
قصة
قصيرة بقلم : عدنان زغموت
ozaghmout@hotmail.com
دنيا
الوطن
عجبا أسمع وعجبا أرى في كلام وسلوك أصغر أولادي أو كما يقال آخر العنقود0 فهو
محاب, مجادل وقناص فرص من الطراز الأول حتى نعته بإسم ( عد س) لأنني لم اتمكن
يوما بكل فراستي من قراءة صفحة نفسه وخبايا لفائف عقله 0 هو حبة عدس يستحيل
عليك تمييز بطنه من ظهره0 بذكائه الثعلبي الحاد يصوب مدفعي خارج حقل رمايته فلا
تصيبه طلقاتي وبذلك تتشتت أهدافي , عندها يبدأ بقصفي بأسئلة عن الفراعنة,
الكنعانيين, البابليين ,أرسطو وكل ما يتعلق بأمم الغابرين0 أحاول الإجابة في
حدود امكانياتي المتواضعة في ثنايا التاريخ0 ينظر الي نظرة العاتب على جهل ابيه
ويقول: يفترض بك أن تعرف عنهم أكثر من ذلك بكثير فأنت أقرب اليهم مني , ألا
تحفظ تاريخ معاصريك؟ أطلقت ابتسامة مقهور ورمقته بنظرة مذهول: كيف لي ذلك يا
بني وتفصلني عنهم آلاف السنين؟ وبنبرة تحمل مكرا, وبنية خبيثة مبيتة للايقاع بي
في مصيدته,يلوك شفتيه ويقول: نعم أنت لم ترهم ولكنك تفكر مثلهم0 اذن انت هم ولا
علاقة لك بانسان القرن الحادي والعشرين0 عجبت لمنطقه , وصدقا بت أخافه واخاف
عليه وأتساءل الى اين يريد ان يصل بي هذا الصعلوك النمرود؟ استخدمت احدى حيله
في الهروب وقلت له : أمك تناديك0 وما ان هب اليها مسرعا حتى وجدتني أسرع منه في
اقفال باب الغرفة والقفز على السرير0 لم تطل غيبته حتى عاد ليطرق بابي بقبضة
لحوح ولكن هيهات هيهات ما من مجيب0 سمعت صوت عزف ابتعاد خطاه وهو يتمتم: لنا
لقاء ,لنا لقاء ,فهروبك لن يطول0 وبعد انزواء قسري لساعتين انقطع فيها نفسي
وتحجمت فيها حركتي, لملمت قواي البدنية والنفسية المبعثرة وقلت: لا نامت أعين
الجبناء0 فتحت الباب بهدوء اللصوص فاذا بعدس يمسك بي ويصيح بأعلى صوته: ماذا
أفدت من الهروب ألم أقل لك انه لن يطول؟ تبخرت قواي أمام هذا القزم من جديد
وهمست في سري :تبا للديموقراطية وساعة أحببتها ,فهي من بح صوتي في الدعوة لها
حتى باتت سكين هذا الصغير0 سمع همسي من صدى نفسي وقال: كانت الديموقراطية في
زمنكم منحة لكنها في يومنا حق واجب مطلوب السداد0أردتني أن أكون صفحة بيضاء
تكتب فيها ما تشاء وأنى تشاء حتى أنك تعمل على حرماني من كتابة سطر واحد فيها0
تملكتني شجاعة نادرة غريبة بعد أن اصبح عدس تحت مرمى كلماتي وقلت: جانبك الصواب
يا عدس فالديموقراطية ولدت من رحم حرية لا تعطيك حق القفز على سياج حريات
الآخرين0 إن فوضى الحرية أو ما اصطلح على تسميته لاحقا الفوضى المنظمة المطلقة
يا بني لن تنجب الا ديموقراطية معوقة ,مهزوزة الاركان والتفاصيل0 صمت قليلا
وبدت على وجهه امارات الرغبة بالانسحاب بيد أن كبرياءه شدته الى الوراء0 وبغصة
من ينتظر ضربة قاضية من الخصم قال: أنا الحاضر وأنت التاريخ 0 قلت: كنت مثلك
حاضرا وصرت تاريخا0 نحن يا بني حاضر وتاريخ0 هل رأيت يوما شجرة بلا جذور؟ ان
تاريخنا هو جذرنا الممتد في سحيق الارض ليجلب الماء والغذاء لفراخ براعمه في
العلاء لتكبر وتجزي العطاء0 بعض بني جيلك يا بني يستل سيف الحرية ليطعن به نظيف
الموروث, وباسمها يسرق قلوب الاحبة وجيوب المساكين تحت عنوان الفهلوية والشطارة
0 إنه زمن مقلوب المفاهيم يصيح فيه القاتل ويدعى انه المقتول0 مثلك يا ولدي مثل
من يعشق محبوبته بقصيدة غيره,ويمجد وطنا بنشيد غيره, ويطرب أذنا بموسيقى غيره,
ويملأ بطنا من زرع غيره, ويلبس قميصا من نسيج غيره ويتضوع بعطر غيره0 يا بني
لاتقل انك حر لأنك معتقل في سجن غيرك ,فتحرر من قبضة عبودية سلاسلها من ذهب
ولجين قبل ان تنجب أطفالا في الأسر بلا أسماء تنتهي صلاحيتهم بتاريخ ميلادهم ,
عندها سلام عليك يا وطنا إغتاله عدس0 إنتفض عدس من مكانه وقال : أعد لي
اسم(مؤيد) وادفن والى الأبد اسم عدس0 حضنته بقوة الغائب العائد وشددت على يده
وقلت: أهلا بعودتك لي سالما يا مؤيد0
*عدنان زغموت اعلامي فلسطيني قطر