.

الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

المنابر الثقافية

www.mnaabr.com

عندما شــــاء القدر

رواية قصيرة

أحمد فؤاد صوفي*


 الفصل الأول

انتهت حرب ( مايو )حزيران ( 1967) بنكسـة كبيرة للعرب . . مســـت تاريخهم بشرخ لا يلتئم . .
وخـرج وليد من هذه الحرب حزينـاً مكسـورالإرادة يحـــس بالضعـف وقلة الحيلة . . فقد استشهد والده وهو يدافع عن بيته أرضـه . . وبقي وعائلته لا معين لهم ولا مكـفـكف لعبراتهـم . . وعانى مـع أخـوتــه الثمانية الأمرين وشظف العيش . . ولم يستطيعوا إلا بالكاد أن يجابهوا تيارالمتطلبات الحياتية المختلفة من مأكل و مشرب حتى نســـوا السعادة أو تناسـوها . . فلا وقت لديهم إلا للعمل . . والاجتهاد . .
وحدها صباح ، جارتهم الجميلة . . كانت البلسم الشافي . . نظرة منها تحيي الفؤاد . .بســـمة منها تصنع البهجة . . وتعني استمرارالحياة . . وبأن الأمــل في الغــد لا يمــوت . . .
كــــان وليد ثالث أخوته الذكور . . وفي أوائل العشرين من عمره . . نبض قلبه بحب جارته الجميلة . .كانت أغلى ما عنده . . ولم يكن باستطاعته أن يراها إلا بالصدفة . . فتقاليد قريته لا تسمح بذلك . .أما أن يكلمها . . فتلك هي معضلة أخرى لا حل لها أبداً . .
وقد سنحت له فرص قليلة ليقابلها . . ويتكلم معها . عندما تكون في زيارة لوالدته . . أو لإحدى أخواته . . كلمات مقتضبة. . ونظرات تتفاهم معها القلوب على قرارات المستقبل. .
كان مطمئناً بأنها له . . ولا قوة يمكن أن تأخذها بعيدة عنه أو أن تكون لغيره.
فجأة. . ! ! وفي يوم تجلل بتعاسة نادرة . . انقلب كل شيء في حياة وليد . . فقد اتهمه جاره علي . .
الشقيق الأكبر لمحبوبتــه. . بأنه ومحبوبته كانا سوية في مساء اليوم الفائت . .في البيت المهجور الذي يقع على أطراف القرية. .
وحدها صباح . . عرفت ما حصل . . فمنذ عدة أشهر. . جاء إلى القرية عنتر البائع المتجول. .
وكان لديه فستان جميل أعجبها فاشترته. . واشترت مثله صديقتها غيداء. . وصباح هي الوحيدة التي تطلع على أسرار صديقتها بأن لها صاحباً ينوي أن يخطبها عندما تـتـيـسر أموره المادية. .
فلا شك أن أخاها قد رأى صاحبتها تخرج مع صديقها من البيت المهجور. . وهي تلبس نفس الفستان . . فظن أنها هي . . وقد غابا في الظلام ولم يتمكن من الإمساك بهما . . .
وتأكد ظن صباح بعد ساعات قليلة . . فقد جاءت صديقتها ترتعش مرعوبة . . ونمت نظراتها أنها هي المتهمة الحقيقية . .
ولكن ذلك لن يغير شيئاً . . فما فعلته صاحبتها بالذهاب ليلاً إلى البيت المهجور . . لا جزاء له في القرية إلا القتل . . .
وتزلزل كيـان وليد . . ولم يدر مايفعل . . فهو وحبيبتـه بريئان من هذه التهمة . . وقد كان مســاء البارحة في البيـت لم يغادره . .
وترجـَّى والدتـه أن تستطلع له الأمـر . . فقبـلت تحت إلحاحــه أن تقــوم بالمهمة . . وقامت مسرعة إلى جارتها . .
ثم عادت بعد مضي دقائق قليلة . . دامعة العين . . مقطبة الجبين . . تهمهم وتردد . .
"
هذا ظلم . . والله ظلم. . لا يريد أخوها أن يصدق أن أخته كانت البارحة في البيت . . وسوف يقوم بتزويجها خلال أسبوع واحد . . "
وانسلت الأم إلى غرفتها حتى لا تواجه نظرات ابنها وانكساره أمام هذا الموقف الدامي . . وهي تعلم تماماً ماذا تعني صباح الجميلة بالنسبة له . . .
كانت الصدمة شديدة . . سمع وليد الخبر . . وغادر على عجل . . هائماً على وجهه . . لا يشعر بنفــسه . . شارداً معتل الفؤاد . . ويمم وجهه صوب البساتين البعيدة . . هنالك وجد وحدته . . ووجد ذاته . . لكنه لم يستطع تجاوز الأزمة . . فالضربة كانت قاصمة . . ولقد أحب جارته حباً وفيا جارفاً . . وحال بينهما ظلم كبير لادخل للنصيب فيه . . .
مر النهار بطوله . . وآذنت الشمس للغروب . . ووليد جالس بمكانه . . دون طعام أو شراب . .
ساهم يتفكر بما آلت إليه حياته . . يمر شريطها أمام ناظريه وينتهي إلى ما بدأ منه . . ثم يتوالى من جديد . . .
وعندما مالت الشمس للمغيب . .
الفصل الثاني

وعندما مالت الشمس للمغيب . .
كان القرار قد نضج ودخل مرحلة التنفيذ . . وقد كان قراراً بسيطاً حاسماً . .
البلد التي ظلمني أهلها . . لاأبقى فيها أبداً . . وكيف بالله أبقى وحبيبتي ستصير لغيري ؟ . . .
ســــأبقى في العاصمة . . أخبر أمه التي بكت وقبلت . . لم تعترض . . دعت له بالتوفيق . . وبأنها راضية عنه . . وضمته وطيبت خاطره . . .
في الصباح الباكر . . على رصيف محطة الباصات . . حقيبة واحدة مع راكب وحيد. . يتجه وليد إلى العاصمة . . في جيبه مبلغ بسيط من المال . . كان يدخره لزواجه . . يغوص في مقعده . . ويغيب مع ذكرياته . .ولا يتمكن بأي شكل من الأشكال أن ينسى الظلم الذي أحاط به . . صار متهماً . . على ذنب لم يقترفه . .
ومست التهمة اسم حبيبته فاتهمت معه . . كيف ينسى ؟ . . .
وصل العاصمـة الكبيرة . . وعملت مسؤولياتــه الجديدة . . رويداً رويداً . . على إزاحــــــــــة كتــل الهـم والتعاسة عن كاهله . .
وجد عملاً وانتظم فيه . . واستأجر شقة صغيرة و قام بفرشها . . وبعد فترة بسيطة عافت نفسه أكل المطاعم فصار يجهز طعامه ليلاً . . ويضعه في الثلاجة . . فيكفيه ليومين أو أكثر . . حياة روتينية رتيبة . . ولكنها أخرجته من أزمته . . فبدأ يعود لحاله الطبيعية . . .
أما أن يزور قريته . . فلم يتمكن أن يتقبل الفكرة أبداً . . فما أن يمر هذا الخاطر أمام ناظريه . . حتى ينتفض بدنه . . ويزداد وجيب قلبه . . ويحس بسيف الظلم ينتهكه . . ويجدد آلامه . . فيهرب من ذكرياته إلى واقعه . . ينشد فيه أمان نفسه . .
عسى أن يتمكن يوماً من السيطرة على عواطفه المستباحة . . .
وعلى الرغم من اشتياقه الشديد لأمه وأخوته . . فلم يستطع الخروج من دائرة الظلم التي أحاطت به . .
كما كان من الصعوبة على أمه المريضة أن تزور العاصمة . . فكان يرسل كل شهر رسالة مقتضبة واحدة . .
ومضى الزمن سريعاً . . وتحسس وليد طريقة الحياة في المدينة الكبيرة . . فأتقنها . . وتحسن وضعه الاجتماعي . . وصار له شلة من الأصدقاء . . ثم أبدل شقته بشقة أوسع . . فرشها بشكل لافت وملأها بالتحف والكماليات . . وبالإنارة المخفية التي تعطي شعوراً بالإنسجام و الراحة . .
وفيما عدا ذلك . . فقد كان لكل من أصدقائه . . زوجة أو صديقة . . هو الوحيد الذي كان معتزلاً لصنف النـساء . . دون أن يدري أحـد السـبب . . لقد كان الظلم في قلبه جارحاً . . كلما تذكره ينزف دماً . .
سمر . . تلك الفتاة رائعة الجمال . . زميلته في العمل . . وصديقة مقربة لأحد زملائه . .
بدأت تنظر إليه نظرات فتاكة . . غير بريئة . . لم يعرها في البداية اهتماماً جاداً . . ولكنها لاقت في قلبه شغفاً وصدى . . فتجاوب معها بابتسامة . . ثم بدعوة لرشف فنجان قهوة . . ثم بدعوة إلى عشاء راقص . . ولم تمانع من زيارته في بيته . . وكانت سعيدة لما زارها وتعرف على أهلها . . ووجد منهم ترحيباً ومودة .. لم يسألوه عن ماضيه . . ولم يحرجوه بشيء . . بل فتحوا له بيتهم و قلبهم . . وهو بدوره لم يسأل عن شيء . . جمال الفتاة وبريقها الأخاذ جعل على عينيه غشاوة . . فلم يكلف نفسه عناء البحث والتدقيق عمن ستكون شريكة حياته . . بل جرت الأحداث مسرعة . . وتمت الخطبة بحفل صاخب . . أغدق فيه وليد الهدايا على خطيبته . . كي لا يقال بأنه دون المستوى . . .
ومرت الأيام . . وبدأت الغشاوة بالانقشاع شيئاً فشيئاً فجميع الهدايا والحفلات والمعاملة الطيبة . .
لم تلق لدى الخطيبة الجميلة صدى طيباً . . لا شيء يرضيها . . كأن شيئاً ما يأسرها . . تخاف أن تفضح عنه . . وكان من الواضح تماماً أنها لا تأخذ خطبتها من وليد مأخذ الجد . .
الفصل الثالث

أما هو فقد غالب عواطفه . . وأوهم نفسه

أما هو فقد غالب عواطفه . . وأوهم نفسه . . بأن سمر . . الجميلة . . سليلة العز والنسب . . قد أصبحت ملكه . . .
ولكن . . مهلاً أيها المســكين . . أين لمن ألـف التعاســة ان تأتيـــه الســـعادة بهذه السهولـــة . .
و أين لإنسان بسيط من قرية بعيدة . . أن يصاهرعائلــة ثريــة من العاصمــة . . .
بدأت سمر بالتأفف . . وبدأت بالتهرب من مواعيده . . وصارت تتحجج بكل الحجج الممكنة كي لا تراه . . وإذا ذهب إليها . . كان لايجدها . . وإذا سأل أهلها يأتيـــه جواب واحـد . . إنها مع الشلـة . . !
ويتساءل وليد . . وهل هنالك بعد الخطبة شلة . .؟! ولو كان ذلك صحيحاً . . فكيف تذهب بمفردها ! !
ومضى وقت قصير . . قبل أن يتبرع أحد الأصدقاء المقربين بإفشاء السر . . وما أفشاه إلا حسداً وشماتة . .
لقد فاحت رائحة خطيبتك مع زميلنا ســـامي . . وهي لم تقبل بالخطبة أصلاً إلا لإثارة غيرته. .
لقد وعدها بالزواج. . وهي لا تبارح شقته طيلة النهار . . ! !
زالت الغشاوة . . وفسخت الخطبة. . ولاحقت وليد نظرات الاستهزاء و الشماتة . . مع قليل من الشفقة
وكأنهم يقولون له ** أنت مكانك تحت . . لن
تصعد إلى الأعلى . . أنت في الأسفل . . وستبقى
دائماً في الأسفل **
تضاعفت أحزان وليد . . وكثرت همومه . . وألجأه اليأس من حاضره إلى البحث عن تغيير جذري بحياته . . فذهب إلى مكتب توظيف . . وطلب عملاً خارج البلاد . . فلا سبيل لهروبه إلا بذلك . . . وسنحت الفرصة بعد وقت قصير . . فلملم أحزانه . . ومعها أغراضه ومقتنياته البسيطة . . وتوجه إلى المطار . . مغادراً إلى بلد الهجرة العربي الذي اختاره . . لايعرف أحداً . . ولا يعرفه أحد . . رمى خلفه كل ذكرياته . . وبدأ من جديد . .
و ساعدته خبرته في العمل وشكله الحسن وأدبه الجم في التعامل مع الآخرين . . أن يحصل على وظيفة جيدة . . وأخلص لوظيفته وأفنى نفسه فيها . . ولم يتذمر أو يتأفف . . فصار مضرب المثل . . تحسن مركزه . . وزاد دخله . . وحددت له مكافأة مجزية يستلمها كل عام . . .
وأعجب به أحد كبار الموظفين . . وهو واحد من أعضاء مجلس الإدارة . . فقربه إليه . . وجعله مكمن سره . . ثم بدأ يدعوه إلى بيته للعشاء أو لشرب الشاي . . ثم . . وبعد مدة ليست بالطويلة. . صارحه برغبته أن يزوجه بأخته الصغرى . .التي تقاربه في السن . . والمسؤولة في نفس الشركة عن التسويق والعلاقات العامة. . وكان في ذلك مفاجأة سعيدة لوليد . . لقد آن الاوان أن ننسى الهموم . . ونترك وراءنا الأحزان . . وننزع عن جوارحنا جميع ذكرياتنا الأليمة . . .
أبدى وليد موافقته . . وتم كل شيء حسب طلب العروس . . ولم تمض غير بضعة أشهر . . حتى كان ينعـم مع عروســه بحيــاة هانئـــة . . حسبهـــا ستـدوم إلى الأبـــد . .
وكملت سعادته بولدين جميلين ملآ حياته وحياة زوجته بالبهجة والاستقرار النفسي . . أو إنه قد تخيل ذلك . .
ولأن التعيس يبقى تعيساً . . ولا تعرف السعادة عنده مستقراً . . وكأن القدر يناكفه . . فقد كانت زوجة وليد دائمة التذمر من تاريخ زوجها ومستواه الوضيع . . فهي الأميرة وهو الأجير . . وقد اضطرت للزواج منه حتى لا تبقى عانســـاً . . ولم تشفع له معاملته الحسنة أو وجود الأولاد . . أن تغير من تأففها ولا من جبروتها . . فهو وبعد كل ما قدمه . . لا يساوي لديها أكثر من خادم عديم القيمة . . . وقد حاول مراراً ألا تخرج خلافاتهما عن دائرة البيت . .

الفصل الرابع

وقد حاول مراراً ألا تخرج خلافاتهما عن دائرة البيت . . ولكن زوجته لا يهمها الفضيحة . .
بل إنها تحمل من حولها مسؤولية تزويجها تلك الزيجة الوضيعة . .
وتعودت كل حين أن تأخذ أولادها وخادمتها وتمكث في بيت أهلها لشهر أو لشهرين . .
لتريح أعصابها من زوجها ومستواه المتدني . .
ثم وتحت ضغط الوضع الراهـن. . تحـس نفسـهـا مضطرة للعودة . .
وهكـذا تتوالى الأيــام والسنـــون على نفــــس المنوال . . حتى قررت يوماً أن تتطلق . . وتبعد عن زوجها وحتى عن أولادها . . فهم يذكرونها به . . وهي لا تتحمل ذلك أبداً . .
وقد ظن وليد في البداية أن ذلك هو النغم الذي اعتاد عليه وبأنه سرعان ما يتلاشى . .
و لكن زوجته ذهبت في إصرارها إلى النهاية . . ولم ينفع تدخل شقيقها ولا أهلها في ثنيها عن موقفها . . ورضخ وليد للأمر . . وأتم الطلاق بسرعة . .
ولكنه قرر أن يترك البلد ولا يبقى فيها أبداً . . .

. . .
خمسة وعشرون عاماً مرت منذ أن غادر وليد قريته . . أولاده ما زالوا صغاراً . .
حنين جارف يشده إلى مسقط رأسه . . إلى قريته . . التي لم يدخلها خلال ربع قرن ولو مرة واحدة . .
فقد كان الظلم الذي تعرض له وقتذاك . . كفيلاً بمنعه من ذلك كلما فكر بالعودة . . .
حمل وليد مقتنياته وولديه . . ويمم وجهه شطر قريته . . واحس وهو يدخلها بخفقان قلبه . .
وبالعرق يغمر جبينه ويخرج من مساماته . . وبارتفاع حرارته . . ولكن تخوفاته تلاشت . . فور أن دخل البيت . . وتلاقى مع والدته وأهله . . وأحس بفرحهم الغامر . .
ومحبتهم له . . وسعادتهم بعودته . . .
هاهوذا بيت الطفولة . . وهاهي ذي المكامن القديمة . . تغيرت القرية التي يعرفها تغيراً كبيرا . .
ولكن البساتين والينابيع والشجرات التي ألفها وأحبها . . لم تتغير . . فهي شامخة في مكانها . . لله ما أجملها. .
في اليوم الثاني مباشرة . . جاء جيران وليد لزيارته . . وكأنهم يكفرون بهذه الزيارة عن خطأ قاتل ارتكبوه معه وهو منه براء . .
إذن فقد ظهرت الحقيقة خلال غيابه ولم يعد متهماً في قريته . . لقد أصبح بريـئاً . .
ومع أن القصـــة قد مضى عليهــا زمن طويــل . . فقد أفرحــــه ذلك كثيراً . .
حلت السكينة على قلب وليد . . وشعر للمرة الأولى باستقراره الداخلي وهدوء نفسه . . وبأنه يسيطر على مجريات الأمور التي تحيط به . .

*
إن سـعادة النفــس تنعكــس على صفحــة القلــب . . فتظهــر على المحيــا . . وتكتـنـف البــدن . . .*
شيء غامض كان ينغص هذه السعادة الوليدة . . يراه في أعين أهله . . وخصوصاً والدته . . ولا يعرف كنهه . .
*
أمي ! !ماذا هنالك . . ! ماذا تخبئين عني . . ! هل لذلك علاقة بصباح . . !
وهطلت دموع الأم . . ونظرت إليه نظرة يملؤها الحزن والشفقة . . هذه الفتاة المسكينة . . ماذا فعلت ليحل عليها كل ذلك الظلم . . لقد تزوجت وكأنها مجرمة . . لا احتفال ولا مهر . . ولم يقصر زوجها بظلمها . . منعها من مغادرة البيت فترة طويلة . . ثم تزوج عليها وأهملها وأولادها . . وأذاقهم صنوف الذل والفاقة . . لديها خمسة أولاد . . اكبرهم في العشرين . . اسمه فادي . . وقد توفي زوجها منذ عام مضى . . وتركهم فريسة للفقر والفاقة . . .
أحس وليد بعالمه ينهار

الفصل الخامس و الأخير
أحس وليد بعالمه ينهار . .
ومع أنه لم يذنب تجاه حبيبته بشيء . . فقد شعر في داخله أنه مسؤول عن تعاستها وما حل بها . .
لم ينم ليله . . وذهب في الصباح الباكر إلى البساتين البعيدة . . ملاذه حين الأزمات . . وحيداً . .
يريد أن يتخذ قراراً مصيرياً . . ولا يريد أن يخطىء . . ولكن نفسه تدفعه دفعاً لاتخاذ القرار بسرعة وبدون تأجيل . . رغبة الظمآن الذي يتوق إلى الماء . . والغريق الذي يتطلع إلى يد منقذ . . .

أمي . . سأخطب صباح . . !

بكت الأم وزغردت . . فهذا أسعد خبر تسمعه منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً . .
هنالك مشوار علي أن أقوم به . . قالها وليد في نفسه . . وأسرع قاصداً السوق . .
رفع علي شقيق صباح رأسه فوجد وليد أمامه . . فبهت ولم ينبس ببنت شفة . . !
*
كيف قدرت أن تظلمنا بكل تلك البساطة . . لقد تحولت حياتنا بسببك إلى جحيـم . . كنا أصدقاء . . وذكرياتنا مشتركة . . ماذا فعلت . . ! هـل تشــعر الآن بالرضى . . !
كان جواب علي قصيراً مقتضباً . .
صديقي وليد . . لقد أخطأت بحقك وظلمتك . . وكان الشيطان شريكي . . أتمنى من كل قلبي أن تتمكن يوماً من مسامحتي . .

في نفس اليوم . . جمع وليد ولديه وأخذ والدته و والدة محبوبته . . وذهبوا جميعهم إلى بيت صباح
. .
دون أن يعلموها بقدومهم . .
طرق هو الباب . . فتحت الإبنة الصغرى سعاد ذات الثلاثة عشر ربيعاً . . وتفرست في الوجوه الغريبة . . حتى استقر بصرها على وجه جدتها التي ضحكت لها وقبلتها . .
قولي لأمك إنني ووليد وأمه وأولاده لدى الباب .
تجمدت صباح من هول الموقف . . ولم تتمكن من السيطرة على عواطفها . . ولكن وجود أمها مع الضيوف سهل الوضع قليلاً . . وتقاطر الأولاد يباشرون الحدث الكبير . .
ويتعرفون على الضيوف . . الفضول يملؤهم . . لم يستطيعوا معرفة سبب الزيارة ولا تخمينه . .
وحدها صباح عرفت وتيقـنت . . فحبيبهـا لم يتركها . . عمر مضى . . ولكنـه لم يتركها . .
هاهو ذا قد عـاد . . و عـاد معه الأمـل . . .

أطلت صباح على الضيوف . . وعلى حبيب القلب الذي فصلت خمسة وعشرون عاماً بينها وبينه . .
نفس الجمال ونفس الهدوء . . ابتسامة آسرة وحنان دافـق . . وقفت هنيهة تتأمل الوجوه السعيدة . .
لم تستطع تحمل الموقف . . هطلت دموعها . . وانزوت تحتمي بظل والدتها . .
واعترت خديها حمرة الخجل . . ممزوجـة بالرغبـة والفرح . . ورنـت إلى الأرض . .
سكن الجمع . . واشتعل وجيب القلوب يستطلع الخبر . . ما الحكاية . . ! ماذا يحصل . . !
قطع المشهد المؤثر والدة وليد . . قامت إلى صباح . . ربتت على كتفها . . ومسحت على رأسها . .
ثم جلست قربها . . لم تستطع الكلام . . لم تستطـع الإتيان بأي تصرف مهمـا كـان . .
ســحبتهـا والدة وليد برفق * تعالي معي * واختفتا في الداخل . . .
ووجدها وليد فرصة طيبة أن يتعرف بالأولاد
بوجود جدتهم . . فهذا فادي الابن الأكبر في العشرين من العمر . . يشتغل بالتجارة لمساعدة الأســرة . . وعمله غير ثابت . . وهذا عمر في الثامنة عشرة . . حصل أيضاً على الثانوية . .
ويعمل في ورشة نجارة بمدخول بسيط . . وهذه ماجدة في الخامسة عشرة . . ومصطفى في الرابعة عشرة . . وسعاد في الثالثة عشرة . . ما زالوا في المدرسة . . يكملون تعليمهم . . تعرف وليد عليهم . . وأحبهم وبادلوه حباً بحب . .

فالحب إذا خرج من القلب . . لا يجد مكاناً له إلا القلب . . والحب الصافي الخالي من الغرض . . لا يقابل إلا بالصدق والمحبة . . .
استأذن وليد بالانصراف . . وترك والدته في بيت محبوبته . . وعاد مع ولديه إلى البيت . . وما أن حل المساء حتى عادت والدته تبشره بموافقة صباح على الزواج منه . . .
في الصباح التالي . . أخبر وليد صديقه علياً بموضوع الخطبة . . وقرب زواجه من شقيقته . .
لم يصدق علي الخبر . . انفرجت أساريره . . وبارك لصديقه ما يخطط له . . وأصر على تحمل كافة مصاريف المناسبة. .
**
الحمد لله الذي جمعنا بعد تفرق . . الحمد لله أنك سامحتني . . ألف مبروك . . يا أنبل صهر**
ذهب وليد في نفس اليوم مع والدته و حماته مرة ثانية إلى بيت محبوبته . . تملؤه الغبطة . . ويعمه الفرح . .
كان الجميع مترقباً . . على وجوههم بهجة و حبور . . قلوبهم يملؤها الحب . .
عالم من العواطف الجياشة كان بانتظار وليد . . لقد ضحكت لنا الدنيا أخيراً . . .
**
صباح يا غالية . . أولادك هم أولادي . .
ولن أجد لولدي أماً أحن ولا أجمل منك . .
سيكمل أولادنا تعليمهم . . وأدعو الله أن نرى أولادهم وأولاد أولادهم . .
سننسى ما حـــــاق بنا كاملاً . . ونعيش سعداء . .
يرفرف فوقنا طير الحب . . وسوف نبدأ من جديد

 ====================

*أحمد فؤاد الصوفي - سورية/اللاذقية

العمل : مهندس

January 23, 1952 : تاريخ الميلاد  

 ====================

تعقيب

و يشاء القدر ، بعد ربع قرن من مرارة الغربة
و تعود البسمة إلى شفتيه و الطمأنينة إلى قلبه
***
أخي الأديب أحمد الصوفي
سرني أن أقرأ لك للمرة الأولى
فشدتني قصتك حتى الحرف الأخير
أهنئك راجيا لك دوام التألق
نزار