
قصة قصيرة : عبد الله الفراجي


اقترب
من النافذة المتسخة الزجاج و هو يفرك يديه الصغيرتين المتلمظتين
بالبرودة الجليدية في ذلك الصباح. فتحهما في اتجاه خيوط الشمس الذهبية
الدافئة، و هي تنسل عبر الغبار و آثار الأيادي على الزجاج. استشعر
حرارتها و دفأها و هي تنعش أنامله الرقيقة. عانق جدته في حنان و لطف و
هو يضع يديه الصغيرتين على وجهها و خدها.
كانت الجدة تبتسم و هي تطاوعه في رغباته الصغيرة التي لا تنتهي ، و
تعانق فيه صبيانيته و براءته الطفولية، بحنانها و عطفها الكبيرين.
كانت تعجبه بدون أسنان كلما ابتسمت و تثير فضوله الصغير..
- جدتي ..أنت جميلة..
أمسكته من كتفيه و هي تطبع قبلة على خده الأيمن..
عانقها بقوة و هو يتودد إليها و يقبلها، ثم اغتنم الفرصة و داهمها
بسؤاله :
- جدتي..لماذا كان العم أحمد يصرخ في و
جوهنا ، و يعاتبنا كلما أحدثنا الضوضاء و الصخب..
و اليوم بعد زواجه صار لطيفا معنا..؟
ابتسمت الجدة حتى بان لحم لثتها الخالي من الأسنان.. و قالت:
- عمك أحمد ..أممم ...ثم استمرت في
ابتسامتها.
لم يفهم ما قالته الجدة، و عاد إلى النافذة.
خيوط الأشعة تبعث فيه الدفء و الحيوية، و تنير الظلال الصباحية، فتطرد
عنها الضباب الأبيض الكثيف، و آخر قطرات الندى المتلألئة..
هناك بين الأشجار، تلاحم طيفان في حبور.. يزدهيان و يضحكان بلا صوت..
هناك خلف النافذة، كان العم أحمد مع زوجته الصغيرة. و كانت يده تمتد
عبر خصلات شعرها و تداعب رقبتها و وجهها..
في هذا الحبور الصباحي كانا يبدوان مثل فراشتين تتلاحمان..تتقاسمان
الفرح..تبتعدان ..ثم تعودان من جديد..
- جدتي ..جدتي..ها هو مع زوجته يمسكها
من شعرها و يفرك وجهها..
اقتربت الجدة من زجاج النافذة، و عبر ابتسامتها العريضة بلا أسنان،
ربتت على رأسه الصغير و هي تقول :
- كم أنت جميل.. و لطيف.. عمك أحمد
أصابه شيء من الجنون...
- كيف يكون مجنونا و هو فرح لطيف
معها..؟
عاتبته بلطف و قالت:
- هذا عالم الكبار ..ستعرف..ستعرف..

عبد الله الفراجي – المغرب
تعقيب :
أخي المبدع عبد الله
هما بالغعل عالمان مختلفان تماما
علم الطفولة البريئة
و عالم البالغين الذي كثيرا ما يكون على النقيض
***
أفضت و أجدت أخي الكريم
و قدمت نصا مشوقا حتى الحرف الأخير
دمت و دام يراعك باسقا
نزار