|

بقلم : وديع العبيدي
wadiobeadi@yahoo.com
القصة
السورية
ألقى بجثته فوق المقعد الخشبي.. لأول
مرة أحسّ بنفسه قطعة رثّة لا تنفع لشيء.. ربما.. منذ أيام الحرب.. الريح تداعب
شعره.. يكوِّر بنصريه ويمسح الغبار المتجمع في زاويتي عينيه.. الغبار الملتصق
بالدمع.. بقيت رموشهما متشابكة.. فرك عينيه بشدّة.. كان فيهما شيء ما غير ذرات
الغبار الدقيق.. لم يستطع تنقية عينيه منه..
بين أعمدة السكك الحديد كانت قص! اصات الصحف والنباتات الجافة تتطاير.. عقد
كفيه حول ركبتيه ومـدّ نظره عميقاً.. بين خطوط السكك الحديد.. على الجهة اليمنى
كانت نافذة ذات شكل مربع.. يندلق منها رأس إنسان يدخن ويتكلّم.. يتكلّم بالهاتف
الخلوي بصوتٍ عالٍ ويكركر ضاحكاً.. في الأعلى نافذة زجاجية مشرعة نحو الخارج..
زجاج زاويتها العيا اليمنى مكسور.. بجانبها سلّم حديدي صديء يرتفع نحو الأعلى..
بين السلّم والجدار تتصافق النافذة.. فيندّ عنها صوت عارم.. بقيت عيناه
معلّقتين بالنافذة.. وهي تتصافق بين الجدار والسلّم الحديدي المهمل..
التصقت ورقة بكتفه الأيسر.. في طريق هبوبها.. لكنها انزلقت عندما التفتَ
اليها.. كانت أوراق كثيرة تتطاير.. أتربة.. ماركات تجارية.. تساءل اذا كان
وجوده يعيق حركة الأشياء.. رمق حقيبته اليدويّة! الصفراء الباهتة.. الراقدة
بجانبه مثل كلب وديع على المقعد.. وعاود النظر أمامه.. حاول أن يشخّص الحجرة
ذات النافذة المربّعة.. والتي ما زال أحدهم يدلق رأسه منها نحو الخارج ويتحدث
بصوت عالٍ.. هي جزء من دائرة المحطة.... مكتب تسفير الحمولات والحقائب.. مكتب
أمانات.. مركز تسفير الموقوفين.. حجرة بنوافذ صغيرة مرتفعة.. لا بدّ انها
المرافق الصحية.. ارتاح لفكرة انها مرافق صحية.. وهذا الشخص المندلق الرأس
يحادث أي مكان في العالم بهاتفه الخلوي وهو يبول أو يقضي حاجة أخرى.. ماذا لو
خرج صوت مثلاً.. هه.. شيء في غاية العاديّة.. الانفجارات اليوم أصبحت جزءاً من
الطقوس اليومية.. سواء كانت داخلية أم خارجية.. بدت له الفكرة مدهشة.. رغم أنه
ما يزال بدون هاتف خلوي.. يتصل بالبيت.. بصديقته.. بمديره في العمل.. برئيس
الجامعة.. بالأتحاد الأوربي..الأمم المتحدة أو البنتاغون.. من الـ.. م.. ر..
ا.. ف.. ق.. الـ.. ص.. ح.. ي.. ة.. ولن يخطر ببال الأقمار الصناعية ومكاتب
التحريات أنه هنا.. في بيت الراحة.. لا يظهر منه غير الرأس واليدين.. والشباك
مرتفع نوعاً ما.. يخفي بقية جسمه.. نـدّ صوت ضربة شديدة أخرى.. كان ينتظر بفارغ
الصبر! انكسار زجاج النافذة المتصافقة.. أحسّ بعدم الارتياح لمجرد تراقص
النافذة الحديدية دون أن يبادر أحد العاملين الكثر في المحطّة والذين يتنقلون
بين الأرصفة بأرديتهم الصفراء اللامعة وأغطية الرأس الحديدية.. أو ربما لا يجرؤ
أحد على إغلاق النافذة.. أو مجرد التفكير في ذلك.. نافذة مفتوحة نحو الخارج..
أمر يثير الشبهة.. ويجرح الذوق العام!..
على يساره كانت بناية المحطة الرئيسية بجدرانها الصفراء النظيفة ونوافذها
المزركشة تملأها صور الاعلانات.. دعايات فنادق باهظة للسياح.. جثث عارية تعلن
ظهور صبغة جديدة لتغيير لون الشعر.. إعلان سيرك.. أفلام سينما.. مغني جاز
أميركي.. امرأة تزرع رأسها بين دفتي كتاب.. رجل مهندم يغطس في جريدة.. بشر
بألوان مختلفة وهيئات متباينة.. رنّ صوت الهاتف من خلفه..! وخمَّـن متوجساً..
امرأة.. رجل.. ابن بلد.. أجنبي.. أمر مهم.. أمر تافه كالعادة.. كان المتحدث
باللغة الانجليزية.. ردّ على الفور رقمـاً.. لاشكّ انه رقم هاتفــ..
زيــ............. رووو.... جاءت ممدودة أكثر من اللازم.. ثم تلتها على الفور
وبسرعة.. فايف زكز ايت فور.. إلتفت صوب المرافق الصحية.. كانت النافذة موصدة..
كأن شيئاً لم يكن.. والممر هادئ.. خالٍ من الحركة.. ما عدا الأوراق المتطايرة
واصطكاكات النافذة الحديدية بالسلّم الصديء.. بين فينة وأخرى تمرّ قرب رأسه
قافلة من النفايات الطيّارة.. بعضها محمل رائحة زكية.. رائحة مقززة.. اقتربت
منه راهبة.. تسحب خلفها حقيبة ألبسة ثقيلة.. محاولة الجلوس قربه.. رفع حقيبته
اليدوية الصفراء الكالحة اللون على ركبته وانسحب نحو الجانب الآخر مفسحاً لها
بينه وبين السيّدة التي تقتعد الطرف الآخر.. وهي تقضم سندويتشة وتنظر في كتاب..
بدا على الراهبة الامتنان والراحة.. نظر الى ملاءتها السوداء الطويلة وربطة
رأسها البيضاء.. مثل طاقيات بنات المدرسة.. تذكر والدته ولكن بربطة رأس سوداء..
تذكر أنّها هي.. كانت معه في نفس الباص الذي أ! قلّه الى المحطّة.. ولكن.. أين
كانت كل هذه المدة!!..
/ سالزبورغ/ النمسا
|