
أقصوصة : منى عبود
المجد



رغم
كل محاولاته لإقناع والده
بضرورة وأهمية التظاهر والخروج مع الرفاق في هذه الأيام
المهمة إلا أن
والده أصر على موقفه من أن ما يقومون به هو ضرب جنون لا أكثر، وأن
الكون يمكن أن يتغير ولكنّ ما يطلبونه مستحيل الحصول
كان خوف الأب وإصراره على موقفه يأجج النار في قلبه أكثر فأكثر
كيف له أن يكون بين الشباب ينظم ويهتف ويكبر الله ويكتب اللافتات كما
يفعل
أصدقاءه ، وفي ذات الوقت لا يغضب أباه منه ولا يخرج عن طوعه
معادلة أتعبت عقله وقلبه وحرمته حتى الرقاد
نقاشات كثيرة دارت بينهما وحتى بينه واخوته الذين هم من صفه من جهة
وبين والدهم الذي هو ضدهم بطريقة مستفزة وكبيرة من جهة أخرى
كيف يمكن اقناع رجل تجاوز الستين من عمره ، عاش في أجواء أبسط مايقال
عنها أن أشباح الخوف كانت تضرب كل زواية فيها ،
وأن الرعب من أي كلمة أو حتى فعل يمكن أن يجعل النهاية مخيفة ومفزعة،
خوف عشش في القلوب والعقول واستوطن أزمانا متلاحقة
خوف أصبح في نظر الاولاد مخجلاً ومقرفاً ، حين يصرخ الأب بهم أن لا
ترفعوا
أصواتكم حين تتحادثون ، لا تفتحوا هذه القناة ، أغلقوا صوت هذا المذيع
،
لاأحد أصدق من قناة تحمل شعارا ليس مناهضا او معارضا
مرت الجمعة تلو الجمعة والصراع يشتد والافكار تتضارب ، والاب متزمت
الرأي والابن شديد الاصرار
الى أن أتت الجمعة الموعودة ، كانت جمعة المليون وكل فرد فيها سيزيدها
ويقربها لهدفها المليوني
قرر مواجهة ابيه ، قرر الوقوف في وجه الخوف والتضليل الذي كان يسيطر
على الأب وكسر كل الحواجز والخروج مع رفاقه
قائلاً بأنها مرحلة تاريخية وأنه سيندم كثيرا لو أنها مرت دون أن يكون
ولو جزء يسيرا جدا منها
_أبي
افهمني زمن الخوف والارتعاش من مجرد مرور عنصر أمني الى جوارك قد ولى ،
ابي
نحن نبني حياة جديدة ونحفر بأيدينا وصدورنا بلد جديد
فلاتحرمني أجر أن أكون مع أقراني من الشباب
_لاتكن
مجنوناً أي تغيير وأي منعطف وأي مسخرة ، مايحدث زوبعة فنجان وسوف
يقتلون وسوف يفعلون وسوف وسوف.......
أبي سأخرج مهما كان الثمن
_لن
تخرج إلا على جثتي وسأقتلك هنا إن حاولت عصيان أوامري
ركض الابن مسابقا والده الى باب البيت فما كان من الاب إلا أن أغلقه
بالمفتاح
ولان تصميم الصبي واصراره هذه المرة كان يغلب على كل جوارحه ، ركض
متجهاً الى شباك غرفته
وألقى بنفسه منها إلى الشارع الذي كان يبعد عنه مسافة طوابق ست
وصل الأرض ، أرض الشارع كما تمنى ولكنه وصل جثة هامدة
في الجمعة التالية حمل إخوته صورته ، وعلم بلادهم ، وضع أحدهم
اللثام الذي كان يملكه أخاه والذي تمنى وضعه على وجهه مثل شباب الحي
وقفوا أمام الأب منتظرين رده على ما سيقومون به ، لم ينطق ولم يرفع
رأسه ولم ينظر في أعينهم ، فتحواالباب وخرجوا يهتفون بصوت أخيهم للوطن
وللحرية كما كان يتمنى
.



منى عبود – سوريه/دمشق
تعقيب
اختي الفاضلة منى
أذهلتني
أقصوصتك بموضوعها و
مغزاها و أسلوب سردها
و حياكتها بخيوط من رفيع الكلم
***
الصراع بين جيلين ليس فقط لأن الجيل الأسبق
تعود على الخنوع أو أن الخوف قد حجمه
إنما لأن أفراده في الغالب يؤمنون بالاستقرار
و يخشون الحركات الثورية ، لما قد يتخللها
من دسائس أو سعي لتحويلها لغايات مخالفة
لما قامت
من أجله
و على العموم فإن تعنت الوالد كان مبالغا به
و عدم قدرة الابن على إقناع والده أدت
إلى هذه النتيجة المأسوية
***
أختي الكريمة
قدمت لقارئك نصا رائعا
أهنئك
، راجيا لك دوام التألق
نزار