
قصة قصيرة
بقلم : دلع المفتي
فضاءات
خرجت من مكتبها في الوزارة
وسط زحام الموظفين , كانت في عَجلةٍ من أمرها فإبنها ينتظرها على باب المدرسة
في قَيْظ الظهيرة اللاهب لتأخذه إلى الطبيب , ألم في أسفل البطن و حرارة مرتفعة
، هذا ما قالته ممرضة المدرسة في مكالمتها الهاتفية السريعة. اتجهت نحو المصاعد
و قلب الأم يلهث بالدعاء ألا يكون الأمرَ خطيراً , انتظرَتْ قليلاً إلى أن فتح
أحد المصاعد أبوابه ، كان مزدحماً لكنها استطاعتْ أن تجدَ مكانا لقدميها , فجأة
و بدون مقدمات اندفع رجلُ ملتحٍ من المصعد قبل أن يغلق أبوابه و هو يزمجر و
يستغفر ربّه و يتعوذ من الشيطان الرجيم , آخر ما سمعته قبل أن تغلق الأبواب على
روحها كانت :
- تستري يا فاجرة !
لم تصدق ما سمعتْ , كلماته اجتاحتها على حين غفلة و هي السيدة المحترمة ، وكيلة
الوزارة ، لتجده قد نزع عنها ثيابها و هبطَ بها إلى الدرك الأسفل من الرذيلة ,
التفتتْ ببصرها إلى باقي الرجال في المصعد تستشف ردود أفعالهم فأشاحوا بوجوههم
عنها يقلبون أبصارهم في الفضاء المتاح . أحسّتْ بقامتها تصغر أمامهم , تنكمشُ
في زاوية المصعد , صرخةٌ سمعتها تدوي في عمقها المحزون ، تشبثَتْ بحلقها ,
حاولت أن تخمد العاصفة التي بدأت تثور في داخلها فتعوذت بالرحمن و شدّت حقيبتها
إلى صدرها لتستر عري روحها المفاجئ .. !
فَتحَ المِصعدُ أبوابه فانطلقت مسرعة كأنها تهرب من أيادٍ قذرة تحاول أن
تتحسسها و تعبث بها , عيونها تجول في فضاء المكان تائهةً حتى عن طريقها الذي
تسلكه كل يوم !
عند المدخل الرئيسي للوزارة ؛ وقف رجلٌ ملتحٍ خلف طاولة رُصّتْ فوقها أوراق و
كتيبات أدعية , ناداها :
- أختي ؛ قليلٌ من كثيرٍ تسترين به عَوْرَةَ مُسلم !
التفتتْ إليه بعينين دامعتين و تمتمت :
- و من يستر عَوْرَتِي !؟