الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

واتا الحضارية

www.arabswata.org

 

عندما مات أبي

قصة

 

د. محمد فؤاد منصور
 

              كنت  صغيراً لاأدرك شيئاً ممايدور حولي ..لم أكن أعرف أحداً في هذه الدنيا غيره..يذهب إلى دكانه كل صباح ليعود في المساء محملاً بكل مايحتاجه البيت من أشياء ..أقصى أمنياته أن ننجح كل عام وأن نتقدم في دراستنا حتى عرفه فراشو مدارسنا فصاروا يعرجون إلى الدكان لينالوا منه الهبات والعطايا الصغيرة فيوصيهم بنا خيراً ..وعلى الرغم من أن حظه من التعليم كان ضئيلاً فقد كان حريصاً على تفقد أحوالنا الدراسية بنفسه مع كثرة مشاغله ومنافسيه في السوق "التي لاترحم "كما كان يحلو له أن ينعتها.
لم يكن دكاننا يحوي الكثير من البضائع كبقية الدكاكين الكبرى في المنطقة، الرفوف فارغة والبضائع كالحة المنظر لاتغري بالشراء وزبائننا معظمهم من فقراء الحي الذين يحصلون بالكاد على ضروريات الحياة.
الرفوف الكثيرة كانت خالية تقريباً إلا من بعض قطع الصابون الرديئة ،وزجاجات زيت التموين كالحة اللون وقد انبعج بعضها فسال مافيها ولوّث الرفوف ، أما المخزن فكان لايخلو من أكياس الأرز والدقيق ، واحتياجات أهالي الحي الفقراء الذين يتعاملون غالباً بعملات معدنية منقرضة تدور بين المليم ونصف الريال ولاتكاد تتخطاها إلى العملات الورقية عالية القيمة.
رغم فقر دكاننا الواضح ومستوى زبائننا المتدني، إلاّ أنّ أبي كان دائم الشجار مع أصحاب الدكاكين الرائجة المكتظة بالزبائن ،كان ينعتهم باللصوص الذين يسرقون أموال الناس ..!!
وعندما سطا بعض اللصوص على مخزننا راح يجاهر بالعداء ،ويتهم التجار الكبار في الحي بأنهم وراء هذه السرقات التي تكررت أكثر من مرة وعلى الرغم من تدخل "عم فرحات "الطيب /بواب العمارة التي تقع على ناصية الزقاق ، ونجاحه في إعادة بعض المسروقات إلا أن أبي لم يكف عن سب التجار الكبار ونعتهم بأبشع النعوت ، أكثر من مرة أوقفوه في الطريق وطالبوه بأن يتوقف عن الإساءة إلى سمعتهم ،حتّى كادوا يفتكون به ..لولا تدخل العم فرحات بوجهه الأسمر وطيبته المعروفة لردهم بالحسنى.
كان التجار الكبار بحينا يكرهون أبي ويشيعون أنه جلف قليل الذوق بل ويتهمونه بمعاداتهم دون مبرر ، وكان أبي يهز رأسه آسفاًَ، ويقول :
-
هؤلاء اللصوص .. يسرقون الناس عيني عينك ويغضبون حين ننبه الناس لسرقاتهم.
لم يكن عم فرحات عدائياً مثل أبي على الرغم من كونه أحد فقراء حينا الذين كانوا يحظون برعاية أبي وهباته الصغيرة مقابل إشرافه على إدارة الدكان كلما أضطر أبي للذهاب لقضاء مصالح خاصة كاستلام الحصة التموينية أو مراجعة البطاقات ..
لم يكن عم فرحات مثل أبي مع أنه كان يعمل تحت إمرته، وكان يساعده كلما أتيح له ذلك مثلما كان يفعل مع بقية أبناء الحي..
*** **** ****
لم يكن أمام أمي إزاء مايتمتع به العم فرحات من صفات وإزاء مايلوح من تدهور أحوالنا بعد وفاة أبي سوى أن تسند إلى العم فرحات إدارة المحل خاصة وإنه كان يتمتع بثقة "المرحوم" كما كانت تردد دائماً، والحق إنّ مظهر العم فرحات ببشرته النوبية وتردده الدائم على المسجد لأداء الصلوات في أوقاتها.. وأثر السجود الواضح الذي يتصدر جبهته وكأنه الختم المعتمد للتقوى والإيمان ..كل ذلك كان يبعث على الثقة في أمانته، وبدوره فإن العم فرحات لم يترك مناسبة تمر دون أن يعلن فيها إنّ أبناء "المرحوم" أمانة في عنقه وإنّه لن يهدأ له بال حتى يطمئن إلى إكمالهم لتعليمهم وحصولهم على وظائف محترمة..
كان يغذينا بالأمنيات العذاب بل وأحياناً بالأحلام المستحيلة ، ورغم أنني كنت أكبر إخوتي إلا أنني كنت أصغر من أن أدير تجارة بهذا الحجم فضلاً عن أن العم فرحات لم يكن ليرضى أن أترك مدرستي مهما كانت الأسباب ،كان يؤكد لأمي ((إنّ لحم أكتافه من خيرنا ))وإنّه لن ينسى أفضال أبي عليه وعلى أولاده، وكلما ثارت مخاوفها أو استبد بها القلق على مستقبلنا كرر مقولته الشهيرة بأننا سنتعلم في أحسن المدارس وسنحظى بأفضل الفرص..
لكن حادثاً طارئاً أزعج أمي وجعلها ترسل في طلب العم فرحات على عجل لسؤاله عن استخدامه للفتى "مبروك"ذلك الفتى العاطل ،والذي كانت تتردد الأشاعات بأن منافسي أبي كانوا يستخدمونه للسطو على مخزن السلع الملحق بالمحل..وبصوته العميق ونبرته الواثقة راح العم فرحات يؤكد لأمي :
-
لاتقلقي ياسيدتي فلا يفل الحديد إلا الحديد.. لن يهدأ لي بال حتى يتم القبض على هؤلاء الأوغاد وتسليمهم للعدالة ، أما البضاعة التي سرقوها من المخزن فسيدفعون ثمنها مضاعفاً .. لاتشغلي بالك من ناحية مبروك فهو ينقل لي كل أسرارهم وإنما استخدمه كطعم للإيقاع بهم.
كانت لهجته الواثقة تبعث فينا الاطمئنان والسكينة.. غير أن مشاعرنا تجاه مبروك لم ترق أبداً ،فمشاعره الجامدة ،وتاريخه الغامض ،والسرقات المتتالية التي تعرض لها مخزننا كانت تقف حائلاً بيننا وبينه ، وسرعان ماتناسينا الموضوع مع انتظام العم فرحات في الحضور إلى منزلنا ليراجع حسابات المحل.. إضافةً إلى ما شهدته تجارتنا على أيدي العم فرحات من رواج وماشهدناه نحن من رعاية حين يأتي محملاً بهدايا لم نعهدها من قبل، تلك الأشياء التي تستهوي الصغار ، لعب بلاستيكية تتحرك ، شيكولاتة محشوة بالبندق ، فوانيس لرمضان تعمل بالبطارية..وفضلاً عن كل ذلك فقد امتلأت الرفوف بالبضائع من كل لون.
الحق إنّ العم فرحات كان رجلاً طيباً يعرف كيف يتعامل مع الجيران ليتقي شرهم وهو باختياره لمبروك كمعاون له في إدارة الدكان قد تمكن من استعادة جزء من البضائع التي سبق أن سرقها مبروك نفسه من المخزن، ربما لهذا اختلفت نظرة الكثيرين إليه ، وتراوحت آراء الناس فيه بين اتهامه بالطيبة الزائدة لحد الغفلة ..و بين الدهاء المفرط الذي لاتحده حدود ..
لكن أمي لم ترتح أبداً لماشمل دكاننا من تغيير شامل ، وكانت تردد على مسامعنا كل مساء عبارات لاذعة من قبيل :
-
وما لزوم الواجهات الضوئية وأرضية السيراميك ؟ وهذه البضائع المستوردة والتي لايقدر على شرائها أبناء حينا الفقراء ماضرورتها ؟
كنت أحاول من جانبي أن أقنعها بأن أحوالنا قد تحسنت بفضل همة العم فرحات ونشاطه، فكانت تطرق وهي تنظر إلى الأرض كأنما تبحث عن شئ ضاع ، ثم تهمس كأنما تحادث نفسها :
-
رحم الله أباك ..لم يكن يحب البهرجة ، كان كل همه أن يوفر لهؤلاء الفقراء من الأهل والجيران مايحتاجون إليه بأسعار رخيصة .. ألم تلاحظ حتى رواد الدكان قد اختلفت أشكالهم!!؟ صاروا من علية القوم الذين يسكنون "الجانب الإفرنجي" من المدينة.

رغم مشاعر الحب الجارف التي كنا نكنها لأبي فقد كنت وإخوتي نغضب حين تقارن أمي ماآل إليه حالنا من بحبوحة وانتعاش وغضب الجيران الفقراء وصبهم اللعنات على فرحات ومساعده ، مع ماكنا نعيش فيه من فقر أيام أبي واجتماع أهل الحي جميعاً على حبه ومودته.. وكنت حين يستبد بنا الغضب أصرخ مستهجناً موقفها:
-
هؤلاء كانوا يستغلون طيبته ليسلبوه أرباح تجارته وكنا نعيش في ضيق من أجلهم.. انظري إلى أحوالنا اليوم والدكان المكدس بالبضائع المستوردة ، والمزين باللافتات اللامعة المضيئة وزبائننا الجدد من ذوي الملابس النظيفة ..أين أولئك الحفاة العراة من زبائن العم فرحات الذين يمتلئ بهم الدكان في كل حين؟
كانت المناقشة تنتهي دائماً بأن تلزم أمي الصمت ، وتقلب كفيها وهي تنظر إلى السماء داعية بأن يسترها الله معنا في الدنيا والآخرة..

لم يمض زمن طويل حتى استيقظت ذات يوم على مشادة كلامية بين أمي والعم فرحات حين أبلغها بأنه قام بتأجير الساحة الخلفية للدكان وجزء من مخزن المواد التموينية لأحد كبار التجار بالمدينة ، وعلى الرغم من أن العم فرحات كان يدافع عن سلامة تصرفه بإدعاء كون الأرض لم تكن تفيدنا بشئ وأن المخزن الواسع لالزوم له، إلا أنني أحسست بنبرة صوته الغاضبة ،وأدركت لحظتها أن شيئاً ما قد تغير فيه ،وأنه لم يعد العم فرحات ذلك النوبي الطيب الذي عرفناه منذ زمن بعيد .. تجلى ذلك التغييرحين صاح ساخطاً :
-
ومن أين آتي لكم بمطالبكم إذا لم أتصرف على هذا النحو ؟ ألا تعرفون كم تنفقون؟ احمدوا ربكم فلولاي لضاع الدكان وفاءً للديون

كانت تلك المرة الأولى التي اسمع فيها كلمة الديون تتردد في منزلنا، ولكنها لم تكن المرة الأخيرة فقد اعتدت بعد ذلك على المشادات التي كانت تنشب بين أمي وبين العم فرحات الذي بدا لي رجلاً مختلفاً عمن نعرف ،وفي كل مرة كانت تنفرد بي أمّي لتهمس كالمعاتبة ..
-
ألم أقل لكم؟ ..لم يطمئن قلبي يوماً لكل ذلك التغيير الذي تم .

الغريب في الأمر أن فرحات لم يعد يزور بيتنا وحده منذ بدأت تلك المشادات الكلامية حول أحوال الدكان ،وإنما صار يصطحب معه مساعده مبروك والذي رغم علمه بأننا لانحتمل وجوده في حياتنا إلا أنه كان يسمح لنفسه أن يتدخل ليهدئ من غضب العم فرحات حيناً وليهدئ أمي حيناً آخر خاصة وقد بدأت الأحوال تتدهور، وأصبح مايردنا من الدكان لايكفي مصروف بيتنا ولامصاريف دراستنا ..

ذات يوم وعلى إثر مشادة من تلك المشادات التي طبعت العلاقة بيننا وبين فرحات تدخل مبروك ليعرض أن تقوم أمي بتأجير الدكان للعم فرحات نظير مبلغ ثابت يأتينا شهرياً، ووافقت هي مرغمة على هذا الحل الذي لم يكن هناك ماهو أفضل منه لضمان استمرار حياتنا كما تعودنا ، وبدا أن ذلك الحل هوالأفضل لرأب الصدع في العلاقة بيننا وبين العم فرحات مع التزامه الواضح بما اتفقنا عليه ..

لكن الأقدار على مايبدو كانت لنا بالمرصاد ففي معركة من تلك المعارك التي تنشب عادة بين أهل الحي ، والتي كان العم فرحات يتدخل لأنهائها بماصارله من مكانة جديدة كأحد تجار الحي المرموقين ..أصابته ضربة عصا قوية شجت رأسه ،وأسالت دمه وسرعان مالفظ أنفاسه الأخيرة..
لنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام مبروك الذي يعلم كل شئ عن الدكان ومافيه،المشكلة الآن أن مبروكاً هذا لم يعد يدفع لنا كما كان يفعل العم فرحات .. وحين واجهته أمي بأن لاحق له في البقاء في دكاننا.. ثار وزمجر وتحلق به أعوانه من اللصوص المعروفين بالحي ،والذين طالما استعان بهم في السطو على مخزننا يهدئون ثائرته، ويمنعونه من الفتك بي وبأمي، وقد أبرز ورقة يدعي فيها أن فرحات كان قد أجر له الدكان من الباطن قبل مصرعه بشهور بربع قيمة ماكان يدفعه لنا نظير قيامه بسداد ماعلى الدكان من ديون متأخرة .. !!
ومازلت كلما مررت من أمام دكاننا الذي صار دكان "مبروك وعصابته " أترحم على أيام أبي وأتمنى لو يعود الفقر إلينا من جديد.

تعقيب

أخي المبدع الرائع الدكتور محمد فؤاد
إنسيابة القصة التاريخ و عناصرها التشويقية
و لغتها البليغة لا أختلف فيها مع أي من الزملاء
فقد أجدت و ابدعت ،
إلا أنني أختلف مع الإخوان حول الأب ،
فقد كان بالتأكيد حسن النية
و يريد الخير لأسرته و جيرانه ،
أما العم فرحات و إن كان موضع ثقة الأب ،
إلا أنه - لفرط خبثه - بدأ في التغيير تدريجيا
إلى أن كشف في نهاية الأمر عن حقيقته
// و لا فضل له كما يعتقد بعض الزملاء ،
فيكفي أنه طعن القضية الفلسطينية
تلك الطعنة النجلاء//
و كان لا بد في النهاية
من وصول // مبروك//
***
أخي الكريم
فليحيى فكرك الألمعي و قلمك الذهبي
نزار