
قصة قصيرة بقلم: صفاء حسونه
عن دنيا الوطن
جلست في ردهة الانتظار بالمستشفى تقرأ في
مجلة يبدو أن أحدهم نسيها. تحاول أن تقتل الدقائق التي تفصلها عن مقابلة الطبيب
في العيادة. لوحة قديمة تدلت على الجدار تغطي عيوباً فيه أبت إلا الظهور من
خلفها. كتبت بخط رديء حاول صاحبه أن يقنع من يقرأها أن لا حرج من زيارة العيادة
النفسية فكلهم يفعلون. تهز رأسها في غير اقتناع. أناس كثيرون يروحون و يغدون
يقطعون عليها استغراقها في القراءة, يتحدثون بأصوات مرتفعة و بعضهم يهمس في أذن
محدثه و هو ينظر في عيون الجالسين فيثير حنقهم و فضولهم لمعرفة ما يقول.
ينفرج باب العيادة أخيراً و تدعوها الممرضة للدخول فتدخل على عجل و قد غطت
عينيها بنظارة سميكة أحست للحظة أنها تستطيع بها أن تخفي نفسها عن عيون
الناظرين و فضول المتطفلين سيما هذه الممرضة التي بددت إحساسها الكاذب
بالخصوصية و راحت تتفحصها من رأسها حتى أخمص قدمها. انهزم كبرياءها المزيف أمام
هذه النظرات التي لم تتوقعها من أنثى مثلها. حاولت الهروب منها.
جلست على الكرسي أمام الطبيب دون أن تلقي التحية. هو الأخر لم يحفل بقدومها رغم
أنها نزعت نظارتها وظل منهمكا يكتب في أوراق وضعت أمامه. يبدو أنه أثار غضبها
بتجاهلها فراح يلاحظ قلقها البادي من خلف نظارته فيتوقف عن الكتابة و يبتسم
ابتسامة أدركت أنها مصطنعة رغم إتقانها. يسألها عن مشكلتها. لم ترد , يبدو أنها
لم تسمعه. يعاود سؤالها و يطمئنها بأن الأبواب مغلقة و ليس عندنا جهاز تسجيل و
لا تصنت و جدراننا بلا آذان.
تردت في الرد, عاودها خوفها و قلقها و طفا على أطرافها ارتجافاً و ارتعاداً و
على جبينها تعرقاً.حاولت عبثاً أن تخفي كل ذلك. حتى محاولة الطبيب لم تفلح.
أيقظت فيها حساً فطرياً بالخوف و التوجس. راحت تتفحص الأبواب و الجدران و
النوافذ و قطع الأثاث القليلة المتناثرة في الغرفة بتلقائية بدت معها و كأنها
لا تصدق الطبيب. الأبواب و الجدران بدت لها و كأنها شياطين بلهاء فغرت أفواهها
الواسعة و آذانها الكبيرة تتربص سماع ما ستقول. استطاعت بقليل عناء أن تسمع صوت
من بالخارج. كيف لا يسمعون ما ستقول. جالت ببصرها الحائر حتى أستقر أخيراً على
الممرضة!
أدرك الطبيب غايتها. طلب من الممرضة بصوت خفيض أن تترك الغرفة. ترددت الأخيرة و
مطت شفتيها في امتعاض قبل أن تفعل على مضض. تركت الباب شبه مفتوح خلفها. ربما
يستطيع فضولها أن يتسلل لالتقاط كلمة مما سيقال…
فطن الطبيب لما فعلت. وقف ليوصد الباب ثم عاد ليجلس في الكرسي المقابل لها.
ربما تخلى عن دور الواعظ. يقترب منها أكثر. يشعرها بالأمان. يشجعها على الحديث.
تراجعت في الكرسي و شدت غطاء رأسها إلى الأمام. كاد أن يلامس عيناها. انتبه
الطبيب لما سببه لها من حرج. لم يستلم لحياءها وظل في كرسيه. بعد قليل وقفت هي
واستأذنته في الخروج, أمسك بيدها المبللة بعرق توترها الذي زاد مع اقترابه
منها. وعدت بالعودة عندما تكون أكثر استعداداً و الطبيب يصر على بقاءها: يبدو
أن حالتك متقدمة و من غير المناسب تركها دون استشارة أو علاج. تصر على الخروج
رغم نصيحته. و أخيراً يذعن لرغبتها و يقول ببرود: كما تشائين…
عادت إلى البيت تلوم نفسها على ما بدر منها. تحاول إقناع نفسها أنها لم تقصد
إحراج الطبيب. تطرد الفكرة من رأسها. تمتد يدها بلا وعي إلى دليل الهاتف القريب
منها و تتصل بالهاتف…
صعدت للدور الثالث. قرأت اسم الطبيب الذي تقصد عيادته الخاصة مدوناً على لوحة
عريضة. ممرضة جلست خلف طاولة صغيرة تمسك بيدها مرآة صغيرة و قد انشغلت بإصلاح
زينتها. سجلت اسمها و دفعت أجرة الكشف ثم صحبتها الممرضة حتى غرفة الطبيب الذي
كان منهمكاً في قراءة كتاب, يرفع رأسه و يحيها و كأنه كان ينتظر الفرج مع
قدومها ثم يدعوها للجلوس.
يسألها الطبيب عن اسمها فتترد في الإجابة قبل أن تعتذر لأنها سجلت نفسها باسم
آخر لدى الممرضة في الخارج. أحست بأنها قد بدأت مع المتاعب من جديد. الطبيب على
ما يبدو تفهم مقصدها وقال: هذا أمر شخصي يخصك و لكن لا داعي لذلك فالأمراض
النفسية هذه الأيام هي الأكثر شيوعاً بين الناس خاصة السيدات!. هزت رأسها و
تظاهرت بالموافقة.
سألها: المهم ما هي مشكلتك التي جاءت بك للعيادة؟
تنهدت طويلاً. هي قلقة دائما و متوترة و سريعة الغضب. ما يقلقها أكثر أن غضبها
بدأ ينصب على أطفالها, فهي تصرخ فيهم كالمجنونة , يفرون منها كفئران مذعورة,
تنهال عليهم بالضرب أحياناً كثيرة و بما تقع عليه يديها و قد تؤذيهم. الطبيب
يستوقفها و يسأل: و هل يريحك مثل هذا التصرف؟
لا. فهي على العكس تصبح أكثر توتراً حتى أنها تبكي و تندم على ما فعلت و لا
تصدق ما بدر منها وتقنع نفسها أن إنساناً أخر قد فعل ذلك. تحاول أن تضمهم إليها
و لكنهم ينفرون مني. يخافون أن تضربهم من جديد. لقد بدأت تكره نفسها فعلاً.
إنها لا تطيق النظر لوجهها.
و أين زوجك من كل هذا؟ و ماذا فعل؟
زوجي منشغل عني و عن الأطفال بالعمل الإضافي بعد وظيفته في الصباح فراتبه …
يقاطعها الطبيب محتداً هذه المرة. : هل حاولت أن تشاركي أطفالك لعبهم و لهوهم؟
لن تكذب, فهي تتركهم أمام التلفاز معظم الوقت و تراقبهم عبر نافذة المطبخ. و إن
غاب أحدهم عن بصرها تكاد تجن و تترك كل شيء للبحث عنه.
الطبيب: هذا سلوك طبيعي و لكن خوفك زائد بعض الشيء. فالأطفال فيهم فضول يدفعهم
لاستكشاف ما حولهم و اهتمامكم الزائد بهم قد يحول بينهم و بين ذلك. دعيهم
يكتشفون عالمهم على طريقتهم, جربي اللهو معهم في ألعابهم التافهة و السخيفة. هل
تكرهين أن يعاد شريط حياتك من جديد أمامك.
:صدقيني سوف تكتشفين أنك فوتي على نفسك متعة كبيرة بعدم اللعب معهم و الاقتراب
من عالمهم الصاخب. لقد أهدرت فرصة لإنضاج شخصيتك و الارتقاء إلى عالمهم. ظلت
تنظر إليه في دهشة غير مصدقة ما تسمع.
يمد الطبيب يده أسفل المكتب و يضغط بقوة . صوت جرس مرتفع يرن في الخارج…
تدخل الممرضة و يأمرها الطبيب أن تعيد للسيدة أجرة الكشف. تتوسل إليه أن يصف
لها مهدئاً يريح أعصابها.
سيدتي: أنت لست مريضة و أطفالك الذين تعتقدين أنهم سبب ما تشعرين به هم في
الحقيقة الحل الوحيد لمشكلتك. أطفالك هم طبيبك الذي لا يخطأ و دواءك الذي لن
يسبب لك أية مضاعفات..
ينتابها خجل شديد. تاهت بين كل ما سمعت منه. صور أطفالها تقفز تباعاً لمخيلتها
المتعبة. تخرج مهرولة إلى البيت… إلى طبيبها …