
قصة قصيرة بقلم : كُليزار
أنور
gulizaranwar@yahoo.com
موقع عشتار
http://aaashtar.jeeran.com/gullizar
رنّ
الجرس في ساعةٍ متأخرة .. رنينه يشرخ هدوء الليل .. أصمت بإصغاء .. يرن مرةً
اخرى ..
قلتُ لنفسي : مَن سيأتينا في هذهِ
الساعة المتأخرة .. تحركتُ بتمهل ، فقد يكون
ما أنا فيه مجرد تخيل .. ويرن للمرة الثالثة .. أُوقظ زوجي الراقد
بجانبي
:
_
خالد .. خالد .. أحدهم يدق جرس الدار
.
_
ليسَ هناك أحد .. نامي
!
غطى رأسهُ وعاد إلى نومهِ
.
ويرن من جديد .. خرجتُ من الغرفة .. أنرتُ ضوء الصالة .. فمنطقتنا أمينة ، ولا
داعي
لأي خوف .. وفتحتُ الباب .. امرأة
ورجلان .. المرأة سلمت عليَّ أولاً وبعدها
الرجلان .. وبادرت السيدة
:
_
هل تسمحين أن ندخل ؟
خجلتُ أن أقول لها : " مَن أنتم " وبشكل لا إرادي مددتُ يدي إلى الجهة
اليمنى لأسمحَ لهم بالدخول ، فقد يكونون أقارب زوجي
!
ودخلت هي قبلهم .. وبعدها الرجل الأول .. انحنى نحوي بطريقةٍ وديةٍ ،
فحركتُ
له رأسي بتودد رداً بسيطاً على تحيتهِ الجميلة .. أما الثاني .. مد كفه
لمصافحتي ..
وترددتُ بعض الشيء قبلَ أن أمدّ له كفي
.
جلسَ الرجلان في صدر الصالة
والمرأة وقفت إلى جانبي لتجلس حيث أجلس .. فقلتُ بكرم : أهلاً وسهلاً.
وبعد تردد لم أستطع اخفاؤه أو تبريره
:
_
لأوقظ لكم
خالداً
.
فردت السيدة بطيبة
:
_
لا تقلقيه ، فنحن زواركِ
.
بنظرة تحمل الشك والتساؤل معاً
تطلعتُ إليها .. وشعرتُ بنوع من الخوف .. إذن ، هم ليسوا أقاربه كما ظننت ..
ياربي ..
ماذا يريدون مني في هذا الليل ؟ ..
ومَن يكونون ؟ .. فأنا لم أفعل
شيئاً
!
نهضت لأقوم بواجب الضيافة على الأقل .. فدعتني
السيدة للجلوس ! بدأت أنفاسي تضيق وأحسستُ بانقباضٍ مرعب .. اضطربت عندما حدقتُ
في
عينيها .. وربما توقف القلب عن النبض
في تلك اللحظة .. وقفتُ مدهوشة وكأني نسيتُ كل
شيء ! عيناها تلمع ببريقٍ أحمر .. شعرتْ بخوفي فقالت بهدوء
:
_
نعلم انهُ وقتٌ متأخر ، لكننا لا نستطيع أن نزوركِ في النهار
.
الخوف تشعبَ إلى كل جسمي بقشعريرة برد .. وبومضةٍ رأيتُ قافلة من صور
الجان
تعبر مخيلتي ، لكن
تبادر إلى ذهني في الحال – كما قرأنا عنهم – ان الجن ليسوا
كالبشر .. نظرتُ إلى الرجلين .. عيناهما تلمع بنفس البريق .. تمالكتُ نفسي بعض
الشيء ورديت بصوت خافت يكاد يسمع
:
_
بماذا أستطيع أن أخدمكم
؟
رفعَ إليّ – الرجل الذي حياني – وجهه
..
وقال
:
_
بالحقيقة نحنُ قصدناكِ في خدمة .. ولأننا نعرف
طبيعة مجتمعكم ، فقد جلبنا معنا امرأة لكي تطمئني .. ولكي تسمحي لنا
بالدخول
.
لم أستوعب ما كان يقوله من الرعب الذي سيطر عليّ
..
فقاطعته:
_
اسمح لي .. مَن أنتم ؟ .. وماذا تريدون مني
؟
نهضَ الرجل وتقدم باتجاهي وجلس بجانبي
:
اطمئني ، فقد قصدناكِ بخير
.
لم أجب مؤثرةً الصمت .. وأكمل بعدما شعرَ بأنهُ
استطاع أن يُهدئني
:
_
سيدتي .. أنتِ كاتبة راقية جداً بنظرنا .. وكنا نقرأ ونتابع لكِ في
مجلة "
اليوم " روايتكِ " عنقود الكهرمان " وكما تعلمين نشرتِ الجزء الأول فقط ..
والثاني
لم يُكمل .. لماذا ؟
_
أجئتم في هذا الليل لتسألوني هذا السؤال ؟
_
نحنُ لسنا من
الأرض
.
حينَ
قالها أردتُ أن أصرخ . دقات قلبي تزداد وترتفع .. تقرع في رأسي كناقوسِ كنيسةٍ
قديمة .. ترتجف يداي .. ويجف فمي
.
انصرفت عيناه عني بعدَ أن كان يُحدق فيّ ملياً .. اقتربت
السيدة أكثر مني .. وأحسستُ بملامسة
فخذها لفخذي .. ووضعت يدها على
كتفي
:
_
أرجوكِ
..
اهدئي .. واطمئني .. لسنا هنا لنضركِ .. بل بالعكس
.
فجاوبتُ بحدة
:
_
بكل بساطة .. المجلة
أُغلقت
!
فردَ
الرجل الثاني من مكانهِ
:
_
والجزء الثاني موجود لديكِ ؟
_
بالتأكيد
.
_
زيارتنا من أجلِ
هذا
.
وتقدم هو
أيضاً .. ووقفَ أمامي ، فقلت
:
_
وضحوا لي أكثر ؟
_
ما نشرتهِ هنا كان يُنقل إلى مجلةٍ اخرى لدينا
..
وأنا رئيس تحريرها
.
قاطعتهُ بابتسامة
:
_
وهل تنشرونها بالعربية ؟
فابتسم لابتسامتي
:
_
لا
..
بلغتنا
!
وجدتُ
نفسي عاجزة عن التعبير بصدق عما أشعر بهِ وأُريد قولهُ .. شعرتُ أن عينيّ
اغرورقت
من شدة التأثر لهذا الفرح المفاجئ ! ..
وذلك الخوف المرعب تبدد إلى فخر وزهو لا
يوصفان .. فأكمل
:
_
لدينا مندوبون في الأرض ، وهم يقومون بترجمة الأعمال الجيدة ..
وروايتكِ
لاقت الاستحسان لدينا .. وبعدَ أن انقطعت توقفنا نحن أيضاً عن تكملتها ..
والغريب ..
وصلتنا رسائل كثيرة – بالآلآف – تطلب
تكملة الجزء الثاني .. ولم ندرِ ماذا نفعل
؟!
_
أتعرفون
..
مر على انقطاعها أكثر من سنة .. ولم يسأل عنها أحد هنا
.
_
انها رواية من طرازٍ
خاص
!
أحسستُ
بالاشراق ينبع من أعماقي .. فنهضت .. ودخلتُ غرفة المكتب .. وأخرجتُ من الدرج
الجزء
الثاني والثالث من روايتي " عنقود
الكهرمان " .. وضعتها في ظرفٍ أبيضٍ كبير
..
وكتبتُ عليهِ بخطٍ واضح : " إلى قرائي أينَ ما كانوا
" !
قدمتُها للسيد فابتسم
حين قرأ تلك العبارة على الظرف .. وصافحني بقوة هذهِ المرة .. وسألني
:
_
كم تطلبين ؟ قولي ما
شئتِ وسيكون لديكِ ؟
_
لا شيء .. إنها هديتي لقرء غرباء يسألون عني
.
فتقدمت السيدة نحوي
..
وأخرجت علبة حمراء من جيبها .. علبة ما رأيت بجمـالـها
وتصميمها البارع
:
_
هدية متواضعة جداً
لك
.
وضعتها على
الطاولة القريبة منها ..صافحوني .. وخرجوا وبقيتُ أنتظر لأعرف كيفَ سيغادرون
! ..
ابتسمت .. وابتسامتها لم
تظهر سوى في عينيها .. لم تُغير تعابير وجهها .. فقط
أضاءتها .. وكأن نوراً نبع من داخلها فأضاء وجهها .. وقالت
:
_
أرجوكِ .. اغلقي
الباب
.
قبلتُ
رجاءها وعدتُ إلى الصالة .. فتحتُ العلبة ، فتلألأ ما بداخلها وسطعَ أمام عينيّ
..
سحبتُ السلسلة فتدلى منها " عنقود من
الكهرمان