة منك
, يكفيني أنني أصبحت ولو خادمة في حياتك . وتمنيت ألا يعود محسون مرة أخرى .
وبينما كنت يوما في ركن الغرفة اقرأ كتابا , لاحظت أنك تطيل النظر إلي , ولكني
لم أعط الأمر أي أهمية , وظننت أنك ربما ستطلب شيئا ما .. وسمعتك بعد قليل
تناديني :
- إسلام ... ماذا تفعلين يا ابنتي ...
- أراجع دروسي يا أبي
- ولماذا تجلسين بعيدا هكذا ... اقتربي هنا ... ألا تحبين الجلوس بجانب أبيكِ ؟
ولم أصدق نفسي ...وقمت على الفور , وجلست أمامك , وقلبي يخفق بعنف وقد جف حلقي
, وأحسست ببرودة في أوصالي , ولكني حاولت أن أخفي انفعالي .
وأخذت تتأملني قليلا ....
- لقد أصبحتِ شابة يا إسلام ... لقد أصبحت لي ابنة شابة .
وضممتني في رقة بالغة وقبلتني في وجنتي .
وذهلت ...
وأخذت أنظر إليك غير مصدقة , وأنفاسي تتلاحق
وعدت وضممتني إليك مرة أخرى , وأخذت تمسح على شعري وتربت على كتفي .
ولم احتمل أكثر من ذلك ... فانهمرت دموعي ... وأخذت أبكي كطفلة صغيرة
- لا تبكي يا ابنتي ... إنني بخير , لا داعي لكل هذا البكاء ... لم أكن أعرف
أنكِ تحبينني لهذه الدرجة ... كم أنتِ رقيقة يا ابنتي !
ولم تفهم يا أبي ... لم تفهم إلى اليوم , لماذا ظللت أبكي لساعات طويلة , وكلما
ازددت رقة , انهمرت دموعي وازداد بكائي , حتى لم أعد استطيع التحكم في نفسي ...
ومن يومها أصبح لي أب حقيقي ... يحبني , ويشتاق لرؤيتي ويسأل عني ويأنس لوجودي
, ويضمني أحيانا الى صدره .
لم أعد افترق عنك , أصبحت لا آكل إلا معك , ولا أجلس إلا معك , ولا أفارق غرفتك
إلا للضرورة , أو في المساء عندما أذهب الى فراشي .
كنت أخاف ان ابتعد عنك قليلا , فتنساني مرة أخرى .
وكثيرا ما سألت نفسي عن سبب هذا التغيير الذي حدث لك , كيف تغيرت بهذا الشكل يا
أبي , ولماذا أخفيت محبتك طوال هذه السنين , وكيف ظهرت الآن ... كيف ؟؟؟ ولكني
لم استطع ان اجد الجواب ابدا
حتى كان ذلك اليوم ....
كنت قد لاحظت شرودك من أول النهار , كان واضحا ان هناك شيئا ما في الأمر...
شيئا يزعجك ويقلق راحتك لدرجة جعلتك مكتئبا ساهما .
وفي النهاية سألتني ...
- إسلام ... كم عمرك الآن يا ابنتي ... خمسة عشر ... ؟
- تقريبا يا أبي ... ولم السؤال ؟
فصمت قليلا ثم قلت مترددا :
- لقد حضر اليوم لزيارتنا هشام ابن عمك الأسعد , وقد تقدم ليطلب يدكِ مني .
وأحسست أن قلبي توقف ... ستزوجني يا أبي ... ستزوجني وتبعدك عني مرة أخرى ...
هكذا سريعا ... ؟ ... ولكنك أكملت :
- وقد قلت له إنك ما زلت صغيرة , وأن عليه أن ينتظر سنوات أخرى , ولكني وجدت
أنه من الأفضل أن أسألكِ لأعرف رأيكِ .
وأحسست بسعادة غامرة ....
- آه يا أبي ... لقد أفزعتني , ليس لدي غير رد واحد , وهو أنني لست على استعداد
أبدا لأبتعد عنك , لا أريد أن أتزوج يا أبي , لا أريد أبدا ...
وشعرت أنك تتنهد في ارتياح ....
- يا بنيتي الحبيبة ... وأنا أيضا لست على استعداد لأن تبتعدي عني . صدقيني ,
لقد ملأتِ حياتي , وشعرت بالخوف عندما أحسست أنكِ ستبتعدين عني , لقد أصبح
أبوكِ عجوزا مريضا لا يستطيع الإستغناء عنكِ يا إسلام .
ودوت الكلمة في أذني ....
عجوزا مريضا ... عجوزا مريضا لا يستطيع الإستغناء عني ... هكذا إذاً يا أبي ...
الآن عرفت السبب في التغير الذي حدث لك .
وأصابتني الفكرة بانقباض في صدري , وحاولت التهرب منها ... ولكن ما الفائدة ...
إنها الحقيقة .
نعم إنها الحقيقة يا أبي ...
لقد أحببتني عندما أصبحت في حاجة إلى حبي , وتقربت مني عندما أصبحت في حاجة إلى
قربي منك , وأعطيتني لتأخذ مني بقدر ما أعطيت .
لست أدري لماذا أفكر الآن في كل هذا , صدقني ليس هناك شيء كان يمكن ان يؤثر في
حبي لك , وتعلقي بك , فحاجتي إليك كانت أكبر من حاجتك إلي . ولكنك لم تكن تدري
...
وتنهدت الفتاة وقامت من مكانها .
- أبي ... سوف أصعد إلى غرفتي , هل أنت في حاجة إلى شيء أحضره لك ؟
- شكرا لكِ ... ولكن ألم يزل الوقت مبكرا , هل أنتِ متعبة ؟
- قليلا ... وأشعر برغبة في النوم , كما أني قد وعدت بعض صديقاتي أن نذهب كل
يوم الى المدرسة في وقت مبكر , ونستذكر سويا هناك , فهذا أفضل لنا .
- كما تشائين .... تصبحين على خير يا ابنتي .
- تصبح على خير يا أبي
وانطلقت إلى غرفتها .
لم تكن الساعة قد بلغت السادسة صباحا ,وإسلام منطلقة في طريقها إلى المدرسة .
أخذت تسرع في سيرها من شدة لهفتها, كانت تشعر بسعادة غريبة , سعادة غامرة وشوق
لم تعرفه من قبل . أحست أن قلبها يرقص في صدرها ويكاد يخرج من بين ضلوعها
,ويسبقها الى هناك , الى الحبيبة الغالية , فيحتضنها ويقبلها ويحتويها .
آه يا أمي ... لقد حملتني بداخلك تسعة أشهر , وليتني أستطيع أن أحملكِ داخل
قلبي إلى الأبد .
وعرجت إسلام إلى طريق جانبية على يمين الشارع الرئيسي, كانت المدرسة تقع في
نهايته , وما ان اقتربت قليلا حتى لمحتها . وشهقت الفتاة من شدة الفرح .... ولم
تتمالك نفسها وأخذت تجري , وتجري , وتجري , حتى وصلت إليها , فأزاحت خمارها عن
وجهها , وألقت بنفسها بين يديها , فاحتضنتها المرأة بقوة , وأخذت تقبلها في
لهفة وشوق , وقد امتلأت عيناها بالدموع .
ومضت فترة من الوقت قبل أن تتكلم الفتاة .
- كيف حالك يا أمي ... لقد اشتقت إليكِ كثيرا , ليتكِ ذهبتِ معي البارحة , لقد
ظللت أحلم بكِ طوال الليل .
ولم ترد المرأة , وظلت تنظر الى الفتاة في هيام شديد .
- لقد نسيت أن أسألكِ بالأمس أين ستبيتين ليلتكِ . أخبريني يا أمي بالله عليكِ
, أين قضيتِ ليلتكِ البارحة ؟؟
- في الهرم .
- هرم ...أي هرم هذا يا أمي ؟؟!
- هرم ... هرم شريف .
وضحكت الفتاة من أعماقها ....
- تقصدين الحرم الشريف , آه يا أمي كم أحب أن أسمع طريقتكِ هذه في الحديث .
ونظرت المرأة إلى الأرض وقد احمر وجهها خجلا .
وعادت إسلام تسأل في صوت حزين ...!
- ولكن كيف ... كيف يا أمي تبيتين في الحرم , ولكِ بيت متسع من حقكِ ان تعيشي
فيه ؟؟
- إن بيت الله أفضل من أي بيت آخر
- أعرف هذا يا أمي ولكن ....
- لا تقولي شيئا يا ابنتي ... إن الطمأنينة التي شعرت بها البارحة لم أشعر بها
طوال حياتي , وعندما جلست أنظر إلى بيت الله , أحسست بسكينة غريبة وهدوء يملأ
قلبي . ونسيت كل ما حولي , نسيت كل شيء , وكل ما حدث , ولم أعد أفكر في شيء حتى
أنتِ يا ابنتي ... لا تتعجبي .... لقد قضيت خمسة عشر عاما لا أفكر إلا فيكِ,
ولا أعيش إلا من أجلك , وصورتكِ لا تفارق خيالي , كنت أفكر فيكِ وأنا أسير ,
وأنا أتكلم , وأنا آكل , وأنا أتنفس , حتى في نومي , كنت أفكر فيكِ وأنا نائمة
... وعندما فارقتني بالأمس , أحسست أن روحي قد فارقت جسدي , وأن قلبي يحترق
لهفة عليكِ .
- وسرت في طريقي الى الحرم الشريف , وسارت معي هواجسي وأفكاري , كنت أفكر فيكِ
وفي نفسي وفي مصيري , أفكر في أبيكِ وفي أبي وأمي وفي جدتي العجوز , وفي الأيام
التي مرت , وفي الأيام القادمة , أفكر في كل هذا مرة واحدة , حتى كاد رأسي أن
ينفجر ... وفجأة أحسست بسلام غريب في داخلي , سلام لم أعرفه من قبل , وتطلعت من
حولي فإذا أنا أمام بيت الله
وصمتت المرأة قليلا . وجففت دموعها .
- آه يا إسلام , ماذا أقول لكِ . لقد جلست أمام البيت وعيناي معلقتان بأستاره ,
وقلبي خاشع حتى أني لم أكن أدري بما حولي , لم أكن أشعر بشيء , أو أفكر في أي
شيء ... سلام غريب , سكينة لم أعهدها , وطمأنينة لم أعرفها في حياتي .... ونسيت
كل شيء يا ابنتي , لم أعد أفكر إلا في الخالق العظيم ... خالقي وخالقكِ ... رب
البيت .. رب الكعبة ... رب الحبيب عليه الصلاة والسلام .
وبكت المرأة في خشوع وبكت إسلام .
- آه يا ابنتي , لم أنم في حياتي نوما هادئا كما نمت بالأمس , ورزقني الله
بالطعام ورزقني بالشراب , وصليت كما لم أصلِ طيلة عمري .
وارتمت الفتاة في أحضانها ....
- كم أنتِ رائعة يا أمي ... كم أحبكِ !.
وأخذت المرأة تمسح على شعرها بحنان ... ثم سألتها :
- إسلام ... هل لاحظ أبوكِ شيئا , هل أخبرته بشيء ؟
- بالطبع لا يا أمي ... لقد وعدتكِ , ولكن أخبريني قبل أن أنسى , هل كانت أمكِ
هندية ؟
وابتسمت المرأة في خجل وقالت :
- وكيف عرفتِ هذا , لابد وأنكِ قد لاحظتِ لون بشرتي السمراء . نعم لقد كانت أمي
هندية , كانت جميلة جدا وكان لها عينان ساحرتان مثل عينيكِ يا إسلام ... لقد
توفيت وأنا طفلة صغيرة , ولكني لا زلت أذكرها إلى الآن .
وشردت الفتاة قليلا .. فقد تذكرت حديث أبيها البارحة .
- حدثيني عنها يا أمي , وعن أبيكِ , حدثيني عن نفسكِ كيف قابلتِ أبي , وماذا
فعلتِ خلال السنين الماضية ..؟
- أخبريني أنتِ أولا ... أريد أن أعرف كل شيء عنكِ .
- صدقيني يا أمي , ليس عندي أكثر مما قلته لكِ أمس , لقد مضت أيامي متشابهة في
طفولتي وصباي , عشت في وحدة قاسية , في بيت متسع , لم يكن ينقصني أي شيء سوى
الحب والحنان ... حاولت كثيرا أن أقترب من أبي , حاولت كثيرا أن أجد لديه ما
افتقده دون فائدة ... ولكنه تغير كثيرا في السنوات الأخيرة ... تغير كثيرا
خصوصا بعد أن أصابه الشلل .
وصرخت المرأة في فزع ... وضربت صدرها بكفيها .
- اعذريني يا أمي ... لم أقصد , لقد نسيت أنكِ لا تعرفين .
وظلت المرأة تحملق فيها وقد أخذتها المفاجأة , ثم قالت بصوت مرتعش وهي تحاول أن
تحبس دموعها :
- كيف ,,, ومتى حدث هذا .. ؟
- منذ حوالي أربع سنوات , لقد أصاب الشلل ساقه اليسرى ولكنه لا يزال يستطيع
السير باستعمال عكاز أو بشيء من المساعدة . لا تنزعجي يا أمي إنه بخير , أقسم
بالله أنه بخير ...
وظلت المرأة صامتة مأخوذة ... ولم تعرف إسلام ماذا تقول لها , فصمتت هي الأخرى
.
- إسلام ... كيف حالك . كيف حالكِ يا أم إسلام ؟؟
والتفتت الفتاة خلفها ... كانت نوال ... مديرة المدرسة .
- اصحبي أمكِ إلى الداخل يا إسلام , ليس عندي أي مانع أن تجلسا كل يوم في غرفتي
. إنها متسعة كما ترين .. أما جلوسكما هكذا في الشارع أمام باب المدرسة , أرى
أنه لا يليق أبدا .
وقبل أن ترد الفتاة ... كانت قد استدارت في طريقها إلى داخل المدرسة .
فأخذت تتأملها قليلا ثم قالت :
- شيء عجيب ....!
- ماهو يا ابنتي .... ؟
- إنني أعجب لأمرها يا أمي , أعجب كثيرا لأمر أبلة نوال المديرة . إن جميع
الطالبات , وجميع المدرسات , بل وجميع الناس يعرفون أنها قاسية القلب , عديمة
الإحساس , لا تعرف الرحمة .. ولكن انظري الى تصرفها معنا أمس , وانظري الى
تصرفها الآن , ماذا يمكن ان تقولي عنها ؟ إنني أعجب لها يا أمي ... أعجب لها !
- لا يا ابنتي ... لا تعجبي لها , إن الحياة قد علمتني الكثير , إنني أفهمها
جيدا , إن قسوتها هذه ما هي إلا ستار تحاول أن تخفي به قلبا كبيرا في داخلها ,
يحمل كثيرا من المشاعر الرقيقة , هيا يا ابنتي إلى الداخل ...فيبدو أن رأيها هو
الصواب .
وهكذا اعتادت إسلام أن تحضر في كل يوم إلى المدرسة باكرا , فتجلس مع أمها في
غرفة المديرة تتحدثان , وتتهامسان , وتتضاحكان . وعندما تبدأ الدراسة تتركها
إلى كتبها لتعود إليها مرة أخرى أثناء الفسحة أو بين الحصص .
وتغيرت أحوال الفتاة , فقد أصبحت أكثر إنطلاقا , كثيرة الضحك , يغلب عليها
المرح .
لقد قتل الحرمان فيها إشراقة الصبا ... ولكن حنان أمها الدافق أعاد إليها
الحياة مرة أخرى .
وفي يوم سألت الفتاة أمها ...
- أمي إنكِ إلى الآن لم تحدثيني عن حياتك , أريد أن أسمع كل شيء عنكِ ألا تحبين
أن تعرف ابنتكِ عنكِ كل شيء؟
- على العكس تماما يا ابنتي . إنني أجد لذة كبيرة في التحدث إليكِ عن نفسي وعن
ذكرياتي . ولكني لا أجده بالحديث السار . إن حياتي مليئة بالأحزان والآلام .
ولا أحب أن أراكِ حزينة أو متألمة يا إسلام .
- لا تخافي يا أمي ... لست بطفلة صغيرة . صدقيني ... سوف أشعر بسعادة أكبر كلما
اقتربت منكِ أكثر , وعرفت عنكِ أكثر . هيا يا أمي .. هيا ..
- كما تشائين يا ابنتي ... فليكن كما تريدين .
عندما خلق الله الأرض يا ابنتي , خلق الناس , وخلق معهم أقدارهم .
كتب لكل انسان قبل أن يولد .. نصيبه من السعادة .. ونصيبه من الشقاء .. إنها
الأقدار ... ولا مهرب منها .
ليس هناك إنسان في هذا العالم , مهما فعل , ومهما حاول , ومهما بلغ من سلطان ,
يستطيع أن يغير قدره .
لهذا ... ليس علينا إلا الإمتثال , الإمتثال لحكم الله , ولأمر الله , ولمشيئة
الله .
علينا أن نؤمن بأقدارنا ... خيرها وشرها , ونتعلم أن نصبر عليها ... نعم ...
يجب علينا في هذه الحياة أن نتعلم الصبر ... ونطلب من الله دائما أن يلهمنا
إياه .
الصبر يا ابنتي ... الصبر ... إنه الدواء الوحيد لكل داء ليس له دواء .
أخبرتكِ أنني جئت من جزيرة جاوة , لقد ولدت فيها وعشت فيها طفولتي وشبابي , ولم
أخرج منها إلا هذه المرة .
إن جاوة يا ابنتي قطعة من جنة الله على الأرض .
إن الطبيعة هناك أروع مما توصف .
كثيرا ما كنت أجلس فوق ربوة عالية , أتأمل في صنع الله , أتأمل في هذا السحر
وهذا الإبداع , فلا أمل من جلستي أبدا ... جوها ربيع دائم , فلا صيف ولا شتاء ,
خصوصا في الجبال والمرتفعات , هذا بفضل الأمطار اليومية طوال العام , فلا يكاد
يوم يخلو من هتان يرطب الجو ويحيي الأرض .
وفي قرية صغيرة تقع على ساحل البحر , لا تبعد كثيرا عن المدينة الرئيسية , ولدت
في أسرة تتكون من رجل وزوجته وأمه العجوز , في بيت خشبي متسع , بني من خشب
البامبو مثل باقي بيوت القرية , ويتكون من طابق واحد , وله حديقة صغيرة وسقف
منحدر ويقع فوق ربوة خضراء .
كان بيتنا من أكبر وأجمل بيوت القرية , فقد كان أبي في الماضي رجلا غنيا , من
كبار تجار المدينة , وكان يملك سفينتين صغيرتين ورثهما عن أبيه , يستخدمهما في
نقل البضائع بين الجزر المختلفة القريبة منها والبعيدة .
وكثيرا ما كان يغيب عن القرية أياما عديدة تصل إلى عدة أسابيع , ويترك تصريف
شؤونه في يد صديق له يدعى " ألنتو " كان قد تعرف عليه في جزيرة سومطرة , وعرض
عليه أن يعمل في خدمته , ويساعده في تجارته , ولم يلبث أن أصبح مع الأيام ساعده
الأيمن .
وفي أثناء إحدى رحلاته إلى جنوب الهند تعرف على فتاة هندية رائعة الجمال . هام
بها حبا . ولكن أباها لم يرض أن يزوجها له حتى أعطاه أبي إحدى سفنه كمهر لها .
أحب أبي زوجته كما قلت حبا جنونيا , ولم يعد يستطع الإبتعاد عنها , فكره البحر
, وكره التجارة .
ولم يلبث أن باع السفينة الأخرى واشترى أرضا ملاصقة لبيتنا بنى فوقها مقهى
كبيرا , وكّل إدارته لصديقه " ألنتو "
كان سعيدا بزوجته , متيما في حبها إلى أقصى الحدود , ولم يكن يذهب إلى المقهى
إلا لفترات قصيرة , ثم يعود سريعا إلى البيت , فيجلس أمامها يناجيها ويتحدث
إليها ولا يدع وسيلة إلا لجأ إليها ليسعدها ويحوز رضاها حتى أسماه الناس " عاشق
برفين " .
لم يكن أبي بالرجل الوسيم على الإطلاق , كان قصير القامة يميل إلى البدانة ,
وكانت له رأس كبيرة وأنف أفطس وعينان صغيرتان , ولكن كان له قلب كبير
حقيقة أنه كان قبل أن يتزوج أمي عصبي المزاج , شرس الطباع إلى حد ما , ولكنه
تحول بعد ذلك إلى حمل وديع , لهذا أحبته أمي وأخلصت له ولبيته .
وفي وسط هذا الجو المفعم بالمحبة ... قضيت سنوات عمري الأولى .
وما أن بلغت ا لخامسة من عمري حتى أرسلني أبي إلى المدرسة في المدينة , لتعلم
القرآن الكريم وأصول الدين , كنت أذهب إليها في عربة صغيرة , يملكها أبي ,
يجرها حصان أبيض .
وأحبتني أمي وأحبني أبي كل الحب ... كان رقيق في معاملتي , وكثيرا ما كان
يحملني بين يديه ويقول :
- تيما ... إنكِ طفلة ذكية , وأنا أحبكِ كثيرا , وسوف تصبحين يوما عالمة كبيرة
, وعندها سوف أبني لكِ مدرسة خاصة تحمل إسمكِ فيأتي الناس من جميع القرى
المجاورة ليتعلموا أصول الدين على يديكِ.
وقاطعتها إسلام : - هل إسمكِ تيما يا أمي ؟ ... يا له من اسم جميل ! وابتسمت
المرأة وقالت : إن اسمي فاطمة الزهراء وهو إسم إسلامي كان أبي يفتخر به كثيرا .
ولكن الجميع اعتادوا أن ينادوني تيما . لا أدري ربما كنوع من التدليل منذ ان
كنت طفلة صغيرة , أو هو اختصار للإسم الأصلي وتسهيلا للنطق .
قلت لكِ أن أمي كانت على درجة كبيرة من الجمال , ولكنها لم تحاول أبدا أن تثير
غيرة أبي , أو تلفت إليها الأنظار . كانت لا تخرج إلا وهي مرتدية ثيابا فضفاضة
, وتحرص أن تغطي شعرها ورأسها وكتفيها , وربما جزء من وجهها بوشاح كبير , ولا
تضع إلا القليل من المساحيق .
ولكن في البيت ... كان الوضع مختلفا تماما .
كانت تضع المساحيق على وجهها فتظهر جمال عينيها , وتترك شعرها الغزير متموجا
حول وجهها , وفوق كتفيها , وترتدي ثيابا هندية ضيقة تكشف عن ذراعيها وجزء من
جسدها , كانت تبدو فيها فاتنة .
فإذا حضر أبي استقبلته هاشة , مبتسمة , مرحبة مما زاد من حبه لها وتعلقه بها .
وغرّنا صفاء الدهر ... وخدعتنا ابتسامة الدنيا .. فنسينا أن السعادة لا تدوم !
لا زلت أذكر ذلك اليوم الكئيب إلى ا لآن .
خرج أبي يومها لقضاء بعض الأعمال , ويبدو أنه نسي أن يغلق خلفه الباب الخارجي
للبيت جيدا.
كانت أمي في غرفتها تجلس أمام مرآة صغيرة , تتزين وتضع المساحيق على وجهها ,
وجدتي العجوز كالعادة تقبع في غرفتها ساكنة , وكأنها لا تدري عن شيء مما يدور
حولها .
ووقفت بجانب أمي أحاول أن أفعل مثلها , وأخذت أعبث بالزجاجات الصغيرة والعلي
الملونة , ولم تلبث أمي أن نهرتني :
- تيما ... إذهبي والعبي بعيدا من هنا , لن تمر لحظات إلا ويكون أبوكِ قد حضر ,
وسوف أشكو له منكِ , وأخبره بما تفعلين .
وذهبت مرغمة , وجلست في ركن بمدخل البيت كنت أضع فيه لعبا كثيرة اشتراها لي أبي
من المدينة , وعرائس من قماش صنعتها لي أمي , ونسيت نفسي أمامها .
وبينما أنا منهمكة في اللعب , وقع بصري على باب المدخل وصرخت من شدة الفزع ...
كان الباب مفتوحا على مصراعيه , وقد وقف " ألنتو " بجسده الضخم يحملق في داخل
البيت تجاه غرفة أمي , وقد جحظت عيناه , وفغر فمه , وسال لعابه و وبدا مرعبا
إلى أقصى درجة .
وأسرعت أمي لترى ما حدث , وما أن رأت الرجل حتى التقطت ملاءة صغيرة أخفت بها
رأسها وكتفيها و ثم صاحت فيه :
- ألنتو ... يا لك من كلب قذر , لماذا أتيت إلى هنا , ألا تعلم أن سيدك بالخارج
؟ هيا اذهب , يا لك من نذل وقح .
ولكن الرجل لم يرد , واستمر يحملق فيها , ثم تقدم خطوات إلى داخل البيت , وأخذت
أصرخ في فزع شديد , وجدتي تصيح من الداخل :
- ماذا هناك ..؟ أخبروني ماذا حدث ؟ ... أخبروني ؟ ...
- ألنتو ... لآخر مرة أقول لك أخرج من هنا , إن سيدك لن يسكت على هذا أبدا .
ولكن الرجل استمر في التقدم نحوها بخطوات بطيئة .
وفجأة ... حملت أمي إناء زجاجيا ثقيلا من جانبها , وقذفته في وجهه بكل قوتها .
وأفاق إلى نفسه , وصرخ من شدة الألم , وأخذ الدم يتدفق بغزارة من رأسه وجبهته
وأخذ يسيل منه على ثوبه وعلى الأرض , ولم تمض ثوان إلا وكان وجهه قد امتلأ
بالدم ... فاندفع إلى الخارج يجري كالمجنون .
وأغلقت أمي الباب من خلفه وهي لا تصدق نفسها .
وأسرعت إلى غرفة جدتي , وارتمت في حجرها , وأخذت تبكي وتروي لها ما حدث .
وكانت جدتي تنصت إليها في اهتمام شديد , وتربت على كتفها بحنان بالغ , ولم
تتكلم إلا بعد أن هدأت أمي تماما وكفت عن البكاء .
وقالت جدتي :
- برفين ... لابد وأن تخبري سراج الدين عندما يحضر بكل شيء . لابد أن تروي له
بالتفصيل , يجب أن يعرف كل شيء عن هذا الخنزي الجبان .
ولكن أمي لم توافقها على هذا الرأي وقالت :
- لا ... لا أستطيع , لن أخبره بأي شيء , سوف يغضب ويتألم كثيرا , إن ألنتو
صديقه , وهو يعتمد عليه في إدارة شؤونه , وسيكون من الصعب عليه الإستغناء عنه .
ثم إن ألنتو أخذ جزاءه ولن يعاود الكرّة .
وبالفعل لم تخبره أمي بما حدث ... وليتها أخبرته . لو أنها سمعت كلام جدتي
وقتها , لو أنها أخبرت أبي بكل شيء , لجنبتنا الكثير من المصائب التي لاحقتنا
بعد ذلك .
ظلت أمي بعد هذا الحادث , ولفترة طويلة , لا تخرج من البيت إلا للضرورة القصوى
, وعندما يخرج أبي , كانت لا تطمئن إلا عندما تتأكد بنفسها أن باب البيت وجميع
النوافذ مغلقة بإحكام .
ومرت الأيام ... ومرت الشهور وظنت أمي أن الرجل قد تاب عن فعلته .
ولكن جدتي كانت تلح عليها دائما أن تخبر أبي بما حدث , وسمعتها مرة تقول لأبي :
- لابد وأن يعرف سراج الدين بكل شيء حتى يأخذ حذره منه , إن ألنتو خائن . وقد
يحاول أن يغدر به مرة أخرى , أو أن يخدعه أو يدبر له مكيدة , وسوف يكون ذلك
سهلا بالنسبة له , أعرف أنه سيفعل , أعرف ذلك , إن قلبي يحدثني , سيأتي يوم
تعرفين أني على حق .
ولكن أمي لم تقتنع وظلت على رأيها .
بعد حوالي ثلاثة أشهر , تعرض أبي لحادث مؤلم كاد أن يودي بحياته .
كان قد خرج في الصباح الباكر قاصدا المدينة ليقضي فيها بعض أموره , وفي منتصف
الطريق لاحظ أن الحصان قد بدأ يسرع بطريقة غير طبيعية أثارت انتباهه, فحاول
تهدئته فلم يستطع , وزاد الحصان من سرعته , ثم بدا هائجا وخرج عن الطريق , وأخذ
يجري بطريقة ملتوية , أفقدت أبي السيطرة على العربة تماما , ولم تلبث ان انزلقت
إلى جانب الجبل في هوة عميقة , ولكن أبي قفز منها في اللحظة الأخيرة , فارتطم
بصخرة ناتئة , وأصيب بكسر في أسفل الظهر .
ونقل أبي إلى المستشفى في حالة سيئة , ووضعه الأطباء في جبيرة لم أر في حياتي
أكبر منها .وامتلأ البيت بالحزن والبكاء , وامتلأ كذلك بالمحققين ورجال الشرطة
. وسمعتهم يقولون أن الحصان قد حقن بمادة الستركتين السامة وأن الذي فعل هذا
كان يقصد التخلص من أبي .
وأدركت أمي , وأدركت جدتي , وأدركت أنا أن ألنتو هو الفاعل .
ومع هذا لم تتكلم أمي وظلت على صمتها . وحاولت جدتي أن تقنعها بكل الطرق , دون
فائدة .
وفي يوم , حضر بعض رجال الشرطة للمرة العاشرة إلى المنزل لأخذ أقوال أمي ,
وفجأة سمعت صوت جدتي من الداخل تصيح :
- أيها الشرطي ... أيها الرجل البدين , تعال الى هنا , لدي ما أقوله لك , أيها
الشرطي ... ألا تسمعني , هل أنت أصم , تعال إلى هنا أيها الأبله ...
كان لجدتي صوت جهوري , عال ومزعج الى حد بعيد , وكنت أعجب كيف يخرج هذا الصوت
من هذه المخلوقة الضعيفة .
وقام الشرطي إليها وهو يحاول أن يكتم الضحك , وقال لها في شيء من الجد المصطنع
:
-كيف تتحدثين إلى رجال الحكومة هكذا يا امرأة ...؟ ولكن جدتي لم تخف منه ونظرت
إليه في تحد , وقالت له :
- وكيف لا تلبي نداء امرأة عجوز في سن أمك سريعا , وتتركها تناديك ألف مرة قبل
ان تجيب ... ؟ والآن كف عن الثرثرة واجلس هنا فسوف أخبرك عن الرجل الذي حقن
الحصان بالسم وحاول قتل ولدي . إنه ألنتو , هذا الخنزير الذي يدير المقهى . لقد
رأيته قبل الحادث بيوم واحد وهو يحاول ان يسرق النقود من خزانة ولدي , ولم يكن
هناك غيري بالبيت , وعندما هددته بإخبار سراج الدين قال لي أنه سيقتله ويقتلني
سويا . ولكني امرأة مسلمة ولا أخاف من أحد إلا الله وحده , ولهذا أخبرتك حتى
ينال جزاءه ذلك الخائن .
وقبض على ألنتو , ووضع في السجن .. وأغلق المقهى .
ولكن عندما علم أبي ما حدث , غضب وثار ثورة عارمة , وقال للمحققين أن جدتي
امرأة عجوز لا تعي لما تقول , وأن ألنتو صديق مخلص , ولا يمكن أن يكون هو
الفاعل , وأنه لو أراد السرقة لكان بإمكانه أن يسرق من خزنة المقهى , فليس هناك
إذا ما يدعوه لدخول البيت .
وأخلي سبيل ألنتو مرة أخرى وعاد إلى المقهى .
وبعد حوالي أسبوعين نقل أبي إلى البيت , وأمره الطبيب أن يبقى في الجبيرة أربعة
أشهر كاملة .
كان أبي لا ينام الليل من شدة الألم , ولا يكف عن الأنين والشكوى , وأمي جالسة
إلى جوار فراشه تحاول أن تخفف آلامه وأن تسري عنه دون فائدة .
وحتى بعد أن نزع الطبيب الجبيرة , أصبح في استطاعته السير والجلوس مرة أخرى ,
ولكن الآلام المبرحة لم تفارقه .
وفي أثناء هذه الفترة , كان يحضر إلى البيت بين حين وآخر أصدقاء أبي للسؤال عنه
, والإطمئنان على صحته , ومن ضمنهم هذا الجبان ألنتو .
كان يدخل البيت منكسا رأسه , لا يلتفت يمينا ولا يسارا , ويجلس أمام أبي في ذل
ومسكنة , ويتصنع الشفقة والحزن عليه .
ومع الأيام أصبح يأتي إلى البيت كثيرا , ويطيل الجلوس مع أبي .
وذات مرة لمحته يعطي لأبي شيئا ما ملفوفا في ورقة صغيرة وهو يقول له :
- كما قلت لك .. عندما تشعر بالألم ضع قطعة صغيرة تحت لسانك , وبعدها سيزول كل
شيء . لا تخف طالما أنا بجانبك . إنك ربيب نعمتي , ولن أنسى هذا أبدا .
وفي مرة أخرى أحضر له زجاجة صغيرة , وقال له انه دواء قام بتركيبه خصيصا صاحب
له يعمل صيدليا .
وأخبرت أمي بما رأيت , فلم تعطِالأمر أية أهمية . ولكني عندما أخبرت جدتي قالت
لي :
- إنه سم يسقيه له , إنها مكيدة يدبرها لأبيكِ , ولكن ماذا أقول وليس هناك من
يسمع لكلمتي في هذا البيت ؟!
وكانت جدتي على حق , ولم تعلم أمي ذلك إلا بعد فوات الأوان .
ففي البداية تحسنت صحة أبي كثيرا و وخفت آلامه , وصار مرحا , كثير الضحك بدرجة
ملفتة .
كان يستعمل الدواء بانتظام , وبالتدريج زادت الكمية التي يشربها منه , وأصبح لا
يستطيع الإستغناء عنه إطلاقا .
ولم تنتبه أمي إلى الأمر , ولم تشعر بالخطر المحدق بها إلا بعد فوات الأوان ,
وبعد أن أصبح أبي مدمنا للخمر .
ولم تكد تمضي سنة واحدة , إلا وكان أبي قد تغير تماما
أصبح يمضي أكثر وقته في المقهى ولا يعود الى البيت إلا في وقت متأخر من الليل
وهو في حالة سكر شديد , يتخبط في مشيته , وقد تنبش شعره , وتمزقت ملابسه ,
واحمرت عيناه , وأمسك بزجاجة الخمر في يده , وهو يصيح ويغني بأعلى صوته .
وحاولت أمي المستحيل معه ليفيق إلى نفسه ويرجع إلى عقله دون فائدة , بل على
العكس زاد أبي في سكره وزاد في هياجه وأصبح فظا في معاملتها .
كنت أسمعه عندما يعود إلى البيت ليلا وهو يصيح بأعلى صوته : برفين ... اين أنتِ
أيتها الهندية المتشردة , تعالي وقاسميني الشراب , إنها الخمر ... الخمر ... ثم
يأخذ في الضحك بطريقة مجنونة .
وكانت أمي تبكي وتقول له :
- إنني أفضل الموت على أن أضع يدي عليها , إن الله غاضب عليك يا سراج الدين ,
إن الله غاضب عليك .
وكان يهجم عليها أحيانا ويجذبها من شعرها , ويضع الزجاجة في فمها في محاولة أن
يرغمها على الشراب , وكانت تصرخ وتقاوم بكل قوتها وتلجأ إلى غرفة جدتي , التي
كثيرا ما كانت تصيح فيه : - سراج الدين ... هل مسّك الشيطان يا ولدي ؟ لا أدري
لماذا لا يريحنا الله منك !! ولكن لماذا أشكو وأنا المخطئة ... ؟ نعم أنا
المخطئة , لو أني كنت قد جلست فوق صدرك وكتمت أنفاسك يوم ولدتك , لوفرت على
نفسي وعلى هذه المسكينة كل هذا العذاب .
وأصبحت لا أرى أمي إلا حزينة أو باكية , كانت لا تأكل , ولا تنام , ولا تتكلم
إلا في النادر , ويوما بعد يوم كانت تزداد هزالا , وتزداد ضعفا , وتزداد شحوبا
, أصبحت لا تكاد تشعر بوجودي من شدة تعاستها , وكان الألم يعتصر قلبي عليها .
ووجدت عند جدتي ملاذي الوحيد , خصوصا بعد أن منتعتني أمي من الذهاب إلى المدرسة
خوفا من أن يغدر بي ألنتو , أو يرسل أحدا من أعوانه ليتربص بي في الطريق , كنت
أتحدث معها طوال الوقت , وأقرأ لها أحيانا في المصحف الشريف , وكانت تحكي لي
كثيرا من القصص المسلية والأحاديث الغريبة , وتعلمت منها الكثير , وعرفت عنها
الكثير , لم أكن أتصور أن جدتي حكيمة وطيبة , ومسلية وخفيفة الظل إلى هذه
الدرجة .
كانت جدتي قد أصيبت في الماضي بمرض في مفاصلها , أدى إلى تشوهات في ظهرها
وساقيها , ومع الزمن , أصبحت مقعدة لا تستطيع السير , كانت ضئيلة الحجم , خفيفة
الوزن إلى درجة كبيرة , وكانت تشبه أبي برأسه الكبير وأنفه الأفطس , ولكن
عينيها كان لهما بريق عجيب , كانت متوقدة الذهن , حاضرة البديهة , ذكية إلى حد
جعلني أحبها وأعجب بها , وآنس بوجودها .
كنت أجد الطمأنينة لديها , فقد كان أبي يخاف منها ومن لسانها , ولم يكن يجرؤ
على دخول غرفتها إلا نادرا . وأصبحت لا أفارقها أبدا , وأنام معها في فراشها
وعلى وسادتها .
وفي يوم أيقظتني أمي في الصباح الباكر , وكان أبي لا يزال يغط في نوم عميق ,
وقالت لي :
- تيما ... قومي معي , لدي مهمة سوف أقضيها ونعود سريعا قبل أن يستيقظ أبوكِ .
بدت قلقة إلى حد بعيد , ووجهها شاحب , وكانت تسعل بشدة , فذهبت معها ..
اتجهت من فورها إلى المقهى , ودخلت الغرفة التي اعتاد أن يجلس فيها ألنتو , وما
أن رآها حتى نظر إليها بوقاحة , وابتسم ابتسامة صفراء , وقال لها :
- هل أفقتِ إلى نفسكِ أخيرا أيها الهندية السمراء ؟ ونظرتُ إلى أمي ... كانت
ترتجف من شدة الغضب والشرر يتطاير من عينيها .
- أيها الخنزير الجبان , ابتعد عن سراج الدين , إنني أحذرك ... إذا لم تبتعد
عنه فسوف أخبره بأفعالك القذرة , وإذا لم يقتنع فسوف أقتلك ... هل تسمع ؟ سوف
أقتلك يا ألنتو ...
- هل جئتِ تهدديني , تهددين ألنتو ؟ إنكِ لم تعرفيني بعد .. وأطلق ضحكة شيطانية
, ثم دفع أمي تجاه الباب .
- أخرجي من هنا , أخرجي ... سوف أجعلكِ تندمين . ودفعنا من باب الغرفة إلى
المقهى , وكان الخدم قد تجمعوا في الخارج . وما أن رآهم الجبان حتى صاح فيها :
- إنني رجل شريف , إنني رجل شريف , ولا يمكن أن أخون سيدي , هيا اخرجي من هنا ,
اخرجي , إنني رجل شريف .
وعدنا إلى البيت , وأمي في حالة سيئة للغاية , كانت ترتجف وأسنانها تصطك , ثم
أخذت تبكي بجنون , وارتمت على فراشها , ووضعت فوقها غطائين من الصوف , ولكنها
استمرت ترتجف , ثم بدأت تهذي , وجلست إلى جانبها أبكي حزنا لحالها وخوفا عليها
.
وبعد قليل أفاق أبي من نومه , ورآنا على هذه الحال , فاقترب منها ووضع يده على
جبهتها , ثم قال بصوت مضطرب :
- تيما ... أسرعي بإحضار قليل من الماء البارد , إن أمكِ محمومة , وجلس إلى
جانبها لعدة ساعات يبلل قطعة من القماش في الماء ويضعها على جبهتها وكفيها .
كان قلقا عليها لدرجة أنه نسي المقهى , ونسي ألنتو , ونسي الخمر . وظلت أمي في
غيبوبة حتى المساء .
وما أن أفاقت ورأت أمي بجانبها حتى ابتسمت له في ضعف وقالت :
- سراج الدين .... كم أنا سعيدة .
وربت على خدها في حنان وقال لها :
- حمدا لله على سلامتكِ يا برفين , لقد أفزعتني أيتها الحبيبة , سأذهب الآن
لإحضار الطبيب .
- لا تذهب الآن .. انتظر حتى الصباح و إن الطقس بارد اليوم .. أخاف عليك .
فابتسم لها في رقة وقال : - لا تخافي ... سأذهب وأعود سريعا . وقام ابي من فوره
وارتدى ثيابه , وخرج مسرعا .
بدت أمي سعيدة تكاد لا تصدق نفسها , وقالت لي في صوت ضعيف متقطع : - تيما ...
هل تصدقين ... لقد عاد أبوكِ كما كان , إنه يحبني كثيرا , كم أنا سعيدة يا تيما
... لو كنت أعرف أن مرضي سيعيد إليه رشده لطلبت من الله أن يصيبني بالحمى منذ
زمن بعيد .
وبعد قليل عادت إلى النوم , وغفوت بجانبها .
عندما استيقظت من النوم , كان الليل قد انتصف , وأبي لم يعد بعد , ولم يحضر
الطبيب .
وأحسست بالقلق , وخفت أن يكون قد أصابه مكروه , أو تعرض لحادث آخر ... وفجأة ..
فتح الباب الخارجي , ودخل أبي منه .. كان ثملا إلى أقصى درجة , واندفع الى غرفة
أمي وهو يترنح , وهجم عليها وانتزعها من فراشها , وأخذ يهزها بعنف وهو يصيح :
- أيتها الخائنة , أيتها الهندية المتشردة , تدنسين شرفي بعد كل ما فعلته من
أجلك ... وصفعها على وجهها بقوة ...
- هيا اخرجي من بيتي قبل أن أقتلك .
كانت أمي تنظر إليه كالمذهولة , بدت كعصفور صغير ضعيف وقع بين يدي صياد لا يرحم
- سراج الدين ... إنك لا تفهم , إن الحقيقة غير ذلك , اسمعني دقيقة واحدة ,
استحلفك بالله أن تسمعني . وعاد وصفعها مرة أخرى .
- أغلقي فمكِ القذر , لقد حدثني ألنتو بكل شيء عنكِ . وشهد الخدم صدق كلامه .
إنكِ خائنة ... هيا اخرجي من بيتي قبل أن أقتلكِ .
وأخذ يدفعها إلى باب البيت وهي تصيح ... وانكفأت تقبل قدمه . فركلها وجذبها من
شعرها على الأرض , وفتح الباب والقى بها بقوة في الطريق , وأغلقه مرة أخرى .
وأخذت أبكي وأصيح من شدة الفزع , وحاولت أن أخبره بما حدث , ولكنه دفعني من
أمامه بقوة .
وكانت جدتي تصيح من الداخل :
- سراج الدين ... يا ربيب الشيطان ... لقد خدعك ألنتو الجبان , ستندم على
رعونتك , ليتني قتلتك من زمن بعيد ورحمت هذه المسكينة .
ولكن ابي كان قد جن تماما ... لم يكن يسمع شيئا , ودخل غرفته وهو يصيح ويتوعد ,
وأسرعت الى الباب وفتحته , وجذبت أمي إلى الداخل ... وقبل أن يفيق أبي , كنا قد
اندفعنا إلى غرفة جدتي وأغلقنا الباب جيدا من الداخل .
كانت أمي مبتلة تماما , فقد أغرقتها الأمطار الغزيرة في الخارج , وأخذت تسعل
بشدة وترتجف , وأسنانها تصطك وارتمت على فراش جدتي , تبكي وتهذي . وعاودتها
الحمى أشد من ذي قبل , ولم تلبث أن غابت عن الوعي .
وقضينا الليل بطوله بجانب فراشها , وفي الصباح قالت لي جدتي :
- تيما ... اذهبي سريعا إلى جارنا سوهارتو , واخبريه بما حدث , واطلبي منه ان
يحضر طبيبا لأمكِ ... ستموت المسكينة إذا بقيت على هذه الحال .
وانطلقت من فوري ... وللحق .. كان الرجل شهما , بمجرد أن سمع بما حدث أرسل
زوجته معي إلى البيت لتبقى بجانب أمي , وذهب هو لإحضار الطبيب .
ولم تكد تمضي ساعة واحدة , إلا وكان قد عاد ومعه الطبيب وأدخله في لحظتها ليفحص
أمي ,
وما كاد أن ينتهي من فحصها حتى كان أبي قد استيقظ من النوم , وخرج من غرفته
يستطلع الأمر , وما أن رأى الطبيب حتى اندفع إليه وصاح فيه :
- أخبرني بما يحدث في هذا البيت , أم سأظل هكذا دائما آخر من يعلم ؟؟
ولكن الطبيب نظر إليه في هدوء شديد , ثم خلع نظارته وقال له في صوت خافت :
- إن زوجتك مريضة للغاية , إنها مصابة بإلتهاب رئوي حاد , وحالتها غير مطمئنة
بالمرة , انني لا استطيع حتى نقلها إلى المستشفى , على كل حال يجب العناية بها
, وإعطاؤها الدواء بانتظام و وسأحاول أن أعود في المساء لرؤيتها .
وقف أبي على باب الغرفة صامتا ينظر إلى أمي ... بدا ممزقا وحزينا ..
وما أن رأته جدتي حتى صاحت فيه : - مالذي أتى بك أيها المنحوس ... أما كفاك ما
فعلت ؟ لو ماتت المسكينة فستكون أنت السبب .
فقال أبي في صوت حزين , دون أن يرفع عينيه عن أمي : - لقد خانتني ... بعد كل ما
فعلت من أجلها خانتني .
- لم تخنك أيها التعس , إن الذي خانك هو ألنتو , لقد أراد أن ينتقم منها لأنها
امرأة شريفة لم تقبل ان تخون زوجها . ألم تلاحظ الجرح الذي في وجهه ؟ لقد قذفته
برفين بالإناء الزجاجي عندما أتى ليتهجم عليها هنا ... في دارك ..
وروت له جدتي كل شيء ... ورويت له كل شيء
وظل أبي على صمته . ونظرت إليه . فرأيت الدموع وقد بللت وجهه . واقترب من أمي و
وأخذ ينظر إليها , ثم انحنى عليها وقبلها وأخذ يتمتم :
- برفين ... برفين يا حبيبتي ... سامحيني ... برفين .
ساءت حالة أمي في الأيام التالية , ولم تفارقها الحمى , وظلت في غيبوبة لا تدري
بما حولها .
ولم يفارق أبي غرفتها أبدا , ظل جالسا إلى جوارها طوال الوقت , ينظر إليها
ويبكي .
وكان الطبيب يحضر لرؤيتها مرتين يوميا , ولم يخف قلقه الشديد لحالتها .
وبعد حوالي ثلاثة أيام ... خرجت زوجة سوهارتو من الغرفة وهي مضطربة وقالت لي :
- تيما ... تعالي معي إلى بيتي , سوف أصنع بعض الطعام لأمك فتحملينه إليها .
إنها في حاجة إلى طعام جيد .
وذهبت معها , ونادت على ابنتها الصغيرة روسانا وتركتنا لنلعب سويا .
لم تكن لدي أي رغبة في اللعب , وكنت أريد أن أحمل الطعام وأعود سريعا إلى أمي .
وانتظرت على مضض .. وطال انتظاري , وانتصف النهار , واقترب المساء , ولم تحضر
المرأة . وسألت روسانا : - أين أمكِ ... إنها لم تصنع الطعام حتى أحمله إلى
البيت .
فأجابتني على الفور : - إنها في بيتكم ... لقد ماتت أمكِ برفين ودفنوها تحت
التراب ولا يريدون منكِ أن تحضري الجنازة ...
ولم أدرِ بنفسي ... إلا وأنا أجري في الشارع كالمجنونة لا أشعر بشيء من حولي .
وكلمات الصغيرة تدوي من حولي . وما أن وصلت إلى البيت حتى اندفعت إلى الداخل
... كان هناك بعض الرجال ... وبعض النسوة ...
وأسرعت إلى غرفة جدتي ... لم تكن أمي هناك ..
كان الفراش خاليا .. وملابسها مكومة في أحد الأركان .
ودارت الدنيا من حولي , ولم أعد أشعر بشيء .
قالت إسلام وهي تجفف دموعها : - ياللمسكينة ... لقد تعذبت كثيرا , قاتل الله
الخمر يا أمي , إنها السبب في كل ما حدث . لآبد أن أباكِ قد تاب عنها , ولم
يقربها بعد ذلك .
قالت المرأة في حزن : بالعكس يا ابنتي . فبعد وفاة أمي انغمس أبي في الشراب
لينسى نفسه وينسى ما حدث . لقد أحب أمي . أحبها بكل جوارحه , ولم يحتمل فقدانها
, ولم يحتمل أن يكون هو السبب في موتها . في البداية حاول كثيرا أن يتخلص من
حياته , ولم نتمكن من إنقاذه إلا في اللحظات الأخيرة . كان أشبه بمجنون لا يدري
ما يفعل , في مرة أحضر سكينا حادة وحاول قطع يديه , وأخذ يصيح والدماء تنزف منه
بغزارة : أيتها القذرة ... ابتعدي عني .. لقد قتلتِ برفين .. لا أريدكِ ,
ابتعدي عني . وفي مرة أخرى , خلع ملابسه وجلس في العراء تحت المطر , وكان يبكي
وينتحب ويرفع يديه إلى السماء : - أيها المرض .. أيتها الحمى ... اين أنتِ ؟ يا
الله ... خذني إلى جانبك , خذني إليها .. برفين .. ها أنا قادم إليكِ ....
وبمرور الوقت , ومرور الزمن , أصبح أبي حطام إنسان .
وكثيرا ما كنت أتساءل بيني وبين نفسي وأتعجب , لماذا لم يطرد أبي ألنتو من
خدمته , ومن المقهى ... ومن القرية . لماذا لم يشكوه إلى الشرطة بعد كل ما عرف
عنه , ولكني لم أجد الجواب.
حتى كان يوم نادتني فيه جدتي وقالت لي :
- تيما ... لقد أصبحتِ فتاة كبيرة , ولقد تغيرت الأحوال كثيرا عما قبل , وسوف
أخبركِ بكل شيء حتى تفهمي الوضع جيدا .
وأخبرتني بكل شيء , وفهمت كل شيء , وليتها لم تخبرني , وليتني لم أفهم , وليتني
أصبت بالصمم قبل أن أسمع ما سمعت .
علمت أن ألنتو استغل إدمان أبي للشراب فاشترى منه نصف المقهى من مال زوجته ,
وجعله يمضي على إيصالات بمبالغ كبيرة , مما اضطر أبي أن يبيعه النصف الآخر من
المقهى والبيت , كسداد لجزء من الدين . وعلمت أيضا أن علينا أن نترك له المنزل
, ليسكن فيه مع زوجته , وننتقل نحن إلى غرفة صغيرة خلف الحديقة , كان أبي قد
بناها منذ عدة سنوات لتكون مأوى للحصان والعربة , وفي مقابل هذا .. في مقابل أن
يسمح لنا بالعيش في هذه الغرفة الحقيرة , كان علي أن أذهب كل يوم لأعمل لديه
كخادمة في المقهى .
وهكذا يا ابنتي .. أصبح الخادم سيدا واصبح السادة خدما أذلاء .
ومرت أيام من الشقاء , وشهور من التعاسة , وسنون من العذاب .
كنت أذهب في كل يوم منذ الصباح الباكر إلى المقهى , فأنظف الأرض والمناضد
والمقاعد , وأغسل الصحون , وأعد الشاي والطعام , وأقوم على خدمة الزبائن . وفي
بعض الأحيان كان يرسلني إلى بيته لأساعد زوجته في أعمال المنزل .. دون مقابل .
لم يكن هناك أحد من الخدم يؤدي نصف ما كنت أؤديه أنا من الأعمال , ومع هذا لم
أجد منه إلا كل إهانة وتجريح .
لم يكف ألنتو ما فعله بأبي .. ولم يكفه ما فعله بأمي .. فاستدار لينفث سمومه من
حولي .
لم يكن يتوقف عن الصياح والتهديد وتوجيه السباب طوال النهار . كان يتلذذ
بإهانتي وتعذيبي . ولم أكن أرد أو أتكلم أو أعترض , حتى أنه كان يناديني ..
تيما الصماء .
يا إلهي ... لم أكره أحدا في حياتي بقدر ما كرهت هذا الرجل ... !!! ولكني تحملت
... وصبرت .
تحملت حتى لا يرمي بأبي في السجن . فلم يكن لدينا ما نسدد به باقي الدين .
وصبرت حتى لا يلقي بجدتي إلى الطريق وهي عجوز ضعيفة لا تحتمل .
وفي آخر كل يوم , كنت أعود إلى غرفتنا الكئيبة , فأرتمي على فراشي منهوكة القوى
و وأظل أبكي حتى الصباح . وكانت جدتي تحاول كثيرا أن تخفف عني وتهوّن علي الأمر
, وكانت تقول لي : - تيما ... ليس هناك بديل للصبر , إذا لم تصبري فستموتين
ويموت أباكِ , وأموت أنا ... وإذا صبرتِ فسيكون الله معكِ , فإن الله مع
الصابرين يا ابنتي , إن هذه المحنة ماهي إلا امتحان من الله سبحانه وتعالى
ليعلم إن كنا من المؤمنين الصابرين أم لا . هيا يا ابنتي .. قومي وصلي واطلبي
من الله أن يمنحكِ القوة , فأنتِ في أشد الحاجة لها .
ودارت عجلة الزمن المتثاقلة . وبمرور الأيام ومرور السنين تحسنت معاملة ألنتو
كثيرا لي . لم يعد يصيح أو يسب أو يهدد , لم يعد يرهقني بالعمل , أو يطلب مني
ما فوق طاقتي وفوق احتمالي . وحمدت الله وظننت ان الرجل ربما فاق إلى نفسه ,
وأن ضميره قد بدأ يستيقظ .
وفي يوم .. أعطاني بعض النقود وقال لي : - خذيها لكِ يا تيما , ربما تحتاجين
إلى شراء شيء ما , ولم أصدق نفسي ... وفي المساء رويت لجدتي ما حدث , فلم تعلق
بأي كلمة , وظلت صامتة . والغريب أنها بدت منزعجة , ولم أفهم السبب في ذلك .
وفي الصباح قالت لي بصوت قلق : - تيما ... إنكِ لم تعودي طفلة صغيرة كما كنتِ ,
لقد كبرتِ وأصبحتِ شابة جميلة , ويجب أن تكوني أكثر حرصا من ذي قبل ... هل
تفهمين ما أعني ... يجب أن تكوني أكثر حرصا .
وفهمت قصدها , وفهمت لماذا أعطاني ألنتو النقود , وتذكرت تصرفاته معي في الأيام
الماضية , وأصابني الخوف .
وتمنيت لو أنها كانت مخطئة ... ولكنها كانت على حق .
كان ألنتو يلاحقني بنظراته باستمرار, ويعطيني النقود والهدايا بسبب وبغير سبب ,
ولم أكن أقبل أن آخذ أي شيء منها . أصبح يطلب مني دائما أن أقوم على خدمته
بنفسي , حتى لو لم أقم بأي عمل آخر في المقهى . وبالتدريج ... زاد في غيه ,
وأصبح يلمح لي بنواياه القذرة خفية .... ثم .. علنا .
حاولت كثيرا أن أردعه , أحيانا باللين , وأحيانا بالشدة , دون فائدة . ولم أدرِ
ماذا أفعل .
كنت أفكر طوال الليل والنهار , ماذا أفعل كي أوقف هذا الجبان عند حده . وكنت
أحاول أن أجد الوسيلة كي أحمي نفسي منه , ومن شروره , وأصبحت لا أنام الليل من
شدة قلقي واضطرابي ..
وفجأة تذكرت شيئا لم أكن قد تنبهت له .
إنها زوجة ألنتو ... نعم زوجته .
إن الرجل يخاف منها , إنها تملك نصف المقهى , وفوق هذا كله فهي امرأة غيور ,
لها شخصية قوية وليس من السهل خداعها .
وعندما كنت أذهب إليها لأساعدها في المنزل , كنت أشعر أنها الآمر الناهي في
البيت , بالرغم من أنها كانت طيبة القلب , وكانت تحسن معاملتي , وكثيرا ما
أعطتني بعض النقود والطعام والملابس .
أذكر أنها مرة نادتني بعد أن انتهيت من أداء عملي وهممت بالإنصراف , وقالت لي :
- أنظري يا تيما ... هل يعجبكِ هذا الثوب ؟ تستطيعين الإحتفاظ به إن أردتِ ,
فلم أعد في حاجة إليه .
وأخذت الثوب وأنا لا أصدق نفسي , كان ثوبا حريريا وردي اللون غاية في الرقة .
وذهبت يومها إلى البيت سريعا , ووضعته في صرة صغيرة ودسسته بجانب فراشي , وكنت
أخرجه بين حين وآخر لأتطلع إليه وأتحسسس ملمسه , ولا أجرؤ على ارتدائه من شدة
إعجابي به .
كانت كريمة معي إلى درجة كبيرة . وكانت تقول لي دائما :
- إن أباكِ له فضل كبير على زوجي , إنه صاحب المقهى , ولكنها الخمر اللعينة .
إن هذا البيت لا يزال بيتكم , وتستطيعين أن تطلبي مني أي شيء إن أردتِ .
كان زوجها يحترمها إلى أقصى درجة , لم يكن يجرؤ على أن يرفض لها طلبا , بل لم
يكن يجرؤ حتى أن يرفع صوته أمامها .
وفكرت ...
لو أني أثرت غيرتها مني , وجعلتها تشك في تصرفات زوجها , ماذا سيحدث عندئذٍ ,
لابد وأنها ستفتح عينيها جيدا لتراقب حركاته , وتضيق عليه الخناق , ولا تعطيه
الفرصة ليختلي بي , وبالتالي أصل أنا إلى غايتي , وأرتاح منه ومن شروره .
وتحينت أول فرصة لتنفيذ خطتي .
في يوم طلب مني ألنتو الذهاب لأساعد زوجته كالعادة . وبمجرد أن انتهيت من عملي
توجهت أولا الى الغرفة التي نقطنها , لم يكن أبي هناك , وكانت جدتي تغط في
النوم .
وأسرعت فاغتسلت وبدلت ملابسي بأخرى نظيفة , وضيقت الإزار على خصري , ووضعت بعضا
من المساحيق التي كانت تستعملها أمي على وجهي , وانطلقت مرة أخرى إلى منزل
زوجته .
وما أن فتحت الباب ورأتني على هذه الحال حتى صاحت :
- تيما ... ما كل هذا , إنكِ تبدين جميلة اليوم .
فابتسمت لها في دلال , وتصنعت الخجل وقلت لها :
- شكرا لكِ يا سيدتي . لقد قال لي سيدي ألنتو هذا أيضا , لقد أصبح رقيقا جدا في
معاملتي . لقد أعطاني اليوم نقودا لأشتري بها ورودا لأضعها في شعري , إنه يحبني
كثيرا ... مثل ابنته .
وأخذت اتطلع إلى نفسي وأصلح من هندامي أمام مرآة كبيرة بجانب الباب . ونظرت
إليها خفية , وعندما رأيت وجهها أيقنت أن خطتي قد نجحت .
نعم .... نجحت خطتي . نجحت في أن أزرع بذور الشك في صدر المرأة , وأشعل نار
الغيرة في قلبها . وكان لي ما أردت ...
لم تدع الفرصة لزوجها أن يحقق أغراضه أبدا . أخذت تراقبه في كل لحظة . كانت
تحضر إلى المقهى فجأة , بسبب وبغير سبب , أكثر من ثلاث أو أربع مرات في اليوم ,
وأمرتني أن أبقى في المغسل لتنظيف الأواني والصحون والأغطية , ولا أغادره أبدا
.. بحجة أن العمل في المقهى مرهق ولا يناسب سوى الرجال .
وسعدت بهذا كثيرا , وأحسست براحة كبيرة .
وكنت أكتم الضحك وأنا أرى ألنتو يحوم حول المكان ولا يجرؤ على الدخول . وحتى
عندما يدخل لأمر ما , كان يدخل متلصصا , يتلفت من حوله , خوفا من أن تحضر زوجته
فجأة فتشعل النار على رأسه .
وفي المساء , عندما أجلس أنا وجدتي لنتناول الطعام , كنت أحكي لها عنه , وعن
زوجته وعن خوفه منها , ونظل نتضاحك في سعادة , ونسخر منه حتى يحين موعد النوم .
والحقيقة أن هذه الحادثة أفادتني كثيرا , فقد أعطتني شيئا من الثقة في النفس ز
وأيقنت أني بشيء من الصبر والحيلة وحسن التصرف أستطيع أن أحل مشاكلي بمفردي ,
وأن أحمي نفسي , حتى وإن لم يكن هناك من يقف بجانبي ويساعدني . يكفيني أن الله
معي .
وثانيا ... عرفت شيئا هاما , جعلني أشعر بنشوة في أعماقي , وهو أنني لا أفتقر
إلى الجمال , وأنه بالرغم من فقري , وبالرغم من إهمالي لمظهري , فإنني أبدو
جميلة في أعين الناس .
ولهذا قررت الحصول على مرآة .
وفي اليوم التالي ذهبت لزيارة روسانا ابنة جارنا سوهارتو , وما أن رأتني حتى
صاحت :
- تيما ... أما زلتِ على قيد الحياة .. أين كنتِ , إنني لم أركِ منذ بضعة
أسابيع . وأسرعت واحتضنتني في شوق .
- اعذريني يا عزيزتي , تعرفين أنني لم أعد تيما المدللة كما كنت في الماضي ,
إنني لا أعود من عملي في المقهى قبل المساء , وأعود مرهقة , منهوكة القوى , في
أشد الحاجة إلى النوم والراحة .
- لا عليكِ يا عزيزتي ...وعلى كل حال كنت سأحضر بنفسي لزيارتكِ غدا ودعوتكِ ,
ألا تعلمين .. سأتزوج يا تيما .. سأتزوج .
وأحسست بالفرح من أجلها , فاحتضنتها وقبلتها في وجنتيها :
- أتمنى لكِ السعادة من كل قلبي يا روسانا , إنكِ تستحقين كل خير .
- شكرا لكِ يا تيما , كم أنا سعيدة , سوف يقيم أبي حفلا كبيرا في الأسبوع
القادم بمناسبة زفافي , وسوف يكون هناك بعض كبار الضيوف , وسيحضر زوج خالتي
تنكو محمد دمنهوجي من المدينة , تعرفين أنه من كبار رجال الوزارة , وسوف يكون
بصحبته سيد عظيم من بلاد الحجاز , وكذلك ستحضر جميع صديقاتي , ولابد من حضوركِ
أنتِ أيضا , أرجوكِ لابد أن تحضري يا تيما .
- لا أظن أنني سأستطيع الحضور , ليس عندي وقت كما قلت لكِ , وهناك شيء آخر ,
إنني لا أملك ثوبا مناسبا , حتى إنني لا أملك مرآة لأصفف شعري وأتزين أمامها .
- أيتها الماكرة ... تعلمين أنكِ أجمل فتاة في القرية حتى لو لم تتزيني أو
تصففي شعركِ, وعلى كلِ لدي مرآة كبيرة يمكنني الإستغناء عنها , ويمكنك ارتداء
ما تشائين من ثيابي , ألست أختاً لكِ .
- بالطبع يا عزيزتي ... شكرا لكِ . سوف أقبل المرآة كهدية منكِ . أما الثوب
فيمكنني تدبير أمره .
وللمرة الثانية , ازددت ثقة في نفسي .
لقد حصلت على ما أريد , بالحيلة وشيء من الذكاء حصلت على المرآة .
وأسرعت إلى الغرفة , ودسستها تحت غطاء سميك .
وبعد أن نامت جدتي , قمت مرة أخرى , وجلست أمام نافذة يدخل منها شعاع من ضوء
القمر , وأخذت اتطلع الى نفسي في المرآة , وتذكرت كلمات روسانا : " إنكِ أجمل
فتاة في القرية , حتى لو لم تتزيني أو تصففي شعركِ "
وأحسست بسعادة غامرة وأخذت أتأمل وجهي ... إنني بالفعل جميلة , إن لي عينين
نجلاوين , وأنفا صغيرا مثل أنف أمي , وشعري ... إنه ناعم كالحرير, ليس هناك
فتاة في القرية لها مثل هذا الشعر . إن لي بشرة سمراء جميلة , وقواما ممشوقا ,
و ....
وظللت على هذه الحال أكثر من ساعة , حتى أحسست بالنعاس يداعب أجفاني , فقمت إلى
فراشي , ولم ألبث أن استغرقت في النوم .
في الأيام التالية , لاحظت أن هناك نشاطا غير عادي في المقهى .
بدا الجميع في حركة مستمرة , وحضر عمال من المدينة لعمل بعض الإصلاحات
والترميمات . فأعيد إصلاح المقاعد والمناضد , ورممت بعض أجزاء من الحائط وأعيد
طلاؤه مرة أخرى , وأعيد كذلك طلاء جميع الأبواب والنوافذ , ووضعت بعض الستائر
الملونة هنا وهناك , وأخرجت من مخزن المقهى بعض الأواني والأكواب التي لم تكن
تستعمل إلا لكبار الضيوف والزائرين أو في أيام الأعياد.
وسألت خادما عجوزا في المقهى عن حقيقة الأمر فقال لي :
- ألم تعلمي بعد , سوف يصل إلى القرية سيد عظيم من بلاد الحجاز في صحبة تنكو
محمد دمنهوجي وسينزلان في ضيافة سوهارتو حتى موعد الزفاف .
- أعلم هذا , ولكن ما دخل المقهى في ضيوف سوهارتو , ولم كل هذه الزينة وكل هذا
الإستعداد ؟
قال وهو يهز يده في إنفعال :
- إفهميني يا بنيتي ... عندما يحضر السيد العظيم سوف يدعوه ألنتو لزيارة المقهى
, وبالتالي سوف يكون هناك العديد من الزوار ومئات من الناس الذين سيأتون من
مختلف الأماكن ومن جميع المناطق المجاورة ليسلموا عليه , إنه رجل مبروك , لقد
حضر من جوار الحرم الشريف .
وتدخل خادم آخر في الحديث :
- لقد تعرف تنكو دمنهوجي على السيد عبد المجيد عندما ذهب إلى بلاد الحجاز لأداء
فريضة الحج منذ أكثر من عشر سنوات . إن والد السيد هو الذي منح تنكو دمنهوجي
إسم محمد , وأعطاه صكا بذلك .
وقال ثالث :
- إنهم يقولون في اليوم الذي وصل فيه السيد إلى منزل تنكو دمنهوجي , شفي الحصان
الأدهم الذي كان مريضا منذ مدة طويلة , وعثرت زوجته على سوار ذهبي كانت قد
فقدته وكادت تيأس من العثور عليه مرة أخرى .
فقاطعه الأول :
- ألم أقل لكم إنه رجل مبروك , عندما يحضر لابد أن أحظي بالسلام عليه , وتقبيل
يده الكريمة .
وتركتهم يتحدثون وعدت إلى المغسل و وانهمكت في أداء عملي ولم أعطِ الأمر أية
أهمية و فلم أكن أعلم أن مجيء هذا الرجل سيغير مجرى حياتي إلى هذه الدرجة
وفي اليوم التالي , حضر الجميع الى المقهى وهم يرتدون ثيابا جديدة وقاموا
بتغيير جميع الأغطية والمفارش , وجيء بمقعد كبير , ووضع في أحد الجوانب , ورصت
عليه وسائد صغيرة ثم غطي بقماش من المخمل , وعلى كل جانب وضعت منضدة عليها بعض
الورود .
وأحسست كأننا في يوم من أيام الأعياد .
وعند الظهيرة أعلن عن وصول الضيوف , واندفع الجميع إلى الباب لإستقبالهم .
دخل أولا تنكو دمنهوجي , وكنت قد رأيته منذ عدة سنوات في بيت سوهارتو , وتلاه
رجل أبيض البشرة طويل القامة , يرتدي الملابس العربية , أيقنت أنه السيد عبد
المجيد , ثم دخل سوهارتو , ودخل بعد ذلك جمع غفير من الرجال .
أسرع ألنتو إلى السيد وقبل يده بإحترام وإجلال , واندفع بعده باقي الرجال
يقبلون يديه وكتفيه , ويتمسحون في ثوبه وهو يبتسم لهم في مودة ويتمتم بعبارات
لم أسمع منها شيئا .
ثم قادوه الى المقعد المخصص له , فجلس عليه في وقار شديد وجلس الجميع أمامه
ينظرون إليه في احترام وتبجيل .
ووقفت على باب المغسلة أنظر إليه من بعد واتأمله .
كنت أحسب أنه رجل عجوز , ولكنه كان لا يزال شابا في حوالي الأربعين من عمره .
كان ضخم الجثة ممتليء الجسم ألى حد ما , قوي البنية , وجهه ينطق بالصحة , تكاد
الدماء تنفر من وجنتيه وكفيه . وكان يرتدي خاتما ثقيلا من الفضة في إصبعه
الصغير , وأمسك بيده مسبحة أخذ يعبث بها بين حين وآخر .
واقتربت قليلا , وأخذت أتأمله مشدوهة بمظهره وهيبته .
وناداني سوهارتو : - تيما ... اقتربي هنا ... وتعالي وتشرفي بتقبيل يده الكريمة
.
وأحسست بشيء من الخوف ...
ومشيت إلى مجلسه وقدماي ترتعشان , وركعت أمامه , وقبلت يده في وجل دون أن أنظر
إليه , وبسرعة عدت إلى مكاني مرة أخرى .
ونظرت إليه من بعيد , فوجدته يتطلع إلي بنظرة فاحصة , زادت من خوفي . ثم مال
على سوهارتو وأخذ يتحدث معه وهما ينظران إلى ناحيتي , فأسرعت إلى داخل المغسل .
وفي المساء رويت لجدتي كل ما حدث بالتفصيل , وأخذت هي تستمع إلي باهتمام شديد ,
وفي النهاية قلت لها :
- لهذا لن أذهب غداً إلى حفل زفاف روسانا يا جدتي , إنها المرة الأولى التي لا
أحضر فيها حفلا كبيرا مثل هذا , وأعتقد أنني ما زلت لآ أحسن التصرف , ولا أحب
أن أكون بمفردي وسط هؤلاء , لابد وأني سوف أشعر بالإرتباك والخوف . آه يا جدتي
, كم أنا في حاجة إلى وجود أمي .
ولم ترد جدتي , وظلت صامتة تفكر مدة طويلة قبل أن تقول لي :
- هل تذكرين حكاية سندريلا التي قصصتها عليكِ وأنتِ صغيرة , تلك الفتاة الفقيرة
الجميلة التي ذهبت إلى الحفل الملكي فأحبها الأمير وتزوجها من دون فتيات
المدينة جميعا ؟؟؟
- نعم أذكرها جيدا . ولكن ما دخل القصة فيما نحن فيه ؟
- يا بنيتي الصغيرة .... ألم تفهمي إلى الآن لماذا ينظر إليكِ هؤلاء الرجال في
المقهى , لقد أعجبوا بجمالك ورقتك . لقد حظيتِ بإعجاب هؤلاء الذين تخافين
الذهاب للحفل من أجلهم . إنكِ يا تيما جميلة وطيبة القلب وتستحقين الزواج من
أفضل الشباب . لذا لابد ان يراكِ الناس جميعا . ولابد من ذهابكِ إلى الحفل غدا
. فما يدرينا ... ربما كان الأمير هناك في انتظار سندريلا الجميلة .
وأحسست بنشوة غامرة فاحتضنتها وقلت وأنا أحاول أن أخفي مشاعري :
- آه يا جدتي ... إنكِ تبالغين كثيرا
- أيتها الشقية , تعرفين أني أقول الحقيقة , إذهبي الآن إلى فراشكِ فأنتِ في
حاجة إلى قسط وفير من النوم .
في اليوم التالي , وهو اليوم المحدد لزفاف روسانا , قضيت النهار كله في المغسل
بمفردي .
لم يكن في المقهى سوى اثنين أو ثلاثة من الخدم , وذهب الباقون جميعا لحضور
الحفل , ولم يسمح لي ألنتو بالذهاب إلا بعد انتهاء فترة عملي , تعنتاً منه
ورغبة في إيلامي وإذلالي .
لم يكن هناك أي عمل أؤديه , وظللت طوال الوقت أفكر في الحفل , وفي المدعوين ..
وفي الطعام .
نعم الطعام ... لابد وأن هناك أنواعا كثيرة من الأطعمة ومن اللحوم والحلوى .
لقد مضت شهور طويلة لم أتذوق فيها الحلوى . سنوات ونحن على هذه الحال , نأكل كل
يوم الأرز والسمك , في الإفطار أرز وسمك , في الغذاء أرز وسمك , وفي العشاء أرز
وسمك .
يا إلهي لكم سئمت من السمك ومن رائحته , ولكن ما العمل وليس لدينا غيره , إنه
الطعام المتوفر الذي يمكننا الحصول عليه بأقل ثمن , لم يكن أحد يتضرر سواي ,
كان أبي يأكل وهو لا يفرق إن كان يأكل أم يشرب , أما جدتي فلم تكن تمل منه أبدا
, وكانت تجده ألذ طعام في الدنيا .
وعند الظهيرة , وعندما أحسست بالجوع , وتذكرت المائدة الممددة في بيت سوهارتو ,
فكرت في أن أترك المقهى وأسرع إلى بيتهم , ولكني راجعت نفسي , وجلست فس مكاني
مرغمة .
آه يا ربي .... سامحك الله يا ألنتو .
وما أن اقترب المساء حتى أسرعت إلى الغرفة
اغتسلت أولا .. ثم أخرجت المرآة ووضعتها بجانب الحائط , وأحضرت مصباحا كبيرا
وأشعلته , ووضعته بجانبي , وأخرجت علب المساحيق ورصصتها أمامي . وأخذت أتذكر
كيف كانت أمي تستخدمها حتى أفعل مثلها .
ومضت فترة طويلة قبل أن أنتهي من زينة وجهي , مع أني كنت حريصة على ألا أضع
الكثير من المساحيق , فقد خفت أولا ألا أحسن استخدامها وليست لي الخبرة في ذلك
, وثانيا لأني كنت أعرف أن وضع المساحيق وكثرة الزينة لا يليق بفتاة في مثل سني
.
ونظرت إلى نفسي في المرآة فأحسست بالسعادة والرضا , كان يبدو جذابا ومشرقا ,
واختفى الشحوب , واحمرت وجنتاي وازدادت عيناي اتساعا .
وبسرعة أخرجت المشابك من شعري , ومشطته جيدا وأحضرت بعض الورود البيضاء التي
كانت أمي تستعملها في الماضي , وجمعت شعري الغزير في جديلة واحدة طويلة تتداخل
معها الورود . ثم أخرجت الإزار الوردي وارتديته بعناية شديدة .
عندما نظرت في النهاية إلى المرآة , لم أصدق نفسي وصحت :
- جدتي ... قومي وانظري بالله كيف أبدو ..!! واعتدلت جدتي واستدارت ناحيتي
وأخذت تتأملني طويلا , ثم قالت وهي تبتسم :
- ألم أقل لكِ , هيا اسرعي فإن الأمير في انتظار سندريلا الجميلة .
لم يكن منزل سوهارتو يبعد كثيرا عن بيتنا .
أخذت طريقي إلى هناك سيرا على الأقدام , وأنا أكاد أطير مع نسمة الهواء البارد
التي كانت تداعب وجهي وشعري وإزاري .
حقا لقد كنت سعيدة من أعماقي , ولكني أيضا كنت أشعر بالخوف , الخوف من المجهول
, أو الخوف من مواجهة موقف لم أعتده من قبل ز
وأسرعت الخطى حتى وصلت إلى البيت .
كان هناك بعض الصبية والفتيات الصغيرات يلعبن أمام باب البيت وقد ازدحم المكان
بعربات الخيل , وجاءني صوت موسيقى تعزف بالداخل مصحوبة بضجة المدعوين وضحكاتهم
.
ووقف على باب المدخل خال روسانا وأخوها الأكبر يحيون بعض الضيوف .
ونظر إلي أخوها وكأنه لم يرني من قبل ... واقتربت منهما . وسلمت مهنئة , فلم
يرد وظل يحملق كالمشدوه , فتركته وأسرعت إلى داخل البيت , ووقفت على باب غرفة
كبيرة على يمين المدخل كانت قد امتلأت بالمدعوين من الرجال والنساء والأطفال .
وتوقفت الضجة ... وتوقف الحديث ... وتوقفت الضحكات واتجهت الأنظار كلها إلى
ناحيتي , وأخذ الجميع ينظرون إلي بإعجاب شديد .
وأحسست بخجل وارتباك وخوف لم أشعر به من قبل . واندفعت الدماء حارة إلى وجهي ,
ولفترة قصيرة وقفت حائرة لا أدري ماذا أفعل . وأخيرا استدرت وقد قررت العودة
إلى البيت مرة أخرى .
وشعرت بيد تمسك بي من الخلف , والتفت ... كانت زوجة سوهارتو .
- تيما ... مرحبا بكِ , إنكِ تبدين فاتنة اليوم . تعالي لتجلسي مع صديقات
روسانا .
وأخذتني من يدي إلى الداخل .
سرت معها وأنا لا أكاد أرى أمامي من شدة الخجل والإرتباك . وجلست وسط في
الفتيات وأنا لا استطيع أن أرفع عيني عن الأرض . وكلما شعرت بالأنظار من حولي
تكاد تلتهمني , ازددت خجلا وارتباكا.
وبالتدريج عادت الضجة مرة أخرى , وعادت الضحكات تملأ الغرفة , وسمعت همهمة من
حولي :
- يالها من سمراء فاتنة ... هل هي حقا تيما ابنة سراج الدين ...؟؟!
- إنها تبدو كأميرة جميلة ... كم هي رقيقة ...!!!
- انها تصلح عروسا رائعة لولدي ... سوف أخطبها في أقرب فرصة ....
- انظري كيف صففت شعرها ... سوف نشتري مثل هذه الورود ولكن اين لي مثل هذا
الشعر ...؟؟!
وهكذا لم يكن هناك حديث إلا عني وعن مظهري وعن شعري وعن جمالي ز
وبعد قليل زاولني الخجل والإرتباك إلى حد ما . وأخذت أتطلع إلى المكان من حولي
خفية . وأتأمل المدعوين . وكانت فرقة الغناء والعزف قد غادرت المكان لفترة
قصيرة للراحة .
كانت الغرفة متسعة , وقد فتح باب كبير فيها متصل بحديقة صغيرة خلف البيت ,
امتلأت هي الأخرى بالمدعوين .
ولمحت في أحد الأركان السيد عبد المجيد يجلس في وقاره المعهود , وجلس إلى جواره
سوهارتو و والتف من حوله عدد كبير من الرجال والنساء .
وسألتني فتاة بجانبي :
- لماذا تأخرتِ عن الحضور . إن الجميع هنا منذ الظهيرة . لقد كان طعام الغذاء
لذيذا جدا .
- كنت متعبة قليلا , وكان لدي بعض الأعمال لابد وأن أؤديها , ولكن أين روسانا
... ؟
- إنها في الغرفة المجاورة , هل تودين رؤيتها .... سوف أذهب معكِ .
كانت روسانا تجلس على مقعد في أحد جوانب الغرفة , وقد ارتدت ثياب العرس المطرزة
بخيوط الذهب . والموشاة باللآليء الصغيرة . وتزينت بكثير من الحلي . وإلى
جوارها جلس العريس في كامل هيئته وزينته . بدا لي شابا صغير السن خجولا .
وسلمت عليهما مهنئة . وقبلت روسانا , وتمنيت لها السعادة من قلبي , وجلست أتحدث
إليها قليلا وأنا أتأملها ... كانت تبدو مشرقة وسعيدة , إن أمامها حياة جديدة
ومستقبلا جديدا و وحلما بسعادة دائمة .
وبعد قليل استأذنت منها , وتركتها و وعدت إلى مكاني في الغرفة مرة أخرى ز
وجاءت زوجة سوهارتو وجلست إلى جانبي وقالت لي :
- ماهذا يا تيما ... لقد خلبتِ الألباب , وحظيتِ بإعجاب الجميع , حتى السيد عبد
المجيد أعجب بكِ , وسأل عنكِ سوهارتو أكثر من مرة .
ومالت إلى ناحيتي قليلا و وقالت بصوت منخفض : - يبدو أنه ينوي الزواج منكِ ...
يا لكِ من محظوظة .
وأحسست بقلبي يخفق بعنف , ولم أصدق نفسي .
ونظرت إلى ناحيته , كان يجلس وسط الرجال وقد انهمك في الحديث , بدا لي بهي
الطلعة إلى حد كبير , وأحسست بنشوة في داخلي ...
إن الجميع يحترمونه , ويخافون منه , ويجلسون عند قدميه , ويقبلون يديه , وأنا
سأصبح زوجة له , أصبح زوجة لهذا الرجل العظيم , وأما لأطفاله , هل هذا معقول ؟!
... لابد وأني أحلم .
والتفت الرجل , ورآني أنظر إليه , فابتسم لي .
وأحسست أن قلبي قد توقف , وبسرعة أدرت وجهي إلى الناحية الأخرى . ولم تلاحظ
زوجة سوهارتو ما اعتراني من ارتباك , فاستمرت تتحدث عنه وقالت : - يقولون أنه
غني جدا زله مكانة كبيرة في بلاده , ولكنه أحب الحياة في جاوة , وينوي البقاء
فيها لمدة طويلة , لهذا لا بد له أن يتزوج . آه يا تيما , كم أنا سعيدة من أجلك
, لو أنكِ تزوجتِ منه فسوف تعيشين إلى جواره كالأميرة !
كانت مائدة العشاء حافلة بألذ أنواع الطعام والحلوى , وكانت هناك مائدتان كل
واحدة في غرفة منفصلة , إحداها للرجال والأخرى للنساء .
وأخذت ألتهم الطعام بشهية غريبة , وكأني لم أر الحلوى طوال عمري . وفجأة ....
لا أدري لماذا تذكرت جدتي , وأحسست بغصة في حلقي , تذكرتها وهي قابعة في الغرفة
المظلمة , تنتظر حضوري لأطهو لها الأرز والسمك .
آخ يا جدتي الحبيبة ... ليتني أستطيع أن أحمل لكِ قليلا من هذا الطعام اللذيذ ,
لابد وأنكِ ستسعدين به كثيرا .
وفقدت كل رغبة في الأكل , فقمت من فوري وعدت إلى مكاني في الغرفة .
لم تمضِ ساعة إلا وكان الجميع قد عادوا إلى أماكنهم , وعادت فرقة الغناء والرقص
التي أحضرها سوهارتو من المدينة , عادت تعزف مرة أخرى , وتملأ المكان بجو من
الأنغام والمرح , نسي الحاضرون معها أنفسهم , ونسيت نفسي معهم .
وعندما حان موعد الإنصراف , اقترب مني سوهارتو وقال لي :
- تيما ... أخبري أباكِ أن السيد عبد المجيد سوف يشرفكم بالزيارة بعد غد ...
سوف نذهب جميعا لحضور الحفل المقام في منزل أهل العريس غدا , ولابد أن يكون
أبوكِ في إنتظارنا بعد غد , هل تفهمين , ثم قال وهو يبتسم ويربت على كتفي :
- إنكِ تستحقين كل خير يا ابنتي .
وأحسست بخجل شديد , فانفلت من أمامه , واندفعت إلى الطريق . أسرعت في طريقي إلى
البيت , وأنا أشعر بالسعادة , وبشوق لرؤية جدتي , ورغبة شديدة في أن أروي لها
كل شيء .
وعندما وصلت , دخلت الغرفة في حذر , فقد كان الوقت متأخرا وخفت أن يكون النعاس
قد غلبها فلم تستطع انتظاري .
كانت الغرفة مضاءة بمصباح صغير , ولمحت جدتي تجلس في فراشها وهي تحملق في الباب
, فاندفعت إليها , واحتضنتها وأخذت أقبلها في شوق شديد , فقالت مداعبة : -
ماهذا يا تيما ... يبدو أنكِ تحبين جدتكِ العجوز حقا .
- أوه يا جدتي , أولا تعلمين هذا حتى الآن , لقد كان الحفل رائعا , ليتكِ كنت
معي , وكان الطعام شهيا ولذيذا وكانت هناك أنواع كثيرة من الحلوى , ولكن نفسي
عافتها , فقدت كل رغبة فيها , لأنكِ لم تكوني معي يا جدتي .
ولم ترد , ولكنها كشفت غطاء صغيرا ملونا بجانب فراشها وقالت لي : - انظري أيتها
الشقية .
كانت هناك أطباق كثيرة , مملوءة بأنواع من الأطعمة والحلوى التي كانت بالحفل .
وصحت في فرح :
- ماهذا ياجدتي ... من أحضره لكِ ؟؟
- لقد أرسلته لي زوجة سوهارتو , إنها جارة طيبة حقا , هل رأيتِ , لقد حرمتِ
نفسكِ يا صغيرتي دون أي داع , لقد أكلت أنا من الطعام أكثر منكِ .
واحتضنتني في حب بالغ , ثم سألتني :
- أخبريني .... هل رآكِ الأمير ؟ فابتسمت في خجل وقلت لها :
- نعم يا جدتي نعم ... لقد رآني أجمل امير , ليس في القرية ولا في المدينة فحسب
, ولكن في العالم بأسره . أتعلمين من هو .... إنه السيد عبد المجيد , هذا الرجل
العظيم القادم من بلاد الحجاز الذي حدثتكِ عنه من قبل , هل تصدقين يا جدتي ...
إنه ينوي الزواج مني أنا ... سوف أصبح زوجة لأعظم أمير في العالم .
ولم ترد ... ولم تقل شيئا , وظلت تنظر إلي فأكملت :
- سوف يحضر بعد غد لمقابلة أبي , ويقولون أنه غني جدا . لابد وأن نقيم حفل زفاف
كبير يا جدتي , وسوف أشتري ملابس وحليا كثيرة , وسيكون لنا بيت كبير , وعربة
خاصة , وسوف يذهب أطفالي إلى المدارس ويأكلون الحلوى كل يوم . ... وظلت جدتي
على صمتها ....
- ما بالك , ألستِ سعيدة مثلي يا جدتي , أخبريني بماذا تفكرين ... ؟ فقالت في
تردد :
- إذا كان هذا السيد غنيا جدا في بلاده كما قلتِ , فلماذا يتركها ليعيش هنا ,
ما الذي يجعله يترك أعظم بلاد الدنيا ليعيش في بلادنا . ألا ترين أنه شيء غريب
؟
- لا تسيئي الظن به يا جدتي , لقد أحب جاوة , وأحب فيها جمال الطبيعة , وأحس
بحاجة الناس في أن يكون بينهم رجل مثله , لهذا قرر أن يمكث فيها عدة سنوات .
- وبعد هذا ... ؟ وبعد هذا يعود إلى بلاده .... فهل سيأخذكِ معه .. ؟؟؟
- بالطبع يا جدتي ... وهل سيرحل ويترك زوجته من خلفه , سوف أسافر معه لنعيش في
بلاد الحرم , وستأتين معنا يا جدتي , ألا تحبين العيش بجوار الحرم ؟؟؟
- إن هذا الحلم صعب المنال , لا تفكري في أمري , إنني عجوز على حافة القبر ,
فكري في نفسكِ وفي مستقبلكِ , إنكِ صغيرة السن وجميلة , ولا زالت أمامكِ سنوات
طويلة من العمر .
- لقد فكرت جيدا , وقررت الزواج من أجمل أمير في العالم . فتنهدت جدتي في حزن
وقالت :
- أرجو هذا يا ابنتي , أرجو أن يكون أميرا بالفعل , وليس صقرا جاء ليبتلع
الحمامة الوديعة !
ظهر أبي قلقا إلى حد كبير , فلم يشرب الخمر , واغتسل واستبدل ثيابه بأخرى نظيفة
, وعندما حضر الضيوف استقبلهم خارج الغرفة , وأجلسهم على مقاعد أحضرها خصيصا من
المقهى , وأخذت أراقبهم من الداخل من خلال شق طويل في جدار الغرفة الخشبي .
كانوا خمسة رجال , السيد عبد المجيد , وتنكو دمنهوجي , وسوهاتو وولده الأكبر ,
وشاب عربي هاديء نحيف أسمر البشرة يعرج قليلا في مشيته , كان يتبع السيد عبد
المجيد دائما كظله .
حاولت أن أسمع ما يقولون فلم أستطع , وأخذ قلبي يخفق بعنف , كنت أشعر بقلق
واضطراب لا مثيل له , وكانت جدتي تراقبني وفي عينيها نظرة حزينة .
مكث الرجال يتحدثون حوالي الساعة , ولم يلبثوا أن انصرفوا , وبسرعة اندفعت إلى
فراشي واصطنعت النوم . وبعد قليل دخل أبي إلى الغرفة وجلس إلى جوار جدتي , وقال
لها في اهتمام شديد :
- إن السيد عبد المجيد يرغب في الزواج من تيما يا أمي ... لقد فتحت أبواب
السماء لهذه الشقية . إنه رجل عظيم مبروك . لقد أعطاني هذا المبلغ الكبير من
المال لنشتري به ما سوف نحتاج إليه من ثياب , وسوف يحضر بعد ثلاثة أيام ليعقد
القران ويأخذها معه إلى المدينة .
وأحسست بخيبة أمل , فقفزت من مكاني صائحة ك
- ألن يكون لي حفل زفاف يا أبي ... ألن أرتدي ثياب العرس مثل باقي الفتيات ؟
ونظر إلي أبي بدهشة , فلم يكن يعلم أني أتسمع إلى الحديث . ثم قال وهو يحاول أن
يبتسم :
- لا تتصرفي كالأطفال يا تيما ... ولا تكوني غبية , إن أي فتاة أخرى لا تحلم أن
تتزوج رجلا مثل السيد عبد المجيد , إنه غني جدا , هل تعلمين ... ؟ سوف يذهب غدا
لتسديد ما علي من ديون لألنتو , ستعيشين معه في المدينة في رفاهية وسعادة يا
تيما ...
- وهل ستأتون معي .... أنت وجدتي ..؟
- لا يا ابنتي , لقد وعدني السيد عبد المجيد بأن يحضر امرأة لتقوم على خدمتنا
بعد رحيلك .
- لا يا أبي ... لابد أن تأتيا معي , لابد لكما أن تتركا هذه الغرفة الحقيرة
- لقد طلب مني هذا بالفعل , ولكني رفضت .
وصمت قليلا , ونظر إلى ا لأرض , وقد احتقن وجهه ثم قال بصوت حزين :
- لن أترك هذا المكان أبدا أبدا ... لن أتركه ما حييت ... لقد كانت برفين تعيش
هنا ... وماتت هنا ... وسوف أموت هنا لأدفن إلى جانبها , وهاجت شجونه , واختنق
صوته , وأخذ يتمتم : - برفين يا حبيبتي ... برفين ... برفين يا حبيبتي .
وانخرط في بكاء مرير , ولم يلبث أن اندفع خارج الغرفة لا يلوي على شيء .
في الأيام التالية اصطحبتني زوجة سوهارتو إلى سوق المدينة .
كنت سعيدة ... اشتريت كثيرا من الملابس الزاهية الفخمة , منها ثوب أبيض مطرز
بخيوط فضية , وآخر حريري ملون , واشتريت كذلك ورودا لشعري , وحليا ملونة ,
ومرآة كبيرة , ومساحيق للزينة , وبعض زجاجات العطر , وغطاء حريريا للفراش ,
وأشياء أخرى كثيرة , وأحضرت لي حقيبة جلدية كبيرة لأجمع فيها ملابسي .
وفي مساء اليوم المحدد , حضر السيد عبد المجيد بصحبة عدد قليل من الرجال ,
وأحضر معه الكثير من الهدايا . وكنت أنتظر بكامل زينتي .
وبعد وليمة صغيرة كان قد أعدها أبي , وكان شاهدا العقد تنكو دمنهوجي , وذلك
الشاب العربي الأسمر وقد عرفت فيما بعد أن اسمه منصور .
تم كل شيء بسرعة , ولم أفق إلى نفسي إلا وأنا أجلس في المقعد الخلفي للعربة ,
وإلى جانبي السيد عبد المجيد , وجلس منصور في المقعد الأمامي ليتولى القيادة .
لا أدري لماذا أحسست بالخوف والعربة تبتعد بنا عن القرية , ونظرت إليه .... كان
يجلس في هدوئه المعتاد , صامتا لا يتكلم ولا يبتسم , بدا وكأن الأمر لا يعنيه
في شيء , أو كأنه يجلس في العربة وحيدا , أخذ يعبث بسبحته قليلا , ثم أدخلها في
جيبه وأخرج منديلا بصق فيه وأعاده إلى مكانه مرة أخرى , وبعد أن أصلح من هندامه
قليلا أخذ يتطلع من النافذة .
وتعجبت له , إنه لا يشعر مطلقا بوجودي إلى جانبه . كان هادئا , واثقا من نفسه
لدرجة اصابتني بانقباض في صدري .
أدرت وجهي إلى الناحية الأخرى أتطلع إلى الطريق , كان كل شيء من حولي يجري
مبتعدا ... الأرض , البيوت , الأشجار , القرية .... وجدتي , آه يا جدتي الحبيبة
, اين أنتِ ؟!
وانسابت دموعي رغما عني . آه يا جدتي , لا تبتعدي عني وتتركيني وحيدة , إنني في
حاجة إليكِ , إن الحق معكِ , فما كان يجب أن أترك القرية أبد وابتعد عنكِ , من
سيؤنس وحشتي في غيابك , ومن سيؤنس وحشتكِ في غيابي وأنتِ في هذه الغرفة المظلمة
, لن يحبكِ أحد بقدر ما أحببتكِ , ولن يستطيع أحد أن يطهو لكِ الأرز والسمك
مثلي . آه يا جدتي ..... ليتني أستطيع العودة إلى أحضانكِ . !
ولم أستطع التحكم في نفسي ... فأجهشت بالبكاء .
وسألني : - ما بالكِ ... لماذا تبكين ؟؟
ونظرت إليه ... ومن خلال دموعي استطعت أن ألمح نظرة قاسية متعجبة في عينيه ,
زادت من خوفي , وزادت من تعاستي , وزادت من بكائي . فلم أستطع الرد . وبقيت على
صمتي .
فقال بتهكم وهو يدير وجهه إلى الناحية الأخرى :
- يبدو أنني تزوجت من طفلة .
بعد حوالي نصف ساعة , وصلت العربة إلى المدينة , وتحدث السيد إلى منصور
بالعربية . فسار بنا إلى طريق جانبي , وتوقف في نهايته أمام أحد المنازل
الصغيرة , وهبط السيد عبد المجيد من العربة , واختفى داخل البيت .
وبعد قليل التفت منصور إلى الخلف , وكنت لا أزال أبكي , وأخذ ينظر إلي في شفقة
بالغة , وقال بعد تردد : - ما بالكِ يا سيدة تيما ... لماذا تبكين ؟
فقلت من خلال دموعي : إنني أحب جدتي .
فقال مداعبا : وأنا أيضا أحب جدتي ... وأحب جدتك
ولم أجب واستمريت في البكاء , وصمت قليلا , وبدا حائرا ثم قال :
- اسمعي يا سيدتي , لا تغضبي من السيد عبد المجيد , ولا تخافي منه , قد يبدو
جافا أو قاسيا في مظهره , ولكنه في الحقيقة طيب القلب , لطيف المعشر , وسوف
تعلمين ذلك مع الأيام . أما بالنسبة لجدتكِ فتستطيعين رؤيتها متى أردتِ , إن
القرية لا تبعد كثيرا كما ترين , وفي أي يوم , وفي أي ساعة تودين الذهاب إليها
ستجدينني رهن إشارتكِ . فقط أرجوكِ أن تكفي عن البكاء ...
يجب أن تكوني سعيدة ... هل نسيتِ أنكِ عروس في يوم زفافها , هيا ... هيا بالله
عليكِ كفي عن البكاء , صدقيني سوف تكونين سعيدة هنا .
كان يتكلم بصدق , وبرقة بالغة , أدخلت الطمأنينة إلى قلبي , فهدأت نفسي , وجففت
دموعي . ونظرت إليه ممتنة , فابتسم لي بمودة , ثم استدار واعتدل في مقعده .
لم تمض عشر دقائق إلا وكان السيد عبد المجيد قد عاد , وانطلقت بنا العربة مرة
أخرى .
كان المنزل الذي نسكنه قد بني من الحجر , ويتكون من طابق واحد , وله حديقة
صغيرة , وسقف منحدر مثل باقي البيوت في المدينة و القرية .
لم تمضِ أيام كثيرة حتى اعتدت حياتي الجديدة , فقد أحببت بيتي من أول لحظة ,
فلم أكن أحلم بالعيش في بيت مثله , وبالتدريج زالت الرهبة التي كنت أشعر بها من
السيد عبد المجيد , ولا أدري كيف , ولماذا أحببته ...
- نعم يا ابنتي .. لقد أحببت أباكِ , ولم أدرِ لماذا أحببته وتعلقت به إلى هذه
الدرجة . حقا إنه لم يكن يحسن معاملتي , لم يكن يشعر بوجودي في حياته , ولم أكن
أعني له شيئا , وتأكدت مع الأيام أنه لم يتزوجني إلا ليجد خادمة صغيرة , جميلة
ومطيعة لبيته .
ولكني لم أيأس أبدا , لم أيأس ولم أفقد الأمل في أن أستحوذ على قلبه في يوم من
الأيام . وتفانيت في رعايته وخدمته وطاعته . أصبح محورا لحياتي وتفكيري , بذلت
كل مافي وسعي لأحصل على محبته ولأشعره بوجودي , أو على الأقل لأحوز على رضاه ,
ولكن لم يكن هناك وقت كافٍ لأقترب منه , فقليلا ما كان يجلس بمفرده . كان البيت
لا يخلو من الزائرين , ومئات الراغبين في الحج والعمرة طوال النهار , ويمتليء
المكان بالأحاديث والمواعظ , وبدعوات وأسئلة لا تنتهي , وشراب وطعام وموائد
ممدودة طوال الوقت . وفي المساء , وبعد أن ينصرف الجميع يجلس مع منصور يتبادلان
الأحاديث بالعربية , فلا أفهم منها شيئا , وأجلس كالصماء الخرساء بينهما ,
وكأني قطعة من أثاث الغرفة ..
كان السيد يحب منصور ويأنس لوجوده لدرجة جعلتني أشعر بالغيرة منه , ولكني لم
أكرهه أو أحقد عليه قط , بل على العكس من ذلك , فما حملت له يوما إلا كل إعزاز
ومحبة , فما رأيت في حياتي إنسانا رقيق القلب , لطيف المعشر مثل هذا الرجل .
كان منصور أسمر البشرة , نحيفا طويل القامة , مع قليل من الإنحناء وكان يعرج
قليلا في مشيته , كان أنفه مستقيمة وأسنانه بارزة , وله شارب صغير . ولكني
أعتقد أن أهم صفة فيه هي تلك النظرة الوديعة الحانية التي تطل من عينيه ...
كان يخلص للسيد عبد المجيد كل الإخلاص , ويطيعه كل الطاعة , ولا يعصي له أمرا ,
ولا يرفع صوته أمامه , فقد عمل في خدمته منذ أن كان في التاسعة من عمره , وكان
يتيما , ولم يكن له أقارب , فكفله السيد وأحسن معاملته , وقربه إليه وجعله
ساعده الأيمن في جميع أعماله , فحفظ له الجميل وأصبح تابعه الأمين .
وفي يوم كان يهم بالإنصراف , اقتربت منه وسألته : - منصور .... هل يمكنك أن
تعلمني العربية ؟ فابتسم لي في مودة وهو يقول : - إنني في خدمتك يا سيدة تيما .
- لن آخذ من وقتك الكثير . فقط أرجو أن تعلمني كل يوم عشر أو عشرين كلمة وسوف
أدونها بلغتي حتى لا أنساها . لقد تعلمت القراءة والكتابة في صغري , أرجوك أن
تعلمني العربية ... أرجوك . إن السيد كما تعلم يحب أن يتحدث بها , فربما لو أني
تعلمتها ... أقول ربما ... ربما استطعت أن أتقرب إليه ... أقصد أنني ربما ....
- لا تقولي شيئا يا سيدة تيما ... إنني أفهم جيدا ... أفهم جيدا . لا تحملي هما
, سوف نبدأ من الغد , وسوف تتعلمين سريعا , إنني واثق من ذلك .
وابتسم وحياني برقته المعهودة وانصرف .
وبالفعل تعلمت سريعا . كنت أحفظ الكلمات والجمل . وأرددها بيني وبين نفسي طوال
الوقت . لم يكن الأمر سهلا في البداية بالطبع , ووجدت بعض الصعوبة خصوصا في نطق
الكلمات , ولم تكد تمضي أسابيع قليلة إلا وكنت قد تقدمت كثيرا لدرجة أثارت
إعجاب منصور . وبمرور الوقت أصبحت أفهم تقريبا كل ما يقال أمامي , وبدأت أخرج
من دائرة الصمت التي كنت أعيش فيها .
ولكن ما الفائدة .... ما الفائدة يا ابنتي ؟ .... فبعد كل ما فعلت , لم أستطع
أن أقترب حتى خطوة واحدة من أبيكِ . وأصابني إحساس دائم بالوحدة , والتعاسة ,
وخيبة الأمل .
وفجأة .... أحسست بنبض الحياة في أحشائي .
وكأنما أراد الله أن ينقذني من شقائي ووحدتي .
كنت يومها مستلقية على ظهري , أفكر في نفسي , وأشعر بكآبة وبوحشة شديدة .
وبينما أنا على هذه الحال , أحسست بشيء أشبه بنبضة قلب .
وتعجبت .... ولم أعرف ما هو , وظننت أنني ربما قد أخطأت , ولكن لم تكد تمضي
دقائق إلا وأحسست بها مرة أخرى .
ولم أصدق نفسي .... نبضة قلب في أحشائي ... ! كيف يمكن أن يكون هذا ... هل من
الممكن أن يكون لي قلبان وأنا لا أدري . وكيف لم أشعر به قبل الآن . أم هو قلب
إنسان آخر يكمن في داخلي .... ؟؟
يا إلهي .... كيف لم أفهم قبل الآن .... كيف يا ربي ... هل هذا معقول , هل
سيكون لي طفل , هل سأصبح أما ... أنا أصبح أما ؟!
إنها أكبر أمنية في حياتي , أن يكون لي طفل , قطعة مني , أحبه ويحبني , أحمله
بين يدي وأضمه إلى صدري , وأقبله , آه يا طفلي العزيز.... كم أنا في شوق إليك .
سوف أعلمه الدين الإسلامي . والقرآن الكريم , وسيصبح إنسانا عظيما , وسوف أطلق
عليه اسم إسلام ... سواء كان ذكرا أو أنثى .
كم أنا سعيدة , الآن سأصبح زوجة حقيقية , سوف أقترب منه ألف خطوة , وسوف أرتبط
به إلى الأبد , وسيحبني , نعم لابد أن يحبني , كيف لا وأنا أم أطفاله .
عندما أخبره لابد وأنه سيجن من شدة الفرح .... وقفزت من مكاني وأسرعت إلى غرفته
.
كان منصور قد انصرف لتوه , وبقي هو وحيدا يقرأ كتابا بين يديه .
ووقفت حائرة لا أدري ما أقول , وقلبي يخفق من فرط سعادتي .
ويبدو أنه أحس بوجودي , فسألني دون أن يرفع عينيه عن الكتاب , أو يلتفت إلى
ناحيتي :
- ماذا تريدين ... هل هناك شيء في الأمر ؟
واقتربت منه , ووقفت خلفه , وقلت في اضطراب وخجل شديد :
- سيدي ... أظن أني سوف ألد طفلا بعد اشهر قليلة .
وظل صامتا , ولم يبد حراكا , وظننت أنه لم يسمعني , فقلت :
- سيدي ... كنت أقول أنني ....
فقاطعني قائلا :
- أنكِ ستلدين طفلا بعد أشهر قليلة , لقد سمعت , وما الغريب في الأمر ؟ هل أنتِ
متعبة , هل تودين الذهاب إلى طبيب , أم تريدين خادمة لتساعدكِ في أمور البيت ؟
واستدار إلى ناحيتي وأخذ يتطلع إلي .
- لماذا تنظرين إلي هكذا .... لماذا لا تجيبين ... هل تريدين خادمة لتساعدكِ في
أمور البيت ؟
كنت أنظر إليه كالمشدوهة .... فلم أستطع الرد
واندفعت من أمامه , وأسرعت إلى غرفتي , وارتميت على فراشي , أبكي بحرقة قلب خاب
أمله .
- آه يا إسلام يا حبيبتي ... قطعة أنتِ من قلبي وروحي , لكم أحبكِ يا ابنتي ,
لكم أحبكِ يا صغيرتي . عندما سمعت صوتكِ أول مرة نسيت نفسي , ونسيت آلامي
واحتضنتكِ , بكل ما في قلبي من حب احتضنتكِ , بكل ما في كياني من لهفة وشوق
إليكِ احتضنتكِ ....
كنتِ تصرخين ... بمجرد أن أخرجوكِ من داخلي أخذتِ تصرخين في فزع شديد , وكأنكِ
ترفضين الخروج إلى هذا العالم الموحش!!
فأخذتكِ بين أحضاني . فهدأ قلبكِ وسكنت نفسكِ , ونمتِ مستسلمة بين أحضاني
كالملاك الصغير, وكأنكِ أحسستِ بالحنان الدافق , والحب الذي أحمله في أعماقي
إليكِ .
آه يا ابنتي الحبيبة .... منذ أن رأيت وجهكِ, بل منذ أحسست بكِ تنبضين داخلي
... أحببتكِ ...ولم أحب أحدا بقدر ما أحببتكِ . كنت أصحبكِ معي للخارج دائما ,
إما لقضاء حاجة .. أو للنزهة . فأجد لذة كبيرة وأنا أرى الإعجاب بكِ يملأ
العيون من حولي . وأترككِ لتلعبي قليلا مع الأطفال فلا أرى أحدا يدانيكِ براءة
وجمالا .
ومرت الأيام ومرت السنون ..ولم أشعر بها , ملأتِ حياتي وفراغ نفسي سعادة , فلم
أعد أشعر إلا بكِ , ولا أعيش إلا من أجلكِ .
وفي يوم .... عدت إلى البيت وأنا أحملكِ بين ذراعي وقد غالبكِ النعاس. وما أن
دخلت حتى سمعت ضجة آتية من غرفة أبيكِ , فوضعتكِ في فراشكِ سريعا , وذهبت
لأستطلع الأمر . وما ان اقتربت من الغرفة حتى سمعت منصور يتكلم بحرقة ويقول :
- وما ذنب المسكينة .... لماذا تزوجتها إذا .....كيف تتركها هكذا بعد كل هذه
السنين ؟؟
وتواريت سريعا وأخذت أتسمع إلى الحديث , وقلبي يخفق بعنف , وصاح السيد عبد
المجيد :
- قلت لك مائة مرة أنني ما أتيت إلى هذه البلاد إلا من أجل العمل وإرسال الحجاج
, ولم آتِ لأنشيء أسرة وبيتا جديدا , لقد آن لي أن أعود مرة أخرى
- ولكنك تزوجتها ... حدث وتزوجتها . إنها مسؤولة منك أمام الله .
- وهل كنت تريد مني أن أظل طوال هذه المدة بدون زوجة ... بدون امرأة ترعى شؤون
البيت وشؤوني ؟
- إذا .... اصحبها معك
- لا أستطيع ذلك . تعرف أني متزوج من ابنة خالي , ولي منها ولد قارب سن الشباب
.
- وماذا في ذلك , لقد أحل الله لك مثنى وثلاث ورباع ؟
- قلت لك لا أستطيع , إن زوجتي لن ترضى أبدا بهذا الوضع , ولن يرضى خالي , ولن
يرضى باقي أفراد العائلة , حتى ولو رضوا وصحبتها معي ماذا سيقولون عندما يعرفون
أن زوجة السيد عبد المجيد امرأة فقيرة كانت تعمل خادمة في مقهى , وأن أباها كان
سكيرا لا يفيق إلى نفسه ؟
- وماذا عن الطفلة ابنتك ... كيف تتركها بدون عائل , وبدون أب يرعاها ؟
- سوف أصحبها معي في الغالب ...
وأحسست بشيء أشبه بطعنة سكين في صدري . وذعر منصور وصاح في غضب شديد :
- تأخذ منها ابنتها , تنتزعها من بين أحضانها , إن هذا لا يرضي الله ولا الرسول
... إنه حرام ... حرام , هل تريد أن تقتل هذه المسكينة ؟!
- لن يحدث لها شيء , سوف تعتاد فراق ابنتها , وتعود إلى حياتها الأولى مع أبيها
وجدتها , وسوف أترك لها ما يكفيها من مال , إنها صلبة قوية الإحتمال .
- كانت صلبة قوية الإحتمال قبل أن تتعرف عليك وقبل أن تتزوجها , كانت صلبة قوية
الإحتمال وطفلتها بين أحضانها , ولكن عندما تطعنها من الخلف دون رحمة , عندما
تنزع قلبها من بين ضلوعها وتتركها تحترق لهفة على طفلتها , ستصبح هشة ضعيفة لا
حول لها ولا قوة , أقسم أنك ستقتلها .... ستقتلها
- أغلق فمك وكف عن هذا , لا أحب ان تتدخل فيما لا يعنيك .... هل تسمع ؟
- ألا تخاف الله في هذه المرأة المسكينة , ألا تخاف من غضب الله عليك , كيف
تفعل هذا وأنت مسلم تقرأ القرآن وتعرف أصول دينك , هل هذا هو الإسلام في نظرك
.... ؟ ... لا والله , إن الإسلام بريء منك ومن فعلتك .
وصاح السيد : - منصور ..... لقد تعديت الحدود ...
- وأنت ... ألم تتعد الحدود ؟؟؟ ..... لم أكن أعلم أنك معدوم الضمير إلى هذه
الدرجة .
فما كان من أبيكِ إلا أن صفعه على وجهه بقوة وصاح فيه :
- أخرج من هنا .... أخرج من بيتي ... لا أريد أن أراك هنا مرة أخرى .
- نعم سأخرج ولن أعود حتى لا أرى هذه المأساة تحدث أمام عيني ولا أستطيع أن
أفعل شيئا , ولكن تذكر جيدا أن الله يراك , ولابد أن ينتقم لهذه المسكينة في
يوم قريب .
وصاح أبوكِ في جنون :
- أخرج ..... أخرج من بيتي أيها الأعرج اللعين .
واندفع منصور خارجا من الغرفة فاصطدم بي , وشهق من شدة المفاجأة , وأخذ يحملق
في وجهي فاغرا فمه , وللحظات لم يبد حراكا , وبعد قليل أرخى وجهه إلى الأرض ثم
نظر إلي وقد امتلأت عيناه بالدموع , وما لبث أن انطلق مسرعا إلى خارج البيت .
ولم يغمض لي جفن ليلتها ....
جلست في فراشي واحتضنتكِ إلى صدري في لهفة وخوف , وأنا لا أصدق نفسي .
هل سيبعدونكِ عني يا إسلام ... ؟ هل سيتنزعونك من بين أحضاني ؟ وكيف أعيش بعد
ذلك ؟ ولماذا أعيش ....؟
كيف أعيش دون أن أراكِ أمامي . وأشعر بأنفاسكِ فوق وجهي .. ؟
كيف أعيش دون أن أضمكِ إلى صدري وأحملكِ بين ذراعي ؟
ولماذا أعيش ... لماذا أعيش وأنت بعيدة عني , وأنا لا أعيش إلا لأجلك .. ومن
أجلك ..؟
ماذا أفعل يا حبيبتي .... هل أحملكِ ونرحل سويا عن هذا البيت , ولكن إلى أين ؟
فما من ملجأ ولا من عائل ولا معين . إنني أرتضي العيش في الجحيم إلى جوارك .
ولكني لا أرضى لكِ حياة ذليلة , ولا أرضى أبدا يا صغيرتي أن أراكِ تعيشين شريدة
متسولة .
وظللت أبكي في لوعة حتى الصباح .
وقررت ألا أدعكِ تغيبين عن ناظري لحظة واحدة .
لن أدع له الفرصة أن يأخذكِ بعيدة عني , فليرحل هو إن شاء , ولكن إذاا أصر على
رحيلك معه , فلن تكوني وحدكِ سوف أذهب معه . فليقل للناس إني أعمل خادمة عنده ,
فليقل ما شاء , ولكن المهم أن أبقى إلى جوارك .
وطوال الأيام والشهور التالية , التصقت بك التصاقا , ولم أفترق عنكِ ولو للحظة
واحدة , حتى أثناء النوم , كنت أحتويكِ بين ذراعي , وأضمكِ إلى صدري طوال الليل
, حتى لا أدع له الفرصة أن يختطفكِ في غفلة مني , ولا أدري إن كان أبوكِ قد
لاحظ ما طرأ علي , أو شك في تصرفاتي أم لا , ولك المهم أنه تغير كثيرا من
ناحيتي , لدرجة أثارت شكوكي في باديء الأمر .
أصبح رقيقا في معاملتي .. يتودد إلي , ويسأل عني , ويبتسم في وجهي , ويطلب مني
أن أجلس معه ويتحدث إلي .
وذهب معي أكثر من مرة للنزهة وزيارة جدتي في القرية .
كان يشتري لي الكثير من الهدايا الثمينة ...
في مرة أحضر لي سوارا ذهبيا ثقيلا , وفي مرة قرطا ماسيا وعقدا من لؤلؤ .
وبمرور الزمن بدأت أطمئن إليه , وظننت أن حديث منصور معه قد أثر فيه فأفاق إلى
نفسه وأعاد إليه ضميره , فوثقت فيه ....
نعم يا ابنتي وثقت فيه .... لسذاجتي وغبائي ... فحكمت على نفسي بالعذاب
والحرمان منكِ خمسة عشر عاما ..... حاولت كثيرا أن أمحو من ذاكرتي صورة هذا
اليوم الأغبر فلم أستطع .
كنت يومها منهمكة في أداء بعض أعمال المنزل , وأنتِ في فراشكِ مستغرقة في النوم
. ودخل أبوكِ الغرفة فجأة , وقال في اضطراب شديد :
- تيما ... لقد أرسل سوهارتو مرسولا ليخبرني أن جدتكِ مريضة جدا
وأحسست بقلق شديد وسألته :
- هل حدث لها مكروه ... أخبرني بالله عليك ؟
فقال بصوت متردد زاد من قلقي :
- لا شيء ... لا شيء ... لا أدري ... يمكنكِ الذهاب إليها إن أردتِ .
وتأكدت أن شيئا ما قد حدث , وأحسست بالخوف على جدتي , وبسرعة بدلت ملابسي ,
ونظرت إلى وجهك الحبيب , كنت نائمة كالملاك الصغير , ولا أدري لماذا أحسست
بلهفة شديدة عليكِ انقبض لها صدري , ففكرت جديا أن أحملكِ من فراشكِ وأصحبكِ
معي , لكني رأيت أنه من الأفضل بقاءكِ بعيدا في مثل هذه الظروف .
وليتني ما تركتكِ ليلتها ... ليتني اصطحبتكِ معي ...
لو كنت أعلم ... لو كنت أعلم بما سيحدث , لو كنت أعلم أن هذه هي المرة الأخيرة
التي أراكِ فيها , لما تركتكِ أبدا ... أبدا !!!
انطلقت بالعربة في طريقي إلى القرية , ولهفتي على جدتي قد أنستني كل شيء حتى
نفسي , وأخذت أدعو الله ألا يكون هناك مكروه قد وقع لها , وألا تكون قد ماتت
قبل أن أراها للمرة الأخيرة .
وما أن وصلت إلى القرية حتى أخذت طريقي عدوا إلى البيت , وأنا أحاول أن أتمالك
نفسي ومشاعري .
كان الصمت يخيم على المكان . ولكني لم أفقد الأمل وأسرعت إلى الداخل .
كانت جدتي تجلس هناك في فراشها وقد أمسكت بسبحتها الصغيرة , لم تتغير , ولم
يتغير فيها شيء , كانت كما هي منذ أن رأتها عيناي منذ عشرين عاما .
ولم أصدق نفسي , واندفعت إليها أقبلها في شوق شديد , وأخذت أنظر إليها وأتأملها
في سعادة , فقالت معاتبة :
- أيتها الشقية , ÷ل اشتقت إلي حقا , ولماذا تغيبتِ إذا طول هذه المدة ؟ لقد
مضت أكثر من ثلاثة أسابيع دون أن أراكِ ؟
- أوه يا جدتي , لا وقت للعتاب . حمدا لله أنكِ بخير , كدت أموت لهفة عليكِ .
لقد أرسل سوهارتو رسولا أخبر السيد أنكِ مريضة .
- مريضة ؟ ! ... لا والله . إنني بخير والحمد لله , ولا أظن أن سوهارتو فد أرسل
أحدا إليكم , لقد زارتني زوجته البارحة لتطمئن علي . إنهم يعلمون جيدا أنني
بخير .
وصمتت قليلا , ثم قالت مداعبة وهي تبتسم :
- إن سوهارتو لم يرسل أحدا , ولكن يبدو أن زوجكِ أراد أن يبعدكِ عن البيت بعض
الوقت , يبدو أنه ينوي الزواج من أخرى أصغر منكِ سنا ز
وأفزعتني الكلمة ... وأحسست بانقباض في صدري .... يبعدني عن البيت بعض الوقت
... يبعدني عن البيت , هل يمكن أن يكون قد قرر الرحيل ... وإسلام ... إسلام
.... هل يمكن أن يكون قد ...؟؟
وصرخت من أعماقي واندفعت إلى الطريق .
لا أدري كيف استطعت العودة إلى البيت ...
واندفعت إلى الداخل , وأخذت أبحث عنكِ كالمجنونة في كل مكان فلم أجدكِ , وأحسست
بقلبي يكاد ينخلع من شدة اللهفة والفزع .
وانطلقت إلى الشارع ... أخذت أعدو إلى بيت تنكو دمنهوجي وأنا لا أكاد أرى أمامي
....
كان يقف أمام بيته يتحدث إلى بعض الرجال . واندفعت إليه , وأمسكت به بكلتا يدي
, وقلت وأنا ألهث من شدة القلق والتعب ..
- أين ابنتي ... أين أبنتي ... ؟
ولم يجبني الرجل , وبدا حزينا حائرا لا يدري ما يقول ...
ولم أتمالك نفسي ... ولم أحتمل أكثر من هذا , فانكفأت على الأرض أقبل قدميه :
- أرجوك يا سيدي ... أتوسل إليك ... أين ابنتي ... أين ابنتي ... ؟
وانحنى الرجل إلى جانبي , وأخذ يربت على كتفي وقال :
- تيما ... يجب أن تتمالكي نفسكِ قليلا , لقد حاولت كثيرا أن أثنيه عن عزمه ,
حاولت كثيرا أن أقنعه بأن يأخذكِ معهفلم أستطع , لقد رحل إلى بلاده بالطائرة
منذ نصف ساعة
وسألته في لهفة : - وابنتي ... ابنتي ... ؟
فقال في حزن شديد : لقد أخذها معه .
لا أدري ماذا حدث لي ... كان هناك شيء يحترق ويتمزق بداخلي . وأخذت أجري في
الشارع كالمجنونة , أصرخ وأصرخ
أصرخ من أعماقي وأصيح .... يا الله .... يا الله ... يا الله ..!!!
وتمزقت ملابسي , وسالت الدماء من أنفي وأنا أمرغ وجهي ورأسي بالتراب
لا أدري لماذا لم أمت يومها ... لماذا لم أمت , لماذا لم يأخذني الله إلى جواره
وأحسست بظلام يطبق على صدري , فأخذت أجري وسط الطريق , لا أرى ما أمامي ولا
أشعر بما حولي , كنت شاردة مذهولة , فلم أنتبه إلى سيارة مسرعة , حملتني أمتارا
في الهواء ... ولم أعد أشعر بشيء .
قالت إسلام في صوت قلق : - آه يا أمي .. أخبريني أرجوكِ , هل كانت إصابتكِ
شديدة ؟
ولكن المرأة لم تجب , كانت تحملق في الأرض , وقد امتلأت عيناها بالدموع , وأخذت
تتمتم بصوت حزين : - لماذا لم أمت يومها ... ؟ لماذا لم يأخذني الله إلى جواره
, لماذا ... لماذا ..؟
- أمي لا تقولي هذا بالله عليكِ , أما كنت تريدين رؤيتي مرة أخرى ؟
ونظرت إليها المرأة في حب , وقالت وهي تقبلها :
- إنني لم أعش حتى الآن إلا لكي أراكِ . سامحيني يا ابنتي , لقد تعذبت كثيرا
لفراقكِ . وحاولت كثيرا أن أنسى هذا اليوم فلم أستطع .
وظلت الفتاة تحتضن أمها لفترة .. ثم عادت تسأل :
- أخبريني يا أمي ... ماذا حدث بعد ذلك ؟
- عشت في غيبوبة ثلاثة أيام متواصلة , حتى فقد الأطباء الأمل في شفائي , فقد
أصبت بنزيف داخلي حاد , وكسور في الساق والذراع اليسرى والضلوع . وفقدت طفلا لم
أكن أعلم أني أحمله بين أحشائي , وكنت أقرب إلى الموت مني إلى الحياة . جسد
محطم ... ونفس محطمة . كنت أصرخ طوال الليل والنهار من آلام جسدي , وآلام نفسي
, حتى حار الأطباء في أمري . ومكثت في المستشفى حوالي ثلاثة أشهر لعلاج الكسور
, ثم نقلوني بعد ذلك إلى مصح للأمراض العصبية .
وصمتت المرأة مرة أخرى .
بدت حزينة , مرهقة من شدة الإنفعال , ثم قالت في صوت واهن :
- إسلام .... يكفي هذا اليوم ... لا أستطيع الإستمرار في الحديث , سوف أخبركِ
غدا بكل شيء . ثم إن موعد عودتكِ للدراسة قد حان . هيا يا ابنتي عودي إلى فصلك
, لا أحب أن تهملي دراستكِ بسببي .
فقالت الفتاة وهي تستعد للنهوض : - أمي ... أرجوكِ ... لا أحب أن أراكِ حزينة
هكذا .
فقالت المرأة وهي تبتسم : - وكيف يمكن أن أكون حزينة وأنتِ أمامي يا إسلام ...
؟ واحتضنتها في حب بالغ . ثم قالت وكأنها تذكرت شيئا :
- نسيت أن أسألكِ يا إسلام .... أين أبلة نوال المديرة , إنني لم أرها منذ
ثلاثة أيام ؟
- لا أدري يا أمي , يقولون أنها بخير , ولكن يبدو أن لديها ما يشغلها . سوف
تحضر غدا على كل حال , كوني مطمئنة .
ضجت المدرسة في ذلك اليوم ... فقد عادت أبلة نوال . نعم عادت , ولكنها لم تعد
كما كانت , فقد تغيرت تماما .
وعندما دخلت لم تعرفها إسلام في باديء الأمر , ثم أخذت تنظر إليها غير مصدقة ..
كانت تقف في وسط الغرفة , وقد التف حولها عدد كبير من المدرسات , وبعض الطالبات
, وتجمع البعض الآخر عند الباب يتزاحمن و ويتدافعن , ويتطلعن إليها في فضول
شديد .
كان الجميع ينظرون إليها في إعجاب مهنئين , وقد امتلأت العيون بنظرات متسائلة .
وكانت هي تبتسم في سعادة وتضحك ... من يصدق ... أبلة نوال المديرة تبتسم وتضحك
...
بدت جميلة في بساطة , أنيقة على غير عادتها .
كانت ترتدي فستانا رقيقا أبض اللون , وله أكمام قصيرة متسعة , وشعرها .... طوال
هذه السنين كانت تشده إلى الخلف وتجمعه بغير عناية فوق رأسها , وكأنها تحاول أن
تبعده عنها أو أن تتخلص منه , أما اليوم فقد بدا رائعا , غزيرا متموجا حول
وجهها وكتفيها , وكانت لها غرة جميلة , وقد تزينت بقرط صغير وعقد من اللؤلؤ ,
وفي اصبع يدها اليمنى , لمحت إسلام خاتم الخطبة .....
ونظرت إسلام إلى أمها متسائلة , ثم قالت بصوت خافت :
- ما هذا الذي يحدث يا أمي ... هل ترين ما أرى و هل هذه حقا أبلة نوال ...؟
أكاد لا أعرفها , إنني سعيدة من أجلها يا أمي , إنني أحبها حقا , ولكن كيف ...
كيف تغيرت إلى هذه الدرجة , وكيف تغيرت بهذه السرعة ؟ ! ..... لقد عقد قرانها
بالأمس يا أمي , هل تصدقين ..... أبلة نوال ستتزوج ؟ ! لقد كان الجميع يعتقدون
أنها لن تتزوج أبدا , كانوا يقولون دائما أنه ليس هناك رجل عاقل في هذا العالم
يجرؤ على الزواج منها !!! ...
ونادتها نوال :
- إسلام .... كيف حالكِ ؟ ... وقامت الفتاة من فورها إليها وقبلتها مهنئة .
- كيف حالكِ يا إسلام ... وكيف حال أمكِ ؟
- بخير والحمد لله , إنني عاتبة عليكِ , لماذا لم تخبرينا من قبل ؟
وابتسمت نوال وقالت في خجل :
- صدقيني لقد تم الأمر كله بسرعة , لقد كانت مفاجأة بالنسبة لي أنا أيضا .
- إنني سعيدة من أجلك ... إنكِ تبدين فاتنة حقا .
فاحمر وجهها وقالت تصطنع الجد :
- هيا يا إسلام ... هيا إلى فصلكِ , فستبدأ الدراسة بعد قليل .
وانتظمت الدراسة .... وهدأت الغرفة , وجلست نوال إلى مكتبها تراجع بعض الأوراق
, وما هي إلا لحظات حتى شردت بعيدا ... بعيدا .
كانت تبدو وكأنها تعيش في حلم لذيذ لا تريد أن تفيق منه .
ماذا حدث يا نوال ... وكيف تغيرتِ وتغيرت حياتكِ إلى هذه الدرجة , أكل هذا من
أجله ....؟ !
وأخرجت صورة صغيرة من حقيبة يدها , وابتسمت في رقة وهي تنظر إليها , وأخذت
تتأملها في حب .
يا لهذا الحبيب .... هدية السماء ... أرسله الله إلي لينقذني ويبعث الحياة من
جديد في صحراء نفسي القاحلة .
سنون طويلة مضت , كانت تعيش خلالها كتمثال جامد لا حياة فيه , أو كإنسان آلي
يتكلم ويتحرك ويأكل ويصرخ , ولكنه يخلو من كل إحساس وكل مشاعر .
كانت تحاول دائما أن تخفي حقيقة نفسها عن الناس , حاولت كثيرا أن تقتل كل محبة
وكل رقة في داخلها , حاولت كثيرا ... كثيرا . ولكن هل نجحت , هل استطاعت بالفعل
أن تجمد الأحاسيس وأن تقتل المشاعر ؟
أبدا .... أبدا . لقد نجحت في أن تخفيها , نجحت في أن تكتمها , ولكنها لم تنجح
في أن تنتزعها وأن تلقي بها بعيدا , لقد استطاعت أن تضع حاجزا وهميا بينها وبين
الناس , حاجزا يحميها منهم ومن غدرهم ومن شرورهم .
كانت تعتبر دائما أن القسوة قوة , وأن الرقة ضعف , وكانت تخاف من ضعفها , وتخاف
أن يكتشفه الناس فتصبح لقمة سائغة في أفواههم .
وكثيرا ما كانت تضيق ذرعا بما يجيش في نفسها , كانت تضيق بعواطفها وأحاسيسها ,
وتشعر برغبة شديدة في أن تبكي وأن تصيح , وأن تحتضن أمها , وأن تحتمي من خوفها
بين ذراعيها , ولكنها كانت تمنع نفسها بكل قوتها , فإذا أحست أن إرادتها
ستخذلها أسرعت إلى فراشها لتختبيء فيه .
يا إلهي .... لك كانت تحب أباها , كانت تحبه من أعماق قلبها , ولهذا كانت
تعتبره دائما أكبر نقطة ضعف فيها , كان رقيقا معها , رقيقا إلى أبعد الحدود ,
كان يبتسم لها ويحنو عليها , ويقبلها , ويحميها من سلاطة أمها , وأذى إخوتها
الذين ضاقوا بها وبجفائها وجمودها , وحاولوا كثيرا أن يقتحموا الحاجز الذي
وضعته حول نفسها , ربما كان ذلك محبة لها ومحاولة في التقرب إليها , ولكنها
اعتبرته هجوما على أمنها , زاد من خوفها , وزاد من عزلتها وقوقعتها .
أما أبوها فلم يحاول أبدا أن يفرض نفسه , أو يعتدي على صمتها ووحدتها . كان
يحبها من بعد , ولكنها أحست به قريبا .... قريبا غليها , وأحست أنه يفهمها ,
وأنه الإنسان الوحيد الذي يعرف ما بداخلها , والإنسان الوحيد الذي استطاع أن
يكشف الستار عن حقيقة نفسها .
كان يحبها حبا صادقا , ولهذا أحبته , ولهذا أيضا كانت تهرب منه , ولا تجلس معه
طويلا , ولا تتحدث إليه إلا نادرا .
كانت لا تجرؤ على الدخول إلى غرفته إذا كان مريضا , لم تكن تحتمل أن تراه على
فراش المرض , لم تكن تحتمل مطلقا .
ولم يفهم أحد حقيقة مشاعرها , لم يفهم أحد , حتى أمها لم تكف يوما عن توجيه
اللوم إليها واتهامها بالقسوة والجمود .
في إحدى المرات ظل أبوها مريضا عدة أيام متواصلة , لم يغادر فيها غرفته , وأحست
بشوق إليها لم تستطع مقاومته , فاندفعت إلى غرفتها وقلبها يخفق , ووقفت مترددة
قبل أن تدخل .
جلست إلى جواره على حافة السرير صامتة دون أن تنظر إليه .
كان كل شيء بداخلها يرتجف من شدة الإنفعال , وأحست برغبة شديدة في البكاء .
وصاحت أمها في غضب :
- نوال .... هل أنتِ بلهاء أم خرساء , ألا تقولين شيئا ؟ ! يا لقسوتكِ !!!!
ثلاثة أيام وأبوكِ مريض ولم تحاولي حتى أن ...
وأشار إليها أبوها بيده وقال في صوت واهن : - كفى ... كفى .
وحاولت أن تقول شيئا فلم تستطع , وأحست أن دموعها ستسبق كلماتها فظلت على صمتها
.
وأخيرا قال أبوها في حنان بالغ , ويده تربت على ركبتها :
- كيف حالكِ يا نوال ؟ .... لقد اشتقت إليكِ كثيرا .
ولم تحتمل نوال , وأحست أن صمتها سيخذلها , وبسرعة اندفعت إلى غرفتها واندست في
فراشها , وتركت لدموعها العنان .
كانت أختاها سعاد وكوثر تشاركانها الغرفة . كلتهاهما كانت أصغر منها في السن ,
كانت تحبهما كثيرا , وبالذات هذه الصغيرة الشقية كوثر , لم تكن تمل من ملاحظتها
والتطلع إليها طوال الوقت دون أن تشعر بها . كانت منطلقة , مرحة , خفيفة الظل
إلى حد بعيد . تمتليء بالحيوية وحب الحياة , لا تكف عن الحركة لحظة , ولا عن
الضحك والمشاغبة , لم تكن جميلة بقدر ما كانت جذابة , تعرف كيف تلفت الأنظار
إليها , وتثير الإعجاب من حولها , تثق بنفسها وجمالها ثقة عجيبة .
كانت نوال تحب أن تراقبها خفية عندما تجلس للتزين أمام المرآة أو لتصفيف شعرها
. ساعات طويلة تقضيها في وضع المساحيق المختلفة تحاول ان تكتشف طريقة جديدة ,
تبرز بها جمالا أو تخفي عيوبا . وبين حين وآخر تبتعد قليلا وتتأمل نفسها في
إعجاب شديد , وأحيانا تصرخ من شدة الإنفعال وتصيح في سعادة :
- ما كل هذا الجمال , وهذه الفتنة يا كوثر ...؟
- نوال .... انظري .... هل رأيتِ في هذا العالم فتاة مثلي , انظري إلي دقيقة
واحدة يا أختي الحبيبة , سوف ترين تأثير جمالي عليكِ , سوف تفقدين اتزانكِ حتما
, وتتخلصين من وقاركِ , وتندفعين إلي .. وتحتضنيني هكذا ... وتقبلينني هكذا ...
وتندفه إليها وتحضنها وتقبلها في مرح قبلات سريعة , ونوال تدفعها برفق بعيدا
عنها وهي تحاول جاهدة أن تكتم الضحك .
وتزوجت سعاد , وتزوجت كوثر , وخلت الغرفة , وخلا البيت إلا منها ومن أمها
وأبيها .
أحست بوحشة غريبة قاتلة لرحيلهما , لدرجة جعلتها ولأول مرة في حياتها تفكر في
نفسها وفي مستقبلها , وفي سني عمرها التي تمر سريعا في هذا البيت .
طوال هذه السنين لم يتقدم أحد لخطبتها , لم يتقدم رجل واحد ... للزواج منها ,
كانت تبدو في ظاهرها وكأنها لا تهتم لذلك أبدا , ولا تهتم للقلق الواضح في عيني
أمها , وتلميحاتها ودعواتها المستمرة لها بأن يرزقها الله " ابن الحلال "
ولكنها في قرارة نفسها , كانت تتمنى أن يتقدم أي شخص ليطلب يدها , ويبدي رغبة
في الزواج منها والإرتباط بها , حتى ولو كان غير مناسب لها , سترفضه حتما ,
ولكنها ستشعر أنها مرغوبة , وأن هناك من يتمنى أن تكون زوجة له , وأما لأطفاله
.
إن مشاعر الأنثى لم تمت في داخلها , أبدا , على العكس تماما , لقد كانت تحمل
بداخلها امرأة , امرأة بكل ما تمل هذه الكلمة من معان , امرأة تحلم ببيتٍ هاديء
, ورجل قوي تحتمي به , وأطفال يشبعون أمومتها وتهيم بهم حبا .
كانت تعلم أنها لا تفتقر إلى الجمال , ولكنها لم تحاول أبدا أن تبرزه أو تعتني
به , بل تعمدت إهماله وإخفاؤه , وتعمدت أن تكتسب دائما طابعا خشنا في مظهرها .
مرت عدة سنوات , نجحت خلالها في دراستها , وتقدمت في عملها , واكتسبت احترام
رؤسائها واحترام الناس , ولكنها لم تكسب محبتهم , عاشت في عزلة دائمة حتى عن
أمها وأبيها , فلم تكن تتبادل معهما الحديث إلا لأمر ضروري , وتقضي أغلب وقتها
وحيدة في غرفتها .
ومرت الأيام على نفس الوتيرة , حتى ضاقت ذرعا بحياتها , وأظلمت الدنيا في
عينيها .
ومنذ حوالي عشرة أيام , كانت تجلس كعادتها بمفردها , تتصفح بعض المجلات , وتشعر
بكآبة شديدة . دخلت أمها الغرفة , وكانت عيناها تنطقان سعادة , وجلست إلى
جوارها وقالت :
- نوال ... أريد أن أتحدث معكِ قليلا , هناك خبر سيفرحكِ كثيرا .
ولم تلتفت نوال إليها , وقالت بغير اكتراث :
- تكلمي إني منصتة .
فناولتها أمها صورة صغيرة وهي تقول :
- انظري إلى هذا الشاب .... أخبريني ما رأيك فيه , أليس وسيما بالله عليكِ ؟
ونظرت نوال إلى أمها متسائلة , ثم نظرت إلى الصورة سريعا وقالت :
- أخبريني أنتِ أولا ماذا هنالك , وما دخلي أنا إن كان وسيما أم لا .. ؟
فقالت أمها في سعادة :
- لقد تقدم لخطبتكِ من أبيكِ , إن اسمه سامي عز الدين , ويعمل مهندسا في
البلدية , وهو ناجح جدا في عمله , وسيذهب غدا لمقابلة أبيكِ في مقر عمله ليحدد
معه موعدا لعقد القران . إنه شاب ممتاز .... ممتاز يا نوال . إنه متمسك بك إلى
حد بعيد , ويتعجل في الزواج .
ولم تصدق نوال أذنيها , وأحست بدوار مفاجيء , وحاولت أن تتمالك نفسها , وقالت
في هدوء :
- ولم العجلة , إنه لم يرني بعد , ربما غير رأيه عند ذلك .؟
- لقد طلب منه أبوكِ الحضور لرؤيتك , ولكنه أصر على رأيه , وقال أن المهم لديه
أن توافقي أنتِ على الزواج منه , وأنه يكفيه رؤيتكِ بعد عقد القران .
- إنني سعيدة من أجلكِ يا ابنتي , إن الأمر لا يستحق منكِ أي تفكير , لقد وافق
أبوكِ وانتهى الأمر , أرجو منكِ الإهتمام بصحتكِ ومظهركِ قليلا .
وقبلتها وقالت وهي تنهض : - احتفظي بالصورة , سوف آخذها منكِ فيما بعد .
وظلت نوال للحظات كالمذهولة , جامدة لا تبدي حراكا ... ثم اندفعت إلى باب
الغرفة فأغلقته جيدا من الداخل , واندفعت مرة أخرى إلى سريرها , والتقطت الصورة
, وأضاءت مصباحا إلى جانبها , وأخذت تحملق فيها غير مصدقة , ثم شهقت في سعادة :
- آه يا أمي ... !!! إنه بالفعل وسيم إلى حد كبير .
وأحست بقلبها يرقص بين ضلوعها , وشعرت أنها تحبه بكل كيانها . وأطفأت المصباح
واستلقت على السير , وعادت وأشعلته مرة أخرى و وأخذت تتطلع إلى الصورة , ثم
أطفأت المصباح وأسرعت إلى النافذة , وأزاحت الستار وأخذت تتأمل إلى الصورة في
ضوء النهار , ثم عادت فأغلقت الستار , واندفعت إلى سريرها , واندست في فراشها
وهي تحاول أن تستعيد هدوئها وأن تتمالك نفسها .
ماذا حدث لي ... ؟ هل فقدت العقل ...؟ هل جننت ؟ كيف فقدت اتزاني بهذه السرعة
وإلى هذه الدرجة ؟ إنني لم أره بعد , ولم يرني , هل أحببت صورة ... مجرد صورة
.. ؟
واعتدلت في فراشها وأخذت تتأمله مرة أخرى وقلبها يخفق بعنف .
ولكنه أحبني ... أحبني دون أن يراني , أحبني حبا حقيقيا عميقا , وإلا لما فكر
في الزواج مني والإرتباط بي , فكيف لا أحبه ... كيف ؟
ونظرت إلى الصورة في وله شديد : يا ترى , هل استحق منك كل هذا , ألن تغير رأيك
بعد أن تراني , ألن تتحول مشاعرك بعيدا عني .. ؟
وقفزت من مكانها , وجلست أمام المرآة تتطلع إلى نفسها :
ما هذا يا نوال ... وجه شاحب , وعينان ذابلتان , وشعر مهمل , وما ذنب هذا
المسكين ليراكِ على هذه الصورة . يجب أن تعتني بمظهركِ , لابد أن تكوني جميلة
... من أجله , ألا يستحق أن تفعلي أي شيء من أجله . ؟ وعندما يحضر ... ماذا
سأرتدي أمامه ... ؟
واندفعت إلى خزانة ملابسها وفتحتها وأخذت تتطلع إليها ....
يا إلهي ... إن أفضل ثوب عندي أبدو فيه " كشوال البطاطس ".
هيا يا نوال ... لا تقفي مكتوفة اليدين ... ولا تجعليه يندم على محبته لكِ ...
افعلي أي شيء من أجله ... من أجله يا نوال ....
وفي الأيام التالية تغيرت أحوال الفتاة تماما .
كانت تقضي معظم وقتها تتجول في الأسواق مع أختها كوثر , أنتقت أجمل الملابس
بأزهى الألوان , واشترت حليا ومساحيقا لم تستعملها من قبل .
وفي المساء كانت تقضي معظم وقتها أمام المرآة تتأمل نفسها وتتزين , وتحاول أن
تبدو في أجمل صورة .
وفي اليوم المحدد
...
بدت قلقة , شاردة منذ الصباح , سعيدة ... ولكن سعادتها
كانت مشوبة بشيء من الخوف , الخوف من أن يخيب أمله فيها , والخوف من أن تفقد
آخر
أمل لها في السعادة
.
وعندما عادت في المساء , بعد أن أتمت زينتها وتصفيف شعرها
,
دخلت إلى غرفتها سريعا وأغلقت الباب , واستلقت على فراشها . كانت تشعر باضطراب
شديد كلما أحست باقتراب الموعد
.
سوف يحضر إلى هنا يا نوال .... سوف يحضر إلى
هنا , سوف ترينه بعد ساعة واحدة ... يا إلهي ... إن قلبي يكاد أن يتوقف
.
وبعد
قليل سمعت طرقا سريعا على الباب ... ودخلت كوثر
.
-
نوال ... ألم تنته بعد .. ؟
!
لقد امتلأ البيت بالمدعوين , وحضرت والدة العريس وإخوته وبعض أقاربه . لقد اتصل
أبي وطلب أن نكون على استعداد , فقد تم عقد القران , وسيحضرون بعد عشر دقائق
...
هيا ... هيا ... لم يعد هناك وقت . وقالت وهي تهم بالإنصراف
:
-
على فكرة
....
ستخلبين الألباب اليوم , أيتها الأميرة الحسناء
.
أقيم حفل الرجال في فندق
مجاور , حيث أقيمت وليمة كبيرة بعد عقد القران , وما أن وصل العريس إلى البيت
حتى
علت الزغاريد
....
كانت نوال تقف لإستقباله عند المدخل وهي ترتجف من شدة
الإنفعال . لم تره عندما دخل , ولم ترفع عيناها إليه , ولا تدري كيف مدت يدها
لتصافحه , وكيف سارت معه وسط المدعوين وكيف جلست إلى جواره في المكان المعد
لهما
,
ولم تشعر بنفسها وهو يضع خاتم الخطبة في اصبعها
...
وانطلقت الأضواء من حولهما
و وشعرت بأناس كثيرين يصافحونها , وقبلات تنهال عليها , وتهاني , ودعوات و
وضحكات
....
وأخيرا ... خلت الغرفة إلا منه ومنها
.
كانت حائرة , خجلة , مرتبكة
,
وحاولت أن تقول شيئا , وحاولت أن تنظر إليه فلم تستطع
.
ومضت فترة من الصمت و
قال بعدها في صوت خافت : - مبروك يا نوال
...
ولم تجب
.
وصمت قليلا و ثم
قال مرة أخرى
:
-
إنني سعيد جدا ... إنني أسعد رجل في العالم لأنكِ قبلتِ
الزواج مني
.
وبقيت صامتة
.
-
لماذا لا تجيبين ... ألستِ سعيدة مثلي ؟
وهزت رأسها بالإيجاب , فابتسم , وقال
:
-
ماهذا يا أبلة المديرة ؟ ... إنكِ
خجولة جدا .... .. وجميلة جدا أيضا
.
وأحست بالدماء تندفع حارة إلى وجنتيها
,
وبسرعة أخفت وجهها بكفيها
.
وضحك الشاب في سعادة , وقال وهو يبعد يديها برفق
:
-
هل تعلمين ...... أن الخجل يزيدكِ جمالا . وصمت قليلا ثم قال
:
-
لقد
أحببتكِ منذ رأيتكِ أول مرة , ولم أكن أعلم أنكِ جميلة إلى هذه الدرجة . وهزتها
الكلمة
....
-
رأيتني أول مرة ..... وهل رأيتني قبل الآن .. ؟
فقال في رقة
:
-
لا تندهشي هكذا , نعم رأيتكِ قبل الآن عدة مرات , وليس مرة واحدة
.
فقالت
متلعثمة
:
-
أين ... كيف ... أقصد أين رأيتني ... وكيف كان ذلك ؟
فقال
مداعبا
:
-
لا لن أخبرك , إن هذا سر , هل تودين معرفة أسراري هكذا ... ومنذ أول
لحظة ؟
-
أرجوك .... أرجوك أن تخبرني
.
-
حسنا ... وكم تدفعين ثمنا له ؟
-
أطلب ما تريد , إني طوع أمرك , وملك يمينك
.
ونظر إليها الشاب في حب , وظل
صامتا لفترة , ثم قال
:
-
لم يخدعني قلبي إذاً ... لقد عرفت عنكِ الكثير مذ
رأيتكِ لأول مرة
.
وأحست نوال بالخوف ... آه يا ربي ... قلبي يحدثني أنه أخطأ
....
إنه يتكلم عن إنسانة أخرى ... إنسانة أخرى يا نوال
وتنبهت على صوته وهو يقول :
- تعرفي أني أعمل مهندسا معماريا في البلدية , أنهيت دراستي في الخارج منذ
حوالي ست سنوات , وطوال هذه المدة لم تكف أمي يوما عن حثي على الزواج . ولم
أمانع أبدا . فقد كان لدي رغبة شديدة في الإرتباط بإنسانة رقيقة متزنة ,
تقاسمني أيامي , وتشاركني أفراحي وأحزاني , وتملأ حياتي حبا وسعادة .
وبحثت كثيرا , وسألت كثيرا , ورأيت الكثيرات , ولكني لم أعثر على ضالتي , ولم
تستطع أي واحدة منهن أن تقنع قلبي وعقلي معا . حتى يئست أمي , وكدت أيأس انا
أيضا , حتى أني تركت الموضوع جانبا , ولم أعد أفكر فيه إطلاقا .
ومنذ أسابيع قليلة , ذهبت مع بعض العمال لمعاينة منزل متهدم آيل للسقوط , قبل
إزالته , وكان قد أخلي من سكانه منذ مدة طويلة , وكذلك لفحص المباني المجاورة
لمعرفة مدى تحملها للإهتزازات الناتجة عن الهدم .
وبعد أن انتهيت من الأدوار السفلى , صعدت إلى أعلى بمفردي لفحص السطح سريعا قبل
مغادرة المنزل .
وما أن هممت بالدخول حتى سقط شيء أشبه بحجر صغير فوق ثوبي , وعندما التقطته ...
دهشت ... فقد وجدته قطعة جبن .
ونظرت من بين الأنقاض ... وهناك رأيتكِ لأول مرة في حياتي .
وتواريت سريعا , وأخذت أراقبكِ وأنتِ لا تدرين .
كنتِ تقفين في نافذة المدرسة المجاورة , تراقبين الفئران الصغيرة باهتمام شديد
, وتقذفين إليها بين حين وآخر بقطع الجبن , وبعد قليل دخلتِ وأغلقتِ النافذة من
خلفكِ .
وقفت مذهولا ... لا أصدق ما أرى .
هل هذا معقول ؟! .... هل يمكن أن تكون هناك إنسانة رقيقة إلى هذه الدرجة , إلى
درجة أن تشفق على الفئران ... .... الفئران ... ؟ ! .
وغادرت المكان والحيرة تتملكني , ولم أستطع أن أتوقف عن التفكير فيكِ طوال
اليوم والأيام التالية .
وسألت عنكِ ....
عرفت أنكِ مديرة المدرسة , وأنكِ ناجحة في عملكِ , وأنكِ من عائلة طيبة . ولكن
العجيب في الأمر أن جميع الناس اتفقوا على أنكِ قاسية القلب , عديمة الإحساس ,
جامدة الشعور , مما زاد حيرتي ز
وقررت الذهاب مرة أخرى لرؤيتكِ .....
ولعدة أيام , كنت أقف بين الأنقاض أراقبكِ خفية وأنتِ لا تشعرين . كنت أتعجب
وأنا أراكِ تطعمين الفئران الصغيرة ووجهكِ ينطق بحنان ورقة بالغة , وأحيانا كنت
تشردين بعيدا ويكتسي وجهكِ مسحة من الحزن , وتطل من عينيكِ نظرة تصل إلى أعماق
قلبي .
وفي يوم ... وقفت أنتظر خروجكِ إلى النافذة وطال انتظاري , وهممت بالإنصراف .
وفجأة رأيتكِ تندفعين إلى النافذة في انفعال شديد , وأخذتِ تضغطين على إطارها
بيديكِ , ووقفتِ هناك للحظات تحاولين أن تخفي انفعالكِ وأن تحبسي دموعكِ , فلم
تستطيعي ... وفرّت الدموع من عينيكِ رغما عنكِ ...
وفرّت الدموع من عيني رغما عني ... وعرفت أني قد أحببتكِ .
نعم يا نوال ... أحببتكِ , أحببتكِ من كل قلبي . أحببت شفافية نفسك , وهذه
الرقة النابعة من أعماقكِ , هذه الرقة التي تحاولين دائما إخفاءها . أحببتكِ
لأنكِ تملكين قلبا صافيا مرهفا رقيقا , في زمن امتلأت فيه القلوب بالأحقاد
والقسوة والشرور , وخدعتنا فيه الكلمات والضحكات والدموع الزائفة .
وصمت قليلا , ونظر إليها :
- نوال ... لماذا تبكين يا حبيبتي ؟
فقالت في صوت خافت حزين :
- لقد تعبت ... تعبت كثيرا وأنا أحاول إخفاء حقيقة نفسي عن الناس , لماذا ....
لماذا أحببتني يا سامي , لماذا أحببت إنسانة ضعيفة مثلي ؟
- إنكِ انسانة رقيقة , ولست انسانة ضعيفة
- ولكن الرقة ضعف .
- من قال لكِ هذا ... ان الرقة قوة وليست ضعفا , إن أقسى القلوب تلين أمام
رقتكِ وصدق مشاعركِ
- ولكن الناس لا ترحم , إن القلوب الرقيقة تدوسها الأقدام ...
- أبدا ... أبدا ... إن الناس , جميع الناس يحبون ذوي القلوب الرقيقة والمشاعر
الصادقة . ومحبة الناس قوة .
وصمتت الفتاة .... كانت تجلس مستسلمة . فلأول مرة منذ أعوام طويلة أحست بسكينة
وهدوء يملأ قلبها .
وانهمرت دموعها غزيرة على وجنتيها .... وقال الشاب وهو يربت على كتفيها :
- نوال ... أرجوكِ ... لا أحتمل أن أرلكِ تبكين .
ونظرت الفتاة إليه طويلا ... لماذا يا سامي ... لماذا لم تأتِ قبل الآن ... لقد
انتظرتك طويلا
ومضى الوقت سريعا وانتهى الحفل , وانصرف الجميع ..... وبقيت نوال جالسة في
مكانها ... وانهمرت دموعها في صمت .
وبعد قليل ... اندفعت من مكانها فجأة ... وأخذت تبحث عن أباها في أرجاء البيت ,
حتى وجدته , وارتمت في أحضانه , وأخذت تقبله وتبكي :
- إني أحبك يا أبي ... أحبك من أعماق قلبي ..
واحتضنها الرجل في حب , وأخذ يمسح شعرها في حنان , وقال وقد امتلأت عيناه
بالدموع :
- أعرف هذا يا ابنتي .... كنت أعرف هذا طوال الوقت ... وأنا أيضا أحبكِ يا نوال
... أحبكِ من أعماق قلبي .
" عندما كنتُ طفلة صغيرة يا ابنتي , أحضر لي أبي يوما قطعة من الزئبق , وضعها
في زجاجة صغيرة مغلقة بإحكام لألهو بها , وقال لي :
- تيما .... لا تفتحي هذه الزجاجة أبدا , حتى لا ينزلق منها الزئبق .
- ولكني أريد أن أضعه في يدي .... أريد أن أمسك به يا أبي .
- لن تستطيعي هذا يا ابنتي , سوف ينزلق إلى الأرض , ولن تستطيعي جمعه مرة أخرى
.
ولم أصدق ...
كانت لدي رغبة شديدة في أن أمسك بقطعة الزئبق الفضية , كنت أراقبها طول الوقت
وهي تتلاعب وتتراقص على جدار الزجاجة , وتتكسر وتتجمع سريعا مرة أخرى , فأتعجب
لها , وتزداد رغبتي في الإمساك بها .
وفي يوم , وفي غفلة من أبي , فتحت الزجاجة , وبحرص شديد وضعت الزئبق في كفي
وأخذت أراقبه في سعادة للحظات .
وبعد قليل , أردت أن أتحسسه بيدي الأخرى , وما أن وضعت إصبعي فوقه , حتى انزلق
فجأة على الأرض , وتناثر إلى قطع صغيرة هنا وهناك .
وصرخت , وأخذت في البكاء , وحضر أبي مسرعا .
- ألم اقل لكِ يا تيما ... لا يستطيع أحد الإمساك بالزئبق يا ابنتي .
ومضى أبي يحاول أن يجمع قطع الزئبق المتناثرة من على الأرض , ويعيدها إلى
الزجاجة مرة أخرى , حتى استطاع أن يجمع جزءا لا بأس به . ثم أحضر قطعة معدنية
قديمة , ووضع عليها الزئبق , وأخذ يدعكه بعناية شديدة , حتى أصبحت القطعة
الصدئة لامعة , وكأنها قطعة من الفضة .
- خذي يا تيما ... يمكنكِ الآن الإحتفاظ بها . إنها الطريقة الوحيدة التي
تتمكنين بها من الإمساك بالزئبق , وبعد مدة عندما يذهب لونها , سأحضر لكِ قطعة
أخرى من الزئبق لأعيد للمعدن بريقه .
وهكذا السعادة الحقيقية يا ابنتي ... مثل قطعة الزئبق ... إن لها بريقا يخطف
الإبصار , ويسلب العقول , كلنا نسعى إليها ونحاول الإمساك بها دون فائدة .
علينا فقط أن نراقبها من بعد , ونحلم بالوصول إليها , ونكتفي بالقدر القليل
منها , ليعطي البريق لنفوسنا الصدئة بين حين وآخر ز
- أخبرتكِ يا ابنتي أنني قضيت في المستشفى ثلاثة أشهر لعلاج الكسور , ثم نقلت
بعد ذلك إلى مصح للأمراض العصبية . قضيت هناك فترة طويلة , وحالتي تزداد سوءا ,
فقد كانت لدي رغبة شديدة في التخلص من حياتي . عشت أياما طويلة تحت تأثير
الحبوب المنومة , والإبر المخدرة , وحاول الأطباء تهدئتي بشتى الطرق دون فائدة
. حتى استطاع طبيب شاب في النهاية أن يقنعني بالشفاء لأتكمن من السفر لرؤيتكِ ,
وسهل لي الأمر لدرجة أحيت الأمل في نفسي مرة أخرى , وبعثت الحياة والقوة إلى
جسدي , وما هي إلا أيام حتى غادرت المكان نهائيا .
اتجهت من فوري إلى بيتي , وقررت أن أبيع كل ما أملك , حتى أثاث البيت , لأحصل
على المال اللازم للسفر .
وفوجئت أن البيت يسكنه أناس آخرون , وعلمت بعد ذلك أن اللصوص قد سطوا عليه ,
فقد تركته بدون حراسة أو رعاية لمدة طويلة , كما أن صاحبه استصدر أمرا لإخلائه
بحجة أن المستأجر قد غادر البلاد إلى غير رجعة , وأن زوجته اختفت ولا يدري عنها
أحد شيئا . وقام تنكو دمنهوجي بتسلم باقي الأثاث ومحتويات البيت , وتعهد
بالإحتفاظ بها لحين عودتي .
وذهبت إليه ...
وعندما رآني الرجل لم يصدق نفسه , وصاح من شدة المفاجأة :
- تيما ... أهذا أنتِ ؟ أين كنتِ طوال هذه المدة ؟ لقد ظننت أنكِ قد هلكتِ
أيتها الشقية . حمدا لله على سلامتكِ . تعالي ... تعالي إلى الداخل لتستريحي
وتروي لي كل شيء .
وقبل أن أفتح فمي كان قد اصطحبني من يدي إلى الداخل في مودة شديدة , ونادى على
زوجته .
وما أن هممت بالحديث , حتى انخرطت في البكاء .
وظل الرجل صامتا لا يدري ما يقول , وأخذ يراقبني في حزن شديد , وقلت وأنا أشهق
بدموعي :
- أرجوك يا سيدي ... إن كنت تحب الله والرسول ساعدني لأذهب إليها .
فقال الرجل وقد أشفق لحالي :
- هوني عليكِ يا تيما ... سوف أساعدكِ قدر استطاعتي , أقسم أني سوف أساعدكِ ,
فقط هوني عليكِ ... هوني عليكِ يا تيما ز
- أرجوك إذاً أن تبيع ما تبقى لدي من أثاث , وتشتري بثمنه تذكرة للسفر لبلاد
الحجاز , إني على استعداد للسفر بأية وسيلة , حتى لو اضطررت للوقوف طوال أيام
الرحلة فوق صاري السفينة . أرجوك يا سيدي , إن قلبي يحترق لوعة عليها .
- أعرف هذا يا تيما ... أعرف هذا , سأفعل ما تطلبين , وسوف تذهبين إليها قريبا
إن شاء الله .
وهدأت نفسي قليلا .
وجلست معهما فترة قصيرة , واستأذنت في الذهاب لأرى أبي وجدتي , على أن أعود بعد
أسبوع يكون خلالها قد أتم إجراءات السفر .
وتوجهت من فوري إلى القرية .
وما أن رأتني جدتي حتى شهقت , وأخذت تحملق في وجهي ذاهلة , وبسرعة اندفعت إليها
وارتميت بين أحضانها , وأخذت في البكاء من جديد .
واحتضنتني جدتي في لهفة , وأخذت تقبل رأسي في حنان وهي تتمتم : الحمد لله ...
الحمد لله ...
ولم يلبث أبي أن عاد من الخارج ...
وقف عند باب الغرفة جامدا , ينظر إلي , وكأنه لا يصدق نفسه , وسقط السمك من بين
يديه , وتناثر على الأرض .
- تيما .... يا ابنتي الحبيبة , كدت أيأس من عودتكِ مرة أخرى .
بدا أبي نحيلا ... ذابلا .... شاحبا , وكأنه خرج من القبر .
وجلس إلى جانبي يحدثني , وأنا لا أسمع شيئا مما يقول , من شدة حزني عليه ,
قاتلك الله يا ألنتو .
وطهوت الأرز والسمك , وجلسنا نأكل سويا ... ونظرت إلى نفسي , وإلى أبي وجدتي ,
وأحسست بحزن شديد يجثم على صدري و أنفاسي .
ثلاثتنا مثقل بالهموم ... شارد الذهن ... يزدرد الطعام ازدرادا .
وفي الأيام التالية , لم أغادر الغرفة مطلقا , وكنت أتحدث إلى جدتي طوال الوقت
, ورويت لها كل ما حدث . وشجعتني على السفر , وقالت لي :
- يجب عليكِ أن تذهبي إليها يا تيما ... لا تقلقي من أجلي , أو من أجل أبيكِ ,
لقد تغير سراج الدين كثيرا في غيابكِ , وبعد رحيل المرأة التي أحضرها السيد
لخدمتنا , أصبح يطهو الطعام ويغسل الثياب ويقوم على خدمتي . حقا إنه يتحرك
كالآلة , لا يتكلم ولا يضحك ولا يبتسم , ولكنه يرعاني على كل حال . وعندما
تتحسن أحوالك هناك , يمكنكِ العودة لرؤيتنا , أو يمكنكِ أن ترسلي إلينا لنذهب
إليكِ . ألا تريدين لجدتكِ العجوز أن تحج إلى بيت الله قبل أن تموت يا تيما .
وفي نهاية الأسبوع , ذهبت لمقابلة تنكودمنهوجي
أحسست بفرحة غامرة , وأنا أمسك بجواز السفر والتذكرة في يدي .
أخيرا سوف أتمكن من رؤيتكِ يا إسلام يا حبيبتي , بعد خمسة وعشرين يوما سوف أضع
قدمي على السفينة لتحملني إليكِ يا صغيرتي .
وعدت مرة أخرى إلى القرية , وأخذت أعد الساعات , وأتعجل الأيام . وأحمد الله
كلما مر نهار أو انقضى ليل .
وشغلني التفكير فيكِ عن أي شيء آخر .
وفي يوم ... وكان قد بقي على موعد السفر ثلاثة أيام , أعددت الطعام , وناديت
على أبي ليأكل معنا ... فلم يجب .
فقالت جدتي : - قومي إليه يا تيما وانظري ما به , إنه لم يتذوق الطعام منذ
يومين .
وانقبض صدري ...
كيف لم أنتبه إلى ذلك , كيف شغلت عنه إلى هذه الدرجة , إنه بالفعل لم يتناول
الطعام , ولم يغادر الغرفة منذ يومين أو أكثر .
وبسرعة قمت إليه وجلست إلى جوار فراشه ونظرت إليه .
كان مغمض العينين , يتنفس ببطء . ووضعت يدي فوق جبهته ... يا إلهي ... لقد كان
محموما ...
وهززته برفق :
- أبي .... أبي ... ماذا بك ؟ ... أجبني .. ؟
وفتح عينيه ببطء ... كان لونهما أصفر كقشر الليمون , ونظر إلي , وعاد وأغلقهما
من جديد وقال في صوت ضعيف :
- برفين يا حبيبتي ... ها قد عدتِ أخيرا ... برفين يا حبيبتي .
وجف حلقي من شدة الرعب ...
وبسرعة انطلقت إلى بيت سوهارتو وطلبت منه أن يحضر الطبيب
وحضر الطبيب .... نفس الطبيب العجوز الذي قام بعلاج أمي في مرضها الأخير , لم
يتغير الرجل وكأني أراه منذ عشر سنوات .
وبعد أن فحص أبي سريعا , أخبرني أنه مصاب بمرض الصفراء , وأن حالة الكبد سيئة
للغاية و نتيجة إدمانه للخمر .
ونقل أبي إلى المستشفى ....
وتحطم أملي في أن أراكِ سريعا يا إسلام ...
وحاولت جدتي أن تقنعني بالسفر , وقالت أن وجودي إلى جانب أبي لا لزوم له , وأن
المستشفى سيقوم برعايته على أكمل وجه . وحاولت أن تقنعني أيضا بأنها في غير
حاجة إلي و وأنها لن تعدم أحدا يقوم على رعايتها .
ولكني لم أقتنع ... فكيف لي أن أتركهما ... كيف ؟
إنها جدتي ... عجوز ضعيفة , أعرف أنها في أشد الحاجة إلى رعايتي لها ز
وهو ... إنه أبي ... إنسان مريض ممزق النفس , لقد أحبني دائما , ولم يسيء إلي
في يوم بقدر ما أساء إلى نفسه ... ولم يكن لدي بديل للصبر .
وقررت تأجيل السفر قليلا حتى يتم شفاء أبي , وأخذت أذهب لرؤيته كل يوم . وأقوم
على خدمة جدتي ورعايتها , وعدت للعمل في المقهى ...
عدت للعمل في المقهى , وعدت لرذالة ألنتو وصفاقته .
بمجرد أن رآني , نظر إلي في وقاحة وقال
- أهلا بكِ يا تيما .... لقد كبرتِ وأصبحتِ أكثر أنوثة عن ذي قبل .
وتظاهرت بأني لم أفهم شيئا , وقلت وأنا أنظر إليه خفية :
- كيف حال زوجتك يا ألنتو ... لقد اشتقت إليها كثيرا , إنها امرأة قوية , وسوف
أذهب لزيارتها قريبا . وتغير وجهه سريعا , وقال متلعثما :
- إنها بخير , وسوف تسعدها زيارتكِ يا ...... ابنتي
وعادت حياتي لسيرتها الأولى , ولكني لم أعد كما كنت , وتذكرت كلام جدتي يوم أن
تقدم أبوكِ للزواج مني : " أرجو هذا يا ابنتي .... أرجو أن يكون أميرا بالفعل ,
وليس صقرا , جاء ليبتلع الحمامة الوديعة "
نعم يا جدتي .... لقد كان صقرا شرسا , بل أشد شراسة من جميع الصقور , لأنه لم
يبتلع فريسته , وإنما أنشب مخالبه في جسدها , وتركها دون رحمة بين الحياة
والموت .
لقد قتلني فراقكِ يا إسلام , قتلني يا ابنتي ... كنت أموت في اليوم مائة مرة ,
وأنا أحترق شوقا إليكِ , وأتمزق لهفة عليكِ .
وعندما أخلو لنفسي , أظل أبكي وأبكي وأبكي , وأضرب وجهي , وأصب الماء البارد
على رأسي وصدري , وأرفع يدي إلى السماء , أطلب من الله الصبر .... أو الموت .
قضى أبي في المستشفى , عدة أسابيع قبل أن يسمح له الأطباء بالعودة إلى البيت .
أصبح هشا كورقة الخريف الجافة . وتفانيت في رعايته , والعناية به , وأخذت
أراقبه دوما حتى لا يعود إلى شرب الخمر مرة أخرى فيقتل نفسه .
وتحسنت صحته تدريجيا , ولكنه ظل ضعيفا لا يستطيع الإعتماد على نفسه كلية .
ومرت الشهور .... ومرت السنون بطيئة كئيبة .
ولم أعد أحتمل , وفكرت جديا في السفر , ولكن أين المال ... ؟ أين المال يا تيما
... أين المال أيتها الغبية , ألم تفكري في هذا , لقد بعتِ أثاث بيتكِ من قبل ,
والآن ... ماذا لديكِ لتبيعينه , لا شيء ... لا شيء على الإطلاق .
وفكرت كثيرا في وسيلة أستطيع بها أن أوفر بعض المال , حتى اهتديت لها ... إنه
التطريز بالإبرة , نعم .... لقد علمتني جدتي هذا الفن في صغري حتى أجدته ,
فلماذا لا أستفيد منه الآن ...
وهكذا كنت أقضي أوقات فراغي , وجزءا من الليل في تطريز المفارش واللوحات وملابس
الأطفال , وأذهب إلى السوق في نهاية الأسبوع لأبيعها بثمن قليل , وكلما تجمع
لدي مبلغ من المال , أحسست أني أقترب منكِ خطوة , ويضيء الأمل في صدري , وأزداد
حماسا للعمل , حتى أصبحت لا أنام إلا ساعات قليلة .
ويبدو أن انشغالي قد أعطى الفرصة لأبي ليعود إلى سيرته الأولى في شرب الخمر مرة
أخرى في غفلة مني , حتى نبهتني جدتي لذلك , وحاولت كثيرا أن أمنعه دون فائدة .
وبدأت صحته تتدهور مرة أخرى .
وفي يوم عاد في المساء وارتمى على فراشه , واستغرق في نوم عميق .
وفي اليوم التالي , لم يتناول الطعام , وقال أنه يشعر بتعب قليل , فصنعت له
قليلا من حساء السمك , وجلست إلى جواره أحاول أن أقنعه بأن يشرب منه شيئا ,
فقام مرغما , وعاونته على الجلوس في الفراش بصعوبة , وقال وهو يضع يده على صدره
:
- تيما .... إن لدي رغبة في أن أفرغ ما في جوفي ....
وقبل أن يكمل الكلمة , كانت الدماء قد اندفعت من حلقة وأنفه غزيرة , وفي لحظة
واحدة , أصبح المكان من حوله بركة من الدماء .
واندفعت إلى باب الغرفة وفتحته , ووقفت أصرخ حتى كدت أفقد وعيي .
ونقل أبي إلى المستشفى مرة أخرى في حالة أسوأ من ذي قبل .
وسمح لي الأطباء بالبقاء معه . وظل أبي غائبا عن الوعي أغلب الوقت , وكلما أفاق
إلى نفسه فتح عينيه ونظر من حولي وسألني : - تيما ... ألم أذهب إلى برفين بعد
... ؟ دعوني أذهب إليها , لم أعد أحتمل ... لم أعد أحتمل .
وكنت أجلس إلى جواره طوال الوقت ... أبكيه في صمت .
كنت أتمزق ألما وأنا أراه مسجى أمامي , أصفر اللون , بطنه منتفخة , وتنبعث منه
رائحة كريهة للغاية .
أسابيع طويلة لا أدري كيف مرت , وحالته لم تتحسن إطلاقا .
وفي يوم , عاوده النزيف من جديد ... وضجت المستشفى .
كان هناك العديد من الأطباء والممرضين , فحصوه مائة مرة , وحقنوه مائة مرة ,
وأدخلوا في أنفه أنبوبا جلديا طويلا , وأصبح المكان من حوله لا يخلو دقيقة
واحدة , ووضع تحت رعاية صحية شديدة .
وبعد ثلاثة أيام , أسرعت الممرضة , واستدعت الطبيب ... وحضر مسرعا , وقام بفحصه
, وظهر على وجهه الإنزعاج , وبعد قليل , أبعد جهاز الحقن منه , وأخرج الأنبوب
من أنفه , وجذب غطاء السرير الأبيض فوق وجهه .
ولم أفهم ...
ووقفت بجانب الطبيب , أنظر إليه متسائلة , فأمسك بكتفي وقال بهدوء شديد : -
تمالكي نفسكِ يا سيدتي , إن البقاء لله وحده .
واقتربت من سريره في ذهول , وأزحت الغطاء عن وجهه , وأخذت أنظر إليه ... بدا
هادئا , مستسلما , وعلى شفتيه شبه ابتسامة .
وجلست إلى جواره , وأمسكت بيده الحبيبة , أحسست به يضغط على يدي برفق .... ولا
أدري لماذا تذكرته لحظتها وهو يقول : - تيما ... إنكِ طفلة ذكية , وأنا أحبكِ
كثيرا , وسوف تصبحين يوما عالمة كبيرة , وعندها سوف أبني لك مدرسة خاصة تحمل
اسمكِ , فيأتي الناس من جميع القرى المجاورة ليتعلموا أصول الدين على يديكِ .
وهاجت نفسي ... ولم أحتمل ... فاحتضنت وجهه أقبله وأبكي .
عدت إلى القرية وحيدة حزينة , ولم تفارقني الدموع طوال الطريق .
وحاولت أن أتمالك نفسي قبل أن أدخل الغرفة .
كانت جدتي تجلس في فراشها كعادتها وقد أمسكت بسبحتها , وما أن رأتني حتى سألتني
: - هل عدتِ يا تيما ... لقد تغيبتِ كثيرا , كيف حال سراج الدين ؟
وانخرطت في البكاء وقلت لها : - لقد مات أبي يا جدتي ... مات أبي ... واندفعت
إلى الداخل , وارتميت على فراشه , أبكيه في لوعة .
ونظرت إلى جدتي .... كانت تجلس في هدوء , وتعبث في سبحتها , وكأنها لم تسمع
شيئا .
- جدتي ... ألم تسمعي ؟ لقد مات أبي .
ولم تحرك ساكنا ... واستمرت في جلستها الهادئة وكأن الأمر لا يعنيها .
فاندفعت إليها .... وأمسكت بكتفيها , وهززتها بعنف : - جدتي .... لقد مات ولدكِ
... مات سراج الدين ... أفلا تبكيه , ألا تبكين ولدكِ يا جدتي , ماذا حدث لكِ
... هل تحجر قلبكِ ؟ !
ورفعت جدتي عينيها ببطء , ونظرت إلي في هدوء وقالت :
- ولماذا أبكيه .... ؟
- قلت لكِ لقد مات ... لقد مات ...
فصمتت قليلا , ونظرت إلى الأرض , ثم قالت وهي تدفعني برفق بعيدا عنها : - لقد
مات ولدي منذ سنوات بعيدة .... فلماذا أبكيه اليوم , لقد مات سراج الدين يوم
قتل برفين , مات يوم أن بدأ يشرب الخمر يا تيما ... مات يوم أن بدأ يشرب الخمر
. لقد بكيته يومها طويلا ... طويلا , فلماذا أبكيه الآن .... لماذا , لماذا
تريدين مني أن أبكي على جثة فارقتها الحياة منذ زمن طويل ؟!
ونظرت إلي وقالت في انفعال شديد : - لا تبكيه يا ابنتي .... لا تبكيه أبدا ,
يجب أن تسعدي من أجله .
وتنهدت وهي تقول :
- نعم يا ابنتي .... يجب أن تسعدي من أجله ..... فقد استراح سراج الدين أخيرا
ألم أقل لكِ يا ابنتي من قبل .... ليس هناك بديل للصبر ..
فبوفاة أبي , انقطع الأمل من جديد , وانطفأ بصيص النور الذي كان يضيء في صدري ,
ويساعدني على احتمال حياتي , ويساعدني على الصبر .
وخلت الغرفة إلا مني ومن جدتي . حاولت كثيرا أن تسري عني فلم تستطع . وحاولت
كثيرا أن اخفي عنها أحزاني فلم أستطع .
وعادت تلح , ونحاول إقناعي بالسفر وقالت لي يوما :
- تيما ... لقد مضت سنون طويلة منذ وفاة والدكِ .... ولم أمت بعد يا ابنتي .
- لا تقولي هذا يا جدتي مرة أخرى
- إنها الحقيقة يا ابنتي , يبدو أنني لن أموت سريعا , أرجوكِ يا ابنتي , إن
كنتِ تحبينني حقا , سافري واتركيني في دار العجزة .
وصحت فيها :
- جدتي ... قلت لكِ مائة مرة ألا تتفوهي بمثل هذا القول .
- إذا.... اتركيني هنا وارحلي , وسوف أدبر أمري بنفسي .
- جدتي ... وبعدها معكِ
- إذا .... سوف أجلس عند زوجة سوهارتو حتى ...
- جدتي ... إن لم تكفي فسوف أترك الغرفة وأجلس في العراء .
وصمتت على مضض , وأحسست بها تبكي بصوت خافت .
وتألمت لحالها , فقمت إليها , وجلست بجانبها , وأخذت أربت على كتفيها :
- جدتي .... ألا تحبينني ...؟
- وكيف لا يا ابنتي .
- فكيف تصبرين على فراق ابنتكِ ... ولا أصبر أنا على فراق ابنتي .
- سأصبر يا ابنتي ... سأصبر , فقط أرجوكِ أن ترحلي , صدقيني إني أتمنى الموت في
اليوم مائة مرة حتى لا أكون العائق الوحيد الذي يمنعكِ من السفر إليها .
- لا تقولي هذا يا جدتي ... إني أحبكِ بقدر محبتي لإسلام ... وقد فكرت كثيرا ,
ووجدت أن أفضل حل لنا هو أن نسافر معا يا جدتي , بشيء من الصبر والجهد سوف
أتمكن من جمع المال اللازم .
- لن تستطيعي هذا يا ابنتي , لقد ارتفعت تكاليف السفر في السنوات الأخيرة
وتضاعفت .
- لا عليكِ سأدبر أمري .
ومرة أخرى انهمكت في التطريز والحياكة بحماس شديد . وأخذت أجمع المال قليلا
قليلا , وأضع الروبية فوق الأخرى .
وفكرت كثيرا في أن أترك العمل في المقهى , وأبحث عن عمل يدر علي دخلا أكبر فلم
أستطع . وقررت أن أستعين بتنكو دمنهوجي . وذهبت لزيارته في اليوم التالي . جلست
أنتظر فترة طويلة عند المدخل , حتى جاء الرجل .
بدا حزينا , مهموما إلى درجة كبيرة , وسألني :
- كيف حالكِ يا تيما ... اعذريني يا ابنتي , فقد مضت فترة طويلة لم أتمكن فيها
من زيارتكم , لقد شغلتني ابنتي الصغيرة مريم حتى عن نفسي .
وسألت في لهفة :
- هل هي مريضة ...؟
- أولا تدرين .. ؟ إنها مريضة منذ فترة طويلة . ولم يعرف الأطباء حتى الآن
حقيقة مرضها , لقد أصبحت ضعيفة هزيلة , أخشى أن أفقدها في يوم قريب يا تيما
- لا تقل هذا يا سيدي بالله عليك .
- إنك لا تعرفين شيئا يا تيما ... لقد أصبحت على ضعفها هذا عصبية إلى درجة
كبيرة , وبالذات في معاملة الخدم , هل تصدقين أن الخادم لا يمكث في بيتنا أكثر
من أسبوع واحد . لقد أصبحت غريبة الأطوار , ليتني أستطيع أن أعرف ما بها .
- هل لي أن أراها يا سيدي لحظة لأطمئن عليها .
وقادني الرجل إلى الطابق العلوي , وأدخلني غرفتها , وتركني معها قليلا .
كانت الطفلة في حوالي التاسعة من عمرها , ضعيفة , شاحبة , كل ما حولها ينطق
بالرفاهية والثراء , لم يكن يبدو أن هناك شيئا ينقصها , ومع ذلك بدت الطفلة
حزينة إلى حد بعيد .
واقتربت منها , وجلست إلى جوارها , وأخذت أتطلع إليها ...
وتذكرتكِ لحظتها ... فانهمرت دموعي رغما عني . أحسست بشوق شديد , ولهفة عليكِ
فما أدراني ... ربما كنتِ يا صغيرتي في حاجة إلي الآن ... في حاجة إلى وجودي
بجانبكِ , ربما كنتِ حزينة أو مريضة , ولا أحد يرعاكِ . آه يا إسلام يا حبيبتي
.....
ونسيت نفسي , ونسيت الطفلة , وأخذت أفكر فيكِ وأبكي .
وبعد قليل أحسست بيد صغيرة تربت على كتفي .
- ما بكِ .... لماذا تبكين ...؟
ورفعت رأسي , وتطلعت إليها ... كانت في عينيها نظرة حزينة قلقة . وقلت من خلال
دموعي :
- لا شيء ... لا شيء ... لا عليكِ مني , أخبريني كيف حالكِ يا صغيرتي ؟
- إنني بخير ... ولكن لماذا تبكين .. ؟
فقلت في أسى شديد : - لقد تذكرت ابنتي ...
وهل لكِ ابنة ... وأين هي ... ماذا حدث لها .. ؟
- نعم ... إن لي ابنة صغيرة , جميلة , أخذها أبوها إلى بلاد بعيدة منذ عدة
سنوات , وتركني أتألم وأحترق شوقا إليها ز
- يا لكِ من مسكينة , ولكن أخبريني ... أو تحبينها إلى كل هذه الدرجة ... ؟
- وكيف لا أحبها ... ؟ إنها ابنتي , إنها قطعة من فؤادي , هل هناك أم لا تحب
ابنتها ... ؟
- نعم .... إن أمي لا تحبني .
وأزعجتني هذه الكلمة ....
- لا تقولي هذا يا صغيرتي , إنكِ مخطئة بغير شك , إن أمكِ تحبكِ كل الحب .
فتنهدت الطفلة وقالت في حزن :
- أبدا ... أبدا .... إن أمي تحب أن تضع المساحيق , وأن تخرج للنزهة ! ولكنها
لا تحبني , ليتني كنت ابنتكِ .
وأشفقت لأجلها , فاحتضنتها بين ذراعي , فأخذت في البكاء ...
مضت ساعات طويلة وأنا أتحدث إليها وتتحدث إلي , وأنست الطفلة لوجودي معها ,
وهدأت نفسها , وأبت أن تفارقني إلا بعد أن وعدتها بأن أحضر في اليوم التالي
لزيارتها .
ولم يصدق تنكودمنهوجي نفسه من فرط السعادة , وقال وأنا أهم بالرحيل :
- تيما ... لماذا لا تبقين معنا ... من أجل مريم ؟
- إنني أتمنى هذا من كل قلبي يا سيدي , ولكن تعلم أن لدي عمل في المقهى .
- سوف أعطيكِ ضعف الأجر الذي تأخذينه هناك , فقط أرجوكِ أن تبقي بجوار مريم .
وهكذا تركت العمل في المقهى . وأوصيت زوجة سوهارتو أن ترعى جدتي أثناء النهار
في غيابي , وحملت المال الذي استطعت أن أجمعه في السنوات الأخيرة , وأودعته في
خزينة المقهى الحديدية , وأخذت إيصالا به من ألنتو .
وطاب لي العيش في بيت تنكو دمنهوجي . فقد أحببت الطفلة كثيرا , وأحبتني هي أيضا
, وتعلقت بي , وأصبحت لا أفترق عنها إلا عندما أهم بالإنصراف مساء . وبمرور
الوقت , تحسنت صحتها كثيرا , وأقبلت على الطعام , وعادت لدراستها , وعادت
لمرحها .
كانت طفلة رقيقة لأبعد الحدود , افتقدت حنان أمها طويلا , ولم تجد هناك بدا من
ادعاء المرض حتى ترغمها علىالبقاء إلى جوارها .
كانت في حاجة إلى حنان وحب حقيقي ... وجدته عندي أخيرا ...
وأحسن تنكودمنهوجي معاملتي , وأجزل لي العطاء , أما زوجته فقد تركت لي البيت
أديره كيفما أشاء , وانطلقت هي في سهراتها لاهية عن زوجها , وأولادها وابنتها .
ومرت الشهور ... والسنون , عشت خلالها كفرد من الأسرة , واستطعت أن أنظم حياتهم
, وأصبح الجميع يعتمدون علي كلية , ولا يستطيعون الإستغناء عني , وخاصة الصغيرة
مريم . كنت سعيدة لوجودي معهم , وسعيدة لأني استطعت ان أجمع مبلغا يساعدني في
الوصول إليكِ .
وقررت استعادة المال من ألنتو حتى أستطيع شراء تذاكر السفر في وقت قريب .
عندما عدت في المساء أخذت الإيصال وذهبت إلى المقهى .
كان المكان مزدحما على غير عادته , وكان ألنتو يقف إلى جانب حامل خشبي طويل ,
وقد أمسك بمصباح بين يديه , وانهمك في إصلاحه , وتغيير فتيله , ومحاولة إشعاله
.
واقتربت منه وقلت بصوت خافت :
- ألنتو .... أرجو أن تعطيني النقود التي استودعتها عندك .
ونظر إلي بحقد , وقال :
- وأين الإيصال ... ؟
فأخرجت الإيصال , وأعطيته إياه , فأخذه سريعا , وتركني ودخل غرفة قريبة . وجلست
على أحد المقاعد انتظره . وعاد بعد قليل واتجه إلى الحامل , وانهمك في إصلاح
المصباح وكأن شيئا لم يكن . وتعجبت له ولم أفهم سر تصرفه . وقمت إليه وسألته :
- ألنتو ... أين المال .... ؟
ونظر إلي وكأنه لم يرن من قبل ....
- أي مال هذا الذي تتحدثين عنه ... ؟
وأحسست بالخوف وقلت له : - المال الذي استودعته في خزانتك , ألم أعطك الإيصال
منذ قليل ؟
وصاح في وجهي : - إيصال .... ؟ أي إيصال هذا ... ؟ إنني لم آخذ منكِ شيئا ولم
تعطني شيئا , وهل جئتِ لتسرقي مالي .. ؟ أغربي عن وجهي أيتها اللصة .
والتفت جميع من بالمقهى يتطلعون إلينا في فضول شديد . وأحسست بالدماء تندفع إلى
رأسي من شدة الغضب , ووقفت أنظر إليه للحظات مذهولة , ثم اندفعت إليه وأمسكت
بثوبه وصحت فيه :
- ألنتو ... أيها الخائن الجبان ... هل عدت لألاعيبك القذرة .
فدفعني بقوة بعيدا عنه وهو يقول ك
- قلت لكِ ابتعدي عني ... أقسم أنني لم آخذ منكِ شيئا .
وجن جنوني ... واندفعت إليه مرة أخرى وأنا أشعر برغبة شديدة في قتله :
- أو تقسم على هذا أيضا ...... يا لك من كاذب ... يا لك من جبان .... فليحرقك
الله في ناره .... فلينتقم الله منك ومن أفعالك القذرة , إعطني المال وإلا
قتلتك أيها الكلب الحقير .
وتجمع الناس من حولنا , واستطاع بعض الخدم أ، يبعدوني عنه و وأنا أصيح وأبكي في
جنون .
ووقفت عند باب المدخل أصرخ بأعلى صوتي :- يا الله .... إنتقم منه .... احرقه
بنارك ... لقد أحرق قلبي .... أحرق قلبي ... انتقم منه يا الله ... احرقه في
نارك .... لينتقم الله منك يا ألنتو .... لينتقم الله منك ....
وأحسست في لحظتها أن آمالي كلها قد انهارت , فقد سرق المال ... وسرق مني رؤيتكِ
يا إسلام , ورفعت يدي إلى السماء , وأخذت أدعو الله وأنا أصرخ وأبكي في حرقة
شديدة .
وفجأة .... سمعت صرخة مدوية , والتفت من خلفي , وانخلع قلبي لهول ما رأيت .
كان المصباح قد سقط من يد ألنتو على الأرض , وأمسكت النار في ثوبه , فأخذ يجري
وسط المقهى كالمجنون يحاول إطفاءها وهي تزداد اشتعالا , وتجمع الرجال من حوله
يلقون عليه بالماء وبعض الأغطية دون فائدة و حتى أصبح الرجل كتلة متحركة من
النار , وفي النهاية سقط على الأرض يصرخ ويتلوى فأسرع أحد الرجال ورمى فوقه
غطاء صوفيا ثقيلا , استطاع أن يخمد به النار سريعا .
ووقفت أنظر إليه وقد شلت أطرافي وتجمد الدم في عروقي و وأقبلت زوجته من الداخل
تصرخ وتولول , واندفعت إليه وركعت إلى جواره , وأخذت تضرب رأسها ووجهها بكفيها
, ثم أزاحت الغطاء عنه قليلا ..... وسقطت على الأرض مغشيا عليها .
************
لم أستطع البقاء في القرية بعد ما حدث . فقد أصبح الجميع يتجنبون النظر إلي أو
التحدث معي , ويبتعدون حتى عن الطريق الذي أسير فيه , فقد شاع بين الناس أني
أمارس السحر , وأني أملك قوة خفية , أستطيع بها أن أصب لعنتي على كل من يقف في
طريقي .
وخفت أن يحاول البعض إيذاء جدتي في غيابي , أو يحاول أولاد ألنتو الإنتقام
لأبيهم , فقررت أن أترك الغرفة , وأرحل بعيدا عن القرية .
ولم أدر إلى أين أذهب .... وفي النهاية جمعت أمتعتنا في صرة واحدة , وحملت جدتي
إلى كوخ صغير مهجور فوق ربوة عالية في أطراف المدينة , لا يزيد طوله عن المترين
, قضيت عدة أيام أحاول ترميمه على قدر الإمكان .
ولا أستطيع أن أصف مقدار تعاستي في ذلك الوقت . لقد تحطمت سعادتي ... وفقدت كل
أمل في الوصول إليكِ يا ابنتي .
وكنت أجلس في المساء خلف الكوخ , أحملق في الفضاء الواسع , وفي الأرض الممتدة
أمامي , فأشعر بها تضيق من حولي حتى تكاد تخنق أنفاسي .
ولم أخبر تنكودمنهوجي أو زوجته بما حدث و وآثرت الصمت , وعندما لاحظ الرجل
التغيير الذي طرأ علي , ادعيت أن جدتي مريضة , وأني قلقة لأجلها .
ولكن بمرور الوقت أحسست أن زوجته لم تعد كما كانت من ناحيتي . أصبحت لا تغادر
البيت كثيرا و وأخذت تراقبني باستمرار , وتحاول ان تبعدني عن مريم , وتصرخ في
وجهي بسبب وبغير سبب .
وفي يوم ... طلبت مني أن أبحث عن عمل آخر , وأن أترك البيت في أقرب فرصة
وثار تنكودمنوجي عندما رآني أهم بالرحيل , وصاح في غضب شديد :
- تيما ..... عودي إلى الداخل ..... لن ترحلي عن البيت ما دمت حيا
وصاحت زوجته وقد تطاير الشرر من عينيها :
- بل سترحل .... لست غبية مثل أختي , إنني أفهمها جيدا ... إما أن ترحل هي ...
أو أرحل أنا.
- لن ترحل تيما عن البيت .... هل تفهمين . لقد احتملتكِ كثيرا , ولن أصبر عليكِ
أكثر من هذا .
- ماذا حدث لك ... هل سحرتك أنت الآخر , ألم أقل لك أنها تمارس السحر ... انظر
إلى نفسك , لقد أصبحت كالخاتم في إصبعها .
وصفعها الرجل على وجهها و وأخذ يصيح ويهدد ويتوعد , والمرأة تبكي وتقسم أنها
ستغادر البيت ولن تعود إليه مرة أخرى .
وأسرعت إليه .... وقبلت يده ... ورجوته أن يتركني أرحل :
- أرجوك يا سيدي ... من أجلي , ومن أجل مريم ومن أجل أولادك ... دعني أرحل .
صدقني لست غاضبة منها , إنها أم مريم يا سيدي ... إنها أم مريم و لا تحرم
الصغيرة من أمها ... أرجوك سيدي .
وغادرت البيت مسرعة .... ولحق بي الرجل في الطريق بعد قليل ....
- تيما ... لماذا رحلتِ ؟ ما كان يجب أن تتركي البيت أبدا . إنني لم أصدق أبدا
ما قالته عنكِ . أعرف أن ألنتو قد ظلمكِ , وظلم أباكِ , وظلم أناسا كثيرين من
قبل , فاستحق انتقام الله منه .
- لا عليك يا سيدي , وشكرا لك و لقد كنت دائما طيبا معي
وأدخل الرجل يده في جيبه وأخرج مظروفا صغيرا :
- خذي يا تيما ... إنه مبلغ من المال قد يساعدك في تدبير أموركِ بعض الوقت , أو
يساعدكِ في السفر إلى ابنتكِ , ولي رجاء عندكِ , ألا تتأخري يوما في طلب أية
مساعدة مني قد تكونين في حاجة لها .
وحياني مودعا ... وانصرف .
وفتحت المظروف .... ولم أصدق نفسي .... كان مبلغا كبيرا من المال . وأحسست
بسعادة غامرة , وانطلقت مسرعة في طريقي إلى الكوخ وأنا أكاد أطير من الفرح
دخلت الكوخ وأنا أصيح : - جدتي , جدتي .... سوف أرى إسلام اخيرا ... لقد أعطاني
تنكودمنهوجي مبلغا كبيرا من المال , ولن تمض شهور قليلة حتى أتمكن من جمع
المبلغ الكافي للسفر ..... سنذهب إليها سويا يا جدتي ... سنذهب إليها سويا .
قالت جدتي وهي تبتسم : - لن تنتظري شهورا أخرى .... يمكنكِ السفر إليها غدا ً .
وناولتني صرة صغيرة ... وقالت :
- أنظري .... لقد أرسل إليكِ ألنتو المال .... لقد أفاق إلى نفسه وهو على فراش
الموت فأعاد إليكِ مالكِ يا تيما ..
وصرخت ..... واحتضنت جدتي أقبلها وأبكي من فرط سعادتي .
ولم يمضِ أسبوع واحد إلا وكان تنكودمنهوجي قد أنهى جميع الإجراءات . وسلمني
الأوراق اللازمة والتذاكر , وأخبرني عن موعد إقلاع السفينة .
عشرة أيام فقط .... وتنتهي أحزانكِ يا تيما .
عشرة أيام , وتضعين قدمكِ بعدها على أول الطريق الذي يحملكِ إليها .
سأحتضنها , وأقبلها , وأروي ظمأ السنين الطويلة إليها .
آه يا إسلام .... بقيت خمسة أيام يا حبيبتي ..... بقيت ثلاثة أيام .... يوم
واحد
غدا .... غدا يا إسلام ... سوف أرحل في طريقي إليكِ .
ولم يغمض لي جفن ليلتها ....
وجلست طوال الوقت خارج الكوخ ... ونسيم الليل البارد يداعب وجهي , فأشعر بكِ
إلى جانبي وبين أحضاني . فتغمرني سعادة لا حدود لها .
وما أن أشرق الصباح , حتى أسرعت إلى الداخل , وأيقظت جدتي .
وفتحت جدتي عينيها بصعوبة شديدة , وقالت بصوت واهن :
- تيما ... تعالي ... اقتربي هنا واصغي جيدا لما سأقوله لكِ .
وأدركت أن هناك شيئا ما في الأمر .... وأحسست بخوف وانقباض شديد في صدري .
كان شبح الموت يرتسم على وجهها .
لا يا جدتي .... ليس الآن .... ليس اليوم .... أرجوكِ ألا تفعليه .... لا
تفعليها اليوم يا جدتي , لقد تمنيتِ الموت طويلا .... وصبرتِ على الحياة طويلا
.... أفلا يمكنكِ الصبر يوما آخر ؟. ... يوما واحدا فقط .... لماذا يا ربي ....
لماذا ؟ ....
وسمعتها تقول بصوتٍ ضعيف :
- عديني يا تيما ....
- بماذا أعدكِ جدتي ...؟
- عديني أن تسافري اليوم إليها مهما حدث .... هل تفهمين .... مهما حدث ؟ ..
ولم أرد ... وأخذت أنظر إليها في ذهول .
- تيما .... عديني يا ابنتي قبل أن أموت .... عديني وإلا بقيت روحي معلقة غاضبة
عليكِ إلى يوم الدين .
كانت نبرة صوتها جادة لدرجة أفزعتني .
- أعدكِ يا جدتي .... أعدكِ بأن أرحل إليها اليوم , سنرحل إليها سويا يا جدتي ,
إنكِ بخير , أعرف أنكِ بخير .
فقاطعتني وأنفاسها تتلاحق : - لم يعد هناك وقت يا تيما ... لم يبق إلا دقائق
معدودة , وعندما ينتهي كل شيء اتركيني في فراشي وارحلي ... هل تسمعين ... لا
تتأخري عن الموعد أبدا ... مهما حدث , إنها وصيتي إليكِ ... لا تخالفي أمري .
ونظرت إلي نظرة طويلة , وقالت قبل أن تغمض عينيها :
- وداعا يا ابنتي ....
وماتت جدتي ...
جلست إلى جوارها أحملق فيها ذاهلة ....
ما العمل يا ربي .... كيف أتركها هكذا وأرحل ....
لن أستطيع أبدا .... لن أستطيع ... سوف أخبر الناس .... سوف أذهب إلى
تنكودمنهوجي .... لن أرحل قبل إتمام الجنازة ومراسم الدفن .
وانطلقت إلى الطريق وأخذت أجري بأقصى سرعة .
ولكن كيف يا تيما ... لم يعد هناك وقت .... لم تبق إلا ساعة واحدة على موعد
الرحيل , ومراسم الدفن ستستغرق ساعات طويلة .... وقد وعدتها بالرحيل ... وعدتها
بالرحيل .
وسمعت صوتها يدوي في أذني :
(( ستبقى روحي معلقة , غاضبة عليكِ إلى يوم الدين ))
وتوقفت في منتصف الطريق , لا أدري ماذا أفعل , والحيرة تمزقني ... وعاد صوتها
يدوي في أذني :
(( ارحلي يا تيما .... ارحلي يا تيما ... إنها وصيتي إليكِ , فلا تخالفي أمري
.... ارحلي يا تيما ))
واستدرت مرة أخرى .... وأسرعت في طريقي إلى الكوخ .
وجلست إلى جوارها وأنفاسي تتلاحق ... والدقائق تتلاحق , والوقت يمر سريعا .
وفجأة يا ابنتي ... رأيتكِ ماثلة أمامي , فاشتعل قلبي , وأحرقت نار الشوق كل
حيرة وكل تردد في داخلي , فقفزت من مكاني ...
لم يعد هناك وقت يا إسلام .... لم يعد هناك وقت يا حبيبتي .... ها أنا آتية
إليكِ ....
وحملت قطعة كبيرة من الخشب , وبدأت أحفر في الأرض في وسط الكوخ ... ولم تمض
دقائق حتى كنت قد حفرت قبرا صغيرا لجدتي .
ثم أحضرت اناء كبيرا ملأته ماء , وسكبت به زجاجة عطر كنت أحتفظ بها كذكرى من
أمي .
ونظرت إلى جدتي .... كانت ترقد في سكينة وهدوء , ووجهها يشع نورا وسلاما ,
وتقدمت إليها , وركعت إلى جوارها , وحملتها بين يدي , وأخذتها بين أحضاني ,
وضممتها إلى صدري , وبقيت هكذا للحظات أحسست خلالها أن الزمن قد توقف .
وبعد قليل أفقت إلى نفسي , فقبلتها , ووضعتها مرة أخرى في فراشها .
ولا أدري يا ابنتي , بل ولا اذكر كيف خلعت عنها ملابسها , وكيف قمت بغسل رأسها
الحبيب وجسدها الطاهر .
وأخرجت الكفن من مكانه وكانت تحتفظ به منذ سنوات طويلة ... ولففتها به بعناية ,
وهممت بأن أحملها لأضعها في القبر , حين تذكرت فجأة أني لم أقم بالصلاة عليها و
وانطلقت إلى الخارج في لهفة مجنونة مضطربة وجلست على باب الكوخ , وأخذت في
الوضوء , وما ان انتهيت حتى كانت الرمال قد ملأت فمي وغطت رأسي وجسدي .
وأدركت أني قد بدأت أفقد اتزاني ..... يا إلهي ساعدني .... ساعدني .... ساعدني
وحاولت أن أتمالك نفسي , فجلبت قليلا من الماء وتوضأت سريعا . وأسرعت إلى
الداخل مرة ثانية .
وبقلب خاشع جريح وقفت أصلي عليها ... نعم يا إسلام وقفت أصلي على جدتي وأودع
قطعة من عمري , وحبيبة ما أحبني أحد بقدر ما أحبتني .
وما أن انتهيت حتى حملتها برفق لأضعها في مثواها الأخير ولأدفن في الأرض قلبا
كان ملاذي الوحيد في دنياي الأليمة .
وأخذت أهيل التراب فوقها ... وكل شيء في كياني يهتز ويرتعش ... قلبي ... شفتاي
... يداي ... قدماي ... وسويت الأرض من فوقها ... وحملت صرة ملابسي , واندفعت
إلى الخارج في طريقي إلى الميناء .
وقطعت الطريق عدوا , وشيء في داخلي يصرخ : (( لم يعد هناك وقت يا إسلام .... لم
يعد هناك وقت يا حبيبتي .... ها أنا قادمة إليكِ ))
وأخذت أجري وأجري وأجري ... وأنا أدعو الله ان يساعدني وأن أصل في الموعد .
ووصلت في اللحظة الأخيرة ....
وما أن وضعت قدمي فوق سطح السفينة , حتى رفعت المرساة وأعلن الإقلاع . وتكومت
على الأرض . ألهث من شدة التعب ....
ومضت فترة من الوقت قبل أن أتمالك نفسي ومشاعري وأدرك ما حدث وأتنبه لما فعلت
...
وصرخت من أعماقي .... آه يا جدتي الحبيبة .... ماذا فعلت بكِ .... ماذا فعلت
بكِ ... ؟! سامحيني يا جدتي .... سامحيني ..
وانهمرت دموعي غزيرة رغما عني ....
وسارت بنا السفينة تشق البحر في طريقها إليكِ
دق الجرس في منزل السيد عبد المجيد وقت الظهيرة
كانت إسلام منهمكة في إعداد الطعام , وأسرعت لتفتح الباب , وفوجئت بشاب وسيم
طويل يقف أمامها وجها لوجه ...
وتوارت سريعا ... وهمت بإغلاق الباب , عندما دفعه برفق ودلف إلى داخل المنزل .
وقال وهو يبتسم لها :
- كيف حالكِ يا إسلام .... ألم تعرفيني بعد .... إنني هشام ... ابن عمكِ
ووقفت الفتاة تحملق في وجهه مأخوذة , فقال وهو يمد يده مصافحا :
-لقد كبرتِ وأصبحتِ شابة جميلة .... لم أركِ منذ عدة سنوات .
وصافحته سريعا , ثم قالت في تلعثم شديد :
- شكرا ... أبي هناك ... أقصد في غرفته .... إنني آسفة , مظهري غير لائق ...
أقصد أنه لا يوجد خدم في البيت ... لقد غادرنا محسون ... و ...
- أوه .... ربة بيت أيضا ... إنني رجل محظوظ إذاً .
وأحست بقلبها يخفق بعنف , ووقفت حائرة لا تدري ما تقول , ثم قالت وهي تشير إلى
غرفة أبيها :
- تفضل من هنا .... بعد إذنك ... سيحترق الطعام ...
وانفلتت من أمامه مسرعة .
وفي اليوم التالي , ذهبت الفتاة كعادتها إلى المدرسة في الصباح الباكر , جلست
شاردة لا تتكلم ...
وسألتها أمها :
- ما بالكِ يا إسلام ... هل هناك شيء .... أخبريني يا ابنتي ... ؟
- لا شيء يا أمي . هل تعرفين ؟ لقد حضر أمس لزيارتنا هشام ابن عمي , وتناول
معنا طعام الغذاء . لقد أخبرتكِ من قبل أنه تقدم لخطبتي منذ عدة سنوات . إنني
أكرهه يا أمي , أكرهه من كل قلبي .
- ولماذا يا ابنتي .... هل صدر منه ما يضايق ..؟ !
فقالت الفتاة بعصبية شديدة :
- لا أقصد هذا يا أمي , ولكنه شاب ثقيل الظل , واثق من نفسه إلى درجة كبيرة
لأنه وسيم طويل القامة , مع أني لا أراه وسيما على الإطلاق يا أمي , لا أراه
وسيما على الإطلاق . لقد قال لي بالأمس لقد أصبحت شابة جميلة يا إسلام , ولا
أحب أن أسمع مثل هذا الكلام السخيف يا أمي ... إنني أكرهه يا أمي ... أكرهه .
وشردت الفتاة مرة أخرى . ونظرت إليها أمها طويلا , وابتسمت وهي تقول : - وماذا
بعد يا إسلام .... ؟
فأفاقت الفتاة من شرودها وقالت : - لا شيء يا أمي .... ولكنه هذا الـ هشام ,
لقد قال لي بالأمس إنني طاهية ماهرة , ماذا يظن نفسه بالله عليكِ .؟ هل تصدقين
... سيحضر اليوم مرة أخرى ليتناول معنا طعام الغذاء . إنني أكرهه يا أمي ....
ولا أحب أن أراه مرة أخرى .
مالكِ تنظرين إلي هكذا ... ألا تفهمين ما أعني يا أمي ...؟
فابتسمت المرأة وقالت وهي تربت على كتفيها :
- بل افهمكِ يا ابنتي .... أفهمكِ جيدا .
وعند الظهيرة دق الجرس .... وأسرعت الفتاة لتفتح الباب ...
- أهذا أنت ؟ ... لم أكن أعلم ...
- حقا .... ؟
- بالطبع .... وكيف لي أن أعرف ...؟
فقال الفتى في هدوء شديد :
- إنكِ اليوم غاية في الأناقة يا إسلام .
وارتبكت الفتاة ... وقالت بنبرة جادة وهي تشيح بوجهها .
- لا يجوز لأي فتاة مهذبة أن تسمح لأحد بمثل هذا الحديث . ولا أحب أن أسمع منك
مثل هذا القول مرة أخرى .
فقال الشاب وهو يكتم الضحك : - أوه ... هكذا إذاً ....شكرا لأنكِ أخبرتني ...لن
أستطيع إذاً أن أقول أنكِ فاتنة رائعة الجمال حتى لا تغضبي مني .
وارتبكت الفتاة وتلعثمت , ثم انطلقت مسرعة إلى غرفتها .
وجلست على سريرها ... وحاولت أن تتمالك نفسها فلم تستطع ...وأخيرا صاحت في
انفعال شديد:
- آه يا أمي ... كم أكره هذا الهشام ... كم أكرهه .
ومرت عدة أيام تغيرت فيها أحوال الفتاة كثيرا .... أصبحت ساهمة ... شاردة.. لا
تتحدث إلا قليلا ..
وفي يوم حضرت مبكرة , وقالت وعيناها تشعان سعادة :
- أمي ... هل تعلمين .... لقد تقدم هشام لخطبتي من أبي مرة أخرى بالأمس .
- وهل وافق أبوكِ ....؟
- لم يستطع الرفض .
فقالت المرأة في خبث :
- وأنتِ .... هل وافقتِ ... ؟ ... وكيف تتزوجين منه وأنتِ تكرهينه إلى هذه
الدرجة ... ؟
وفوجئت الفتاة ... وقالت متلعثمة :
- بالطبع أكرهه يا أمي .... ولكن لا يجوز أن أخالف أمر أبي مهما حدث .
فضحكت المرأة وقالت :
- يا بنيتي الحبيبة .... لماذا تحاولين إخفاء الحقيقة حتى عن نفسك .... ؟ لماذا
تنكرين أنكِ تحبينه كل الحب ؟؟؟
واحمر وجه الفتاة , وصاحت في عصبية شديدة :
- أنا يا أمي ....؟ .... أنا أحبه .... ؟ أبداً .... أبداً .
- بل تحبينه .... أعرف هذا جيدا .. وأعرف أيضا أنكِ سعيدة لزواجكِ منه . وأنا
أيضا ... سعيدة لأجلكِ يا ابنتي .
واحتضنتها المرأة بين يديها .... وقبلتها .
وجلست الفتاة هادئة صامتة لا تتكلم .
- ما بالكِ يا إسلام ... ؟
فتنهدت وهي تقول :
- لقد تعجبت كثيرا عندما أحببته يا أمي . تعجبت كثيرا لنفسي . فقبل أن أراكِ
... لم أكن أصدق أن بإمكاني أن أحب أحدا غير أبي في يوم من الأيام .... كنت
ظمئى للحب ... كنت في أشد الحاجة إليه , أبحث عنه فلا أجده . لهذا لم يكن في
إمكاني أن أعطي شيئا أفتقده .
وبعد أن رأيتكِ يا أمي .... بعد أن أضأتِ حياتي , ورويتِ ظمئي , وملأتِ روحي
وكياني محبة وحنانا , أصبح في إمكاني أن أعطي , وأن أحب , وأن أرفض الحب ....
لهذا ... إن كنت قد أحببت هشاما ... وقبلت الزواج منه ... فالفضل يعود لكِ يا
أمي , نعم .... الفضل لكِ أولا وأخيرا .
فاحتضنتها المرأة في سعادة ....
- أخيرا سوف أتمكن من أن أراكِ ليل نهار يا أمي ... سوف نعيش معا إلى الأبد في
بيت واحد , ولن أفترق عنكِ لحظة واحدة .
وصمتت قليلا ... ثم قالت وهي تبتسم في خجل :
- لو كانت جدتكِ على قيد لحياة يا أمي ... لقالت أن هشاما هو بالفعل أجمل أمير
في العالم ...
- أبي ... ما بالك ؟؟؟
فقال الرجل في صوت حزين ....: - لقد بقيت ثلاثة أيام على زفافكِ يا إسلام ....
سأفتقدكِ كثيرا يا ابنتي .
واقتربت منه الفتاة وجلست إلى جواره : - لماذا لا تترك البيت وتأتي لتعيش معنا
يا أبي ؟ ... إن هشاما ابن أخيك , فهو في منزلة ابك .
فتنهد الرجل وأطرق برأسه إلى الأرض وهو يقول :
- لقد كان لي ابن في مثل عمره , مات في حادث سيارة هو وأمه منذ سنوات بعيدة .
كان قد سافر إلى الرياض لينهي إجراءات إلتحاقه بالجامعة , وعندما علم بموعد
وصولي من جاوة , أسرع عائدا ليكون في استقبالي في المطار , وفي الطريق فاجأته
سيارة شحن كبيرة , لم يستطع أن يتفاداها و .....
وبسرعة غيرت إسلام مجرى الحديث : - ولكن الله أرسل إليك هشاما بدلا منه يا ابي
...
- أعرف هذا يا ابنتي , ولكن لا أستطيع أن أترك بيتي أبدا , سوف أكتفي برؤيتكِ
بين حين وآخر كلما سنحت لكِ الفرصة . وأنتِ يا إسلام ... ألن تفتقدي أباكِ ...
ألن تشعري بالوحدة بعيدا عني ... ؟
وترددت الفتاة ....
هيا يا إسلام .... هيا أخبريه .... إن الفرصة سانحة ليعرف الحقيقة , ولتعرفي
منه الحقيقة , فربما استطاع أن يجد لنفسه عذرا واحدا فيما فعل ... أخبريه الآن
.. فسوف يعرف عاجلا أو آجلا ...
- بالطبع يا أبي .... سوف أشعر بالوحدة بعيدة عنك ... ولكن وجود أمي سوف يؤنس
وحشتي إلى حد ما ..
- نعم يا ابنتي ... إن أم هشام امرأة فاضلة , وهي في منزلة أمكِ تماما .
- لا أقصد أم هشام .... أقصد أمي أنا ... تيما يا أبي ... تيما ابنو سراج الدين
... ألا تعرفها ... ؟
واحتقن وجه الرجل , ونظر إليها كالمصعوق ...
- ما بالك تنظر إليّ هكذا يا أبي ... أتراكَ قد نسيتها , إنها هنا منذ أشهر
طويلة , وكنت أراها كل يوم في الصباح , وأذهب للقائها في الحرم , لقد تحدثت
إليها طويلا ... وعرفت منها كل شيء عنها ... وعرفت كل شيء عنك .
وصاح الرجل وهو يلهث من شدة الغضب : - تخدعين أباكِ يا إسلام .....
ورفع يده ... وصفع الفتاة على وجهها صفعة قوية , أطاحت بها على الأرض .
فقالت وهي تنظر إليه في تحدٍ وحقدٍ شديد : - أهكذا صفعت منصورا يا أبي يوم حاول
اقناعك أن تتركني بين أحضان أمي ... ؟؟
وصاح الرجل مرة أخرى : - أتخدعين أباكِ يا إسلام .... ؟؟؟ .. تخدعين أباكِ ...
؟؟؟
- لم أخدعك يا أبي , ولكنك أنت الذي خدعتني طوال خمسة عشر عاما ... لماذا يا
أبي .... لماذا تركتني يتيمة وأنت تعلم أن لي أما على قيد الحياة ... أخبرني
لماذا يا أبي .... أي جرم ارتكبته أمي فاستحقت عليه العذاب خمسة عشر عاما ,
ألأنها امرأة فقيرة ... ؟ ألأنها ابنة سراج الدين ... ؟؟ صدقني ... إن سراج
الدين كان يملك قلبا رقيقا حانيا , قلّ أن يملكه كثيرون غيره من الناس , أحب
زوجته وأخلص لها حتى الموت , ولم يسيء إلى أحد طوال عمره بقدر ما أساء إلى نفسه
, لقد كان سراج الدين ضحية غدر ألنتو .... وكانت أمي ضحية غدرك أنت يا أبي ....
- أغربي عن وجهي .... لا أريد أن أراكِ بعد الآن .... اغربي عن وجهي ...
- أين كان ضميرك يوم أن فعلتها يا أبي .... أخبرني بالله عليك .... أين كان
ضميرك .. ؟
وصاح الرجل في جنون : - قلت لكِ اغربي عن وجهي ....
وقامت الفتاة من فورها , وأسرعت إلى غرفتها , وارتمت فوق فراشها , وأغمضت
عينيها للحظات , تحاول أن تستجمع نفسها .
ومضت فترة من الوقت .....
ماذا فعلتِ يا إسلام ... هل جننتِ .... كيف تجرحين أباكِ إلى هذه الدرجة ....
أفلا تحبينه ... كيف تعاملينه بهذه القسوة إذاً ... ؟
أما كان بإمكانك أن تخبريه بطريقة أفضل ... إنه أبوكِ يا إسلام .... مريض تقدمت
به السن , مهما فعل ومهما أخطأ فهو أبوكِ .. ولا يستحق منكِ إلا كل حب ورعاية .
وأحست بالخوف يعتصر قلبها من أجله , فأسرعت إلى غرفته مرة أخرى .
كان يجلس في فراشه وقد وضع رأسه بين كفيه ... واقتربت منه الفتاة :
- أبي ... اعذرني .... لم أقصد إيلامك .
وظل الرجل جامدا .... صامتا لا يرد .
- أبي .... إنني جد آسفة .... إنني أحبك يا أبي .. ولم أقصد أبدا أن ....
وقاطعها الرجل : - إسلام .... لا أريد أن أسمع منكِ أي كلمة أخرى .
- أبي أرجوك .... إنني لم ...
وصاح الرجل في حدة وهو يدفعها بعيدا عنه :
- قلت لكِ اغربي عن وجهي ...
ولم تتمالك الفتاة نفسها ... فأجهشت بالبكاء .
-----------------------------------------------------
وتزوجت إسلام .... وتركت البيت
ومرت الشهور .... ومرت السنون ..... وكانت تذهب لرؤية أبيها كلما سنحت لها
الفرصة ..
وفي يوم ... سألتها أمها : - كيف حال أبيكِ يا إسلام ... ؟
- لا أدري ماذا أقول لكِ يا أمي .... إنه لا زال على حالته التي تعرفينها . لقد
خرج الخادم الأخير اليوم هو الآخر إلى غير رجعة . ليس هناك أحد يمكنه أن يتحمل
مثل هذه المعاملة السيئة . لقد تغير أبي كثيرا ... كثيرا ... هل تصدقين ... إنه
يكره هشاما ولا يطيق رؤيته وأتصور أحيانا أنه يغار منه , لقد أصبح إنسانا لا
يطاق .
وصاحت فيها المرأة :
- إسلام ... لا يليق أبدا أن تتكلمي عن أبيكِ بهذه الطريقة .
- اعذريني يا أمي ... لم أقصد , ولكنه يتصرف معي كطفل صغير , يريد مني أن أبقى
إلى جواره دائما , وهو يعلم أنه ليس في إمكاني أن أترك بيتي وأطفالي طوال الوقت
, لقد تعبت كثيرا ... أخبريني بالهه عليكِ ماذا أفعل حتى أرضيه
وصمتت المرأة ولم تجب .
- هل تعرفين بماذا أجاب عندما أخبرته أن هشاما قد حصل على بعثة للخارج ليكمل
دراسته .... وأننا سنسافر جميعا معه في آخر الشهر القادم , هل تعرفين بماذا
أجاب يا أمي ... ؟ لقد صاح في وجهي وقال : " إن رحيلكِ أو بقاؤكِ سيان عندي ,
يمكنكِ السفر من الغد إن شئتِ . إن كنتِ تظنين أنني لا أستطيع الإستغناء عنكِ
... فأنتِ مخطئة . لا تنسي أنني السيد عبد المجيد ... وسوف أظل دائما السيد عبد
المجيد ... أخبري أمكِ بذلك . وأخبريها أنني لست في حاجة إليها ... ولا إلى
ابنتها ... هل تسمعين ؟ "
وصمتت قليلا ونظرت إلى أمها .
كانت تجلس حزينة شاردة , وقد أطرقت برأسها إلى الأرض .
- أمي ... فيم تفكرين ... ؟
- أفكر فيه يا ابنتي ... إنكِ لم تفهمي سر تصرفه هذا ... ولن تفهمي أبدا . لقد
فكرت في أمره طويلا ... طويلا ... إنني حزينة لأجله , لقد تقدمت به السن وأصبح
مريضا في حاجة للرعاية , فمن سيرعاه عندما نرحل يا ابنتي . من سيرعاه في غيابكِ
؟ لا يجب علينا أن نتركه وحيدا يا ابنتي , لا يجب علينا أن نتركه وحيدا أبدا
... أبدا
- وماذا تريدين مني أن أفعل ... ؟ أترك بيتي وأذهب لأعيش معه ..؟
- لم أقصد هذا أبدا , إن مكانكِ دائما بجوار زوجكِ .
- وماذا تقصدين إذاً ... هل لديكِ حل آخر .. ؟
- لا أدري ماذا أقول لكِ يا ابنتي ... لقد فكرت كثيرا في الأمر , إن أباكِ في
أشد الحاجة للرعاية ... في أشد الحاجة إلى وجودي بجانبه , لقد فكرت كثيرا يا
ابنتي , وقررت أن أذهب لأعيش معه .
وصاحت إسلام في دهشة شديدة ... : - ماذا ... !!!!
-------------------------------------------------------------
كان السيد عبد المجيد يجلس في غرفته في مكانه المعتاد
بدا حزينا ... شاحبا ... متخاذلا , وألقى برأسه للخلف واستغرق في تفكير عميق .
إنها النهاية يا عبد المجيد ... إنها النهاية ... لقد كتب عليك أن تعيش باقي
أيام عمرك في هذا القبر الموحش , وحدة قاتلة ... وموتا بطيئا .
إنه انتقام الله ....
لقد تجبرت كثيرا , وظلمت كثيرا , ونسيت أن الله يراك .
واعتدل في جلسته وصاح وهو يلوح بقبضته في انفعال شديد :
- أين أنت يا منصور ... أين أنتَ لترى الجبل الشامخ يتهاوى إلى أحجار صغيرة .
لقد كان الحق معك و وكان انتقام الله أسرع مما تصورت , حرمني من ولدي إلى الأبد
يوم حرمتها من رؤية ابنتها , إنه انتقام الله يا منصور ... انتقام الله .
- ليتني أفقت إلى نفسي يومها ..... ليتني تراجعت .... ليتني تراجعت .
- ولكني تماديت في ظلمي , وتماديت في قسوتي , ولم يستيقظ ضميري .... لم يستيقظ
... وهاهي النتيجة ....
- أين أنت لتراني الآن .... ذليلا .... كسيحا ..... محطم النفس .
وأخفى وجهه بكفيه , وقال بصوتٍ جريح :
إنه انتقام الله ... انتقام الله .... وأخذ يهز رأسه ويئن بصوت خافت
ومضت فترة طويلة .... بدا له خلالها أن العالم قد توقف من حوله .
وأحس بحركة غريبة .... فرفع رأسه ... وشهق من شدة المفاجأة :
- تيما ......
كانت تقف عند باب الغرفة طوال الوقت , صامتة , تراقبه دون أن يشعر
وبعد قليل اقتربت منه ببطء ... وركعت إلى جواره , وأخذت تنظر إليه حائرة لا
تدري ما تقول .
- كيف حالك يا أبا إسلام ....؟
وظل الرجل جامدا ينظر إليها لا يصدق نفسه
- تيما .... تيما
وقالت المرأة بصوت مضطرب :
- سيدي .... لقد جئت ....
فقاطعها قائلا :
- جئتِ لتشمتي ... يا تيما ... جئتِ لتشمتي ... أعرف هذا .. ولكن ...
- سيدي .... أرجوك .... إن لي عندك طلبا ... أرجو ألا ترفضه .... تعلم أن إسلام
سترحل مع زوجها إلى الخارج , فهل تسمح لي بأن آتي لأعيش معك في هذا البيت ...
ليس لي مكان آخر كما تعلم .
وتهالك الرجل مأخوذا , واغرورقت عيناه بالدموع , وقال بصوتٍ مختنق :
- تيما .... إنني لا أستحق منكِ كل هذا .... لقد ظلمتكِ كثيرا , وعذبتكِ كثيرا
...
فقاطعته قائلة :
- أبا إسلام ... أرجوك أن تستريح الآن .... تبدو مرهقا ... وفي أشد الحاجة إلى
النوم والراحة ... وسوف أصنع لك شيئا من طعامك المفضل ... إنني لا زلت أذكره
إلى الآن ..
- تيما ... أرجوكِ ... أنا لا أستحق منكِ كل هذا ... لقد تعذبتِ كثيرا ....
تعذبتِ كثيرا يا تيما .... أليس كذلك ...
- سيدي ... أرجوك أن تستريح الآن ... غدا أخبرك بكل شيء ...
وأمسك الرجل بكتفيها وهزها برفق :
- تيما أخبريني .... هل سامحتِ ... هل غفرتِ ... ؟
فقالت المرأة وهي تنظر إلى الأرض :
- غدا يا سيدي ... غدا ... استرح الآن ... أرجوك .
وعاد يسأل في لهفة شديدة , وفي عينيه نظرة ذليلة متضرعة :
- تيما ... أرجوكِ .... قولي أنكِ قد نسيتِ ... قولي أنكِ قد غفرتِ ... قولي
أنكِ قد سامحتِ ليطمئن قلبي .
ونظرت إليه المرأة نظرة طويلة عاتبة .... وتراءت لها كل عذابات السنين ...
تباعا ... وقالت بصوتٍ حزين :
- ------- غدا يا سيدي ... غدا أنسى ... غدا سأغفر لك --------
واحتضن الرجل يديها برفق ..... وقبلهما ...... وانسابت دموعه في صمت
--------------------------------------------------------------------------------
*
طبيبة سعودية