

قصة
وفاء السيد أحمد*
قفزت
كالبهلوان وأرسلت قبلاتها إلى السماء، فاتحة
ذراعيها تستقبل الهواء وتعانق
الخيال...
تلفتت تتأمل المارين بجانبها، هل رأى أحد جنونها، وتنفست الصعداء،
فالجميع ساهين عنها بل ربما هم أكثر جنون منها.
التقطت كراسها، وضمته كطفل بين يديها،
وتابعت السير...
"هل
يحبني؟ نعم يحبني"
"ماذا
لوكان لايحبني كما أحبه؟ حسناً
لايهم"...
"سريعاً
ستمضي الشهور، وننهي
الدراسة"...
"وعدني
أن نتزوج عندما يجد
عملاً"...
"لماذا
أخجل دائماً أن أسأله كم طفلاً يتمنى أن
ننجب"...
وتغضن جبينها عندما تذكرت ما ينتظرهما
معاً..
"أه
يبقى أن نقنع الأهل... ماذا لو استمروا على
اصرارهم؟".
صوت أزيز سيارة تقطع الطريق بسرعة
نبهها...
شعرت بألم في رسغها و خدر بدأ يدب في مفاصل أصابعها، فانتبهت أنها
تعتصر كراسها، ويكاد أن يتوقف الدم عن الجريان في
يديها.
تلقفته باليسرى لتداعب أنامل اليمنى غلافه... جاذب ما شدها أن
تفتحه...
وريقات المحاضرة السابقة، وبعض هوامش خطتها بقلمها، رفعتها تستنشق
وتستجدي عبق عرق
دفين ندى صفحاتها!
تمنت لو لم تفارقها
أبداً...
تلفتت ثانية حولها، هل من رقيب، أرسلت قبلة أخرى نحو صورة تتربع
الغلاف الداخلي لكراسها، وتداركت أحد أقلامها عن السقوط على
الأرض...
شعرت بحرارة الشمس فتلمست أكتافها تبحث عن وشاحها الأسود... لم تجده،
فاستدارت إلى الخلف تبحث عنه سدى، وأغمضت عينيها كعادتها عندما تحاول أن تتذكر
أين
تركته
!
لمست يده
الوشاح في طريقها نحو مصنف الأوراق، فأمسكه يتأمل الصورة التي تتوسط زخارفه...
وتذكر أنها نسيته بين يديه وهي تمسح به عرق بلل كفيه...
فصل الصيف
سينتهي بحرّه وتعرق الأكف فيه، والشتاء قادم لا تعرق فيه، "كيف سأحظى بملمس
وشاحها
بين يدي، بل كيف سأفسر لها تعرق كفاي الدائم لو انتبهت "، وجلجلت ضحكة خجولة
تهرب
بين شفتيه.
يد على
المقود وبالأخرى راح يدنيه نحو أنفه، يستنشق عطره... "لا عجب فعبق حبيبتي أزكى
أريج... و وجهها أحلى من رسم وشاحها"....
مد نظره من
النافذة يستطلع وجه حبيبته، عله يجدها بين العابرين، متأملاً أنها لم تبتعد
كثيراً.
بوق سيارة
أيقظه من تأمله وأزعج أفكاره...
امتعض لأنه
سيرده لها غداً عندما يراها، ولكنه تبسم عندما تذكر عادة حبيبته في النسيان، "
أجل
قد تأتي مرتدية غيره، سأرد لها هذا، وتنسى الآخر
معي"...
واستكان
لفكرة طفولية، اعتاد على تنفيذها، أن يخفي هدايا حبيبته وبعض مذكراتها داخل
ملابسه،
قبل أن يدخل المنزل، عن أعين تراقب لتسأل، وتعترض... فلازال الوقت غير ملائم
لفتح
نقاش جدي، إن هي إلا بضع شهور وتنتهي...
دس الوشاح في
قميصه، بانتظار أن يتوسده ليلاً ليراقص رسمه
في
أحلامه.
حيث لايستطيع
إنسان أن يصل، حلق مع حبه يلامس النجوم...
حيث لا جناح
يستطيع الطيران داعبت النسيمات وشاحها...
حيث لايستطيع
أحد غيره أن يكون داعب وجه حبيبته...
حيث كل
العشاق يخلدون على وجنتيها قبلاته...
حيث تتهادى
موسيقى نبضاته تراقص أحلامه...
حيث لم يشعر
و يسمع و يرَ إلاه في عينيها عانق القمر بين
جفنيها...
فأغمض عيناه
على صورة القمر في وشاحها...
ليفتحهما
حيث لايستطيع كائن إلاه أن يكون، لاتستطيع جذور أن تتوغل أعماقه، لايفنى
الحب إلا بروحه، لاموسيقى إلا نبض قلبه، لا يرقص إلا صدى
صراخه...
حيث
لا زمان
ولامكان، التحمت يداهما تتعانقان...
...
و سجد
يحتضن جسدها المتهالك أمام سيارته... ليرقص مع القمر رقصته الأخيرة..
كانت الأولى
والأخيرة قبلة لامس بها جبينها... وغسلتها دموع امتزجت بخضاب أحمر رسم على
خدودها
الإشعاعات الإخيرة لقمر غاب بين الأجفان في غفوة
عينيها...
بها بدأت
رحلته خارج العالم عندما غيبت يد الطبيب وجهها بالغطاء الأبيض... لم يعد
للأكسجين
مكاناً في رئتيه... ولا للماء مذاقاً بين شفتيه...
وبها خطت
قدماه خطواته الأخيرة بعيداً عن ذاكرة الحياة...
دفن
الألم كل
عصارة ذكرياته... في مقبرة الأرواح... بعد أن نطق جلاده بحكم براءته من تهمة
القتل
لثبات عدم القصد... و حكم على روحه بالسجن في لحدها المؤبد...
عبثاً
لم
يستطع أحد أن يقنعه بالتخلي عما يخفيه تحت قميصه، ويحمله دائما معه في حله
وترحاله،
يهيم بين الناس، يتأمل وجوههم، يبحث عن وجهها، ليمسح عنه خضاب أحمر كان آخر
الألوان
التي رآها بوشاحها المزخرف... يلاحق خطواتهم، يمسك مايسقط أرضاً ليعيده إليهم،
عله
يعيد لها وشاحهها الذي ضاع منها
عبثاً لم
يتوقف عن الرقص مع القمر
وهو يتمايل
مع أغنية لازال يرددها
:
إذا
القمر
رقص بكيت و
إن لم يرقص بكيت فمتى أفرح
كأن بقلبي
وعمري
أدمعاً بلا ثمن تسفح
ضيعت تبانتي
فكيف أعود و إن عدت فالدرب لا يسمح
ألم جعل الحب
مني قوافي تشدو و قيثارة تصدح
وأسرفت في
ظلم نفسي إسراف
من لايلين ولايصفح
لا الحب يكفي
ولا الكره يشفي و لا أنا أمسي بما أصبح
ولا الصبر
حين رمتني المقادير داوى الذي يجرح
فالهوى
مايزال كما كان
بين الجوانح لا يبرح
إلى أين أهرب
و
الليل داج و لا ضوء بعد قمري ألمح
================
*وفاء السيد أحمد
alkhanom@hotmail.com
- سورية الجنسية ، من
مواليد دمشق
- حاصلة على دبلوم إدارة أعمال
- طالبة في جامعة دمشق كلية التعليم المفتوح
/ فرع الإعلام
- الخبرات العملية: مساعد إداري (التسويق،
وشؤون الموظفين)
- صحفية مكتتبة ومعتمدة في عدة مجلات عربية
منذ تاريخ 1998
- الاهتمامات :
 |
المطالعة |
 |
الكتابة في
عدة مجالات : |
-
التحقيقات الصحافية المصورة عن التراث
والآثار والحرف اليدوية القديمة
-
الأبحاث
الميدانية الاجتماعية
-
مواضيع ثقافية عامة
-
مواضيع في علم لغة الجسد وعلاقته
بالمستوى الثقافي والبيئة و الموروث
الإجتماعي