.

الأدب 1/آ

ضيوف "العربي الحر"

 

 

 

 

 

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

*****

مختارات قصصية  

 

 

 

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

نجدية

http://www.najdyah.com/vb/showthread.php?t=23656

طفلة وقلب تائه

قصة قصيرة : خليل الشريف*  

     أسندت "عزَّة " رأسها على السرير ، كانت كما جرت العادة ، تشرد في صمت طويل، و تفسح المجال للحزن يقذفها بين خاطرة وأخرى . كانت أيامها رتيبة للغاية ، لم يكن هناك أمر ما يمكن أن يكون مميزا في حياتها . ولم تكن تحظى بذكريات مهمة في سنوات عمرها التي مضت ، وهي إذا ما رغبت أن تتذكر طفولتها الغابرة ؛ فإنها ولابد سترجع إلى دار الأيتام الصغيرة . تلك التي قضت فيها مهد الصبا . ولحظات الحياة الأولى . إنها تعرف تماما أنه ما من ذكريات حقيقية ؛ لمن قدر له أن يعيش في دار للأيتام ! لا شيء مثير إطلاقاً . كل ما تمده ذاكرتها بهذا الخصوص؛ أنها كانت محاطة بالعديد من الأطفال . وبالعديد أيضا من الأمهات . وكان يتسلل داخلها آنذاك شعور غريب حين تجد أنها تنادي ثلاث من النساء بكلمة ( ماما ) خلال اليوم الواحد ، بينما لم تتمكن من نطق كلمة ( بابا ) إلى رجل ما ؛ منذ أن وجدت على الحياة!
لم يكن هناك شيء مميز فيما ما مضى . وكانت تشعر بأن هذا يعد أمراً كافياً لإثارة البؤس داخلها ، على أنه من المستغرب أن يكون هذا الأمر أشد تعاسة بالنسبة لها عن كونها قد فقدت أبويها منذ أن كانت طفلة رضيعة؛ لا تحيط بشيء مما حولها . صحيح أنها حزنت كثيرا حول نشأتها يتيمة بين مجموعة من الأيتام . وقد قيل لها أن والديها لقيا حتفهما في حرب أهلية دمرت المدينة بالكامل . وخلفت ورائها من الضحايا والأيتام ما عجزت الدولة عن حصره بعد ذلك . كما أكدوا لها عن مقدار حظها الموفق ، إثر إدراجها ضمن أطفال تلك الدار المميزة على حد وصفهم لها . أما وقد كبرت الآن ؛ ووجدت نفسها مسئولة تماما عن حياتها . فقد التحقت بوظيفة تدر عليها دخلا شهرياً زهيداً . وهي وإن كانت ترى أن طموحها يفوق أن تكون مأمورة سنترال تعمل بالساعات في شركة طيران معروفة. إلا أنها ارتأت أن الاطمئنان الذي تدخله هذه الوظيفة إلى قلبها ، خير من أن تكون تحت وطأة العوز وشفقة الآخرين . كما أنها شعرت في أيامها الأولى التي عملت بها ، بلحظات من الراحة والحماس ، خصوصاً حين تتبادل أطراف الحديث مع أحد الزبائن الذين يرغبون في معرفة شروط الحجوزات أو تفاصيل معينة حول الشركة . وكانت تجد أن هذا-على الأقل - يلهيها عن العودة للتفكير في نفس المواضيع التي لطالما أشغلت ذهنها طوال فترة حياتها. لكنها سرعان ما انزلقت في دوامة الروتين. وبمرور الوقت ؛ تحولت كلماتها مع العملاء إلى أشبه ما يكون بالرد الآلي . بدأت تكلمهم وهي غارقة في مخاوفها وأحزانها التي ما وجدت لها من علاج . ،لقد باتت متذمرة من عملها . وترى أنه عبئاً إضافياً عليها، وأيقنت بعد ذلك ، أن الخواء ما يزال رفيق عمرها . و أن حياتها خالية من أي مبرر حقيقي للسعادة . وأن اليتم لم يكن ليشكل مصدر تعاستها الأساسي ، قدر ما يشكله نمط حياتها البارد ؛ الخالي من أي مغامرة ، أو حدث ، أو حياة مفعمة بالمواقف والمتغيرات كالتي يعيشها الناس الحقيقيون!
نظرت ببلادة إلى جهاز غسيل الدم بجوار سريرها في المشفى العام . تأملت بكرة صغيرة تدور فيه بشكل منتظم . كانت تمل أشد الملل تلك اللحظات التي تجد نفسها مجبرة للانتظار ما يقارب الخمس ساعات حتى تخضع للغسيل بشكل أسبوعي . يشكل فشلها الكلوي أكبر عائق لها عن كسر حلقة حياتها الرتيبة ، تود أن تسافر . أن تهاجر . أن تغير أشياء كثيرة في حياتها . لا شيء يربطها هنا . لا وجود لأسرة تعيق حركتها . يمكن لها أن تحلق أينما تشاء . لكنها رهينة هذا المرض . ولا تعرف مشفى آخر يمكن أن يقدم لها الغسيل الأسبوعي بالمجان . جالت بعينيها في أرجاء المكان المكتظ بالمراجعين والمرضى . تأملت الأشخاص الواقفين بجوار الباب . لفت نظرها طفلة صغيرة في غاية الجمال . لا يتعدى عمرها خمس سنوات على الأكثر . وقفت بجوار والدها في نهاية الممر المؤدي إلى الحجرة . كان الأب يتحدث مع أحد الأطباء حول أمر ما بحماس واضح، وكانت الطفلة تتبع والدها حيثما سار مع الطبيب . وفي لحظة سريعة . اكتظ المكان بالطلبة الذين يتدربون داخل أقسام المشفى المختلفة . أحدث دخولهم جلبة سريعة في المكان . أما "عزَّة " فكان تركيزها منصبا على الطفلة . في تلك اللحظة قام أحد الطلبة بالانحناء إليها . بدا أنه يسألها عن اسمها . لعب معها بالسماعة الطبية الملتفة حول عنقه . مسح على رأسها وقبلها بلطف ثم مضى يتبع رفاقه . تلفتت الطفلة بعد ذلك حولها بحيرة . لقد اختفى والدها عن عينيها . اتجهت بسرعة إلى رجل يدير ظهره لها . سحبت طرف بنطاله من الخلف . التفت إليها ثم ابتسم متعجباً . وبعد أن نظرت إليه ؛ تأكدت حينها أنها تاهت عن والدها . تفحصت المكان والأوجه من حولها . بحثت في أرجاء الغرفة الواسعة . توقفت مكانها . بدأت تنادي بصوت منخفض وجل << بابا .. بابا >>..
لمحت عزَّة ذلك الخوف الرهيب في عيني الطفلة .حاولت أن تشير لها ، لكن الطفلة لم تتمكن من رؤيتها . نادت عليها بصوت مسموع . (( أيتها الصغيرة .. تعالي .. لا تخافي تعالي بقربي ..)) رمقتها الطفلة بنظرة مرتابة مذعورة . ثم لم تتمالك نفسها . وانطلق صراخها وبكائها مدويا في المشفى .. تعالت نداءات الطفلة (( أريد بابا .. )) باءت كل محاولات المتواجدين لطمأنتها بالفشل .ازداد نحيبها وغرق وجهها بالدموع . شحب صوتها وكادت أن تنهار بين أيديهم !
بعد مرور دقائق معدودة ، دخل الأب مندفعا كالمجنون تجاه ابنته . التقطها بين ذراعيه . عانقها بقوة . أخذ يقبلها ويخفف من روعها .اعتذر لها بحنان مفرط . شرح لها كيف اعتقد أنها تسير خلفه في اللحظة التي تاهت عنه . كرر لها وعداً قاطعاً، بأنه لن يفلت يده عن يدها في المرات القادمة أبداً . أما الطفلة فما كادت تبصر والدها ، وتستمع له . حتى تجرعت مرارة الدموع التي سكبتها منذ لحظة . وسحبت أنفاسها الموجوعة بمشقة . ثم رددت عليه بصوت متقطع بالغ الحزن << أبي .. لماذا تركتني لوحدي .. أرجوك لا تتركني لوحدي ..>>
في الزاوية البعيدة حيث كانت عزَّة مستلقية على سريرها . وبعد أن سمعت عبارة الطفلة الأخيرة . ارتسم خطين غزيرين من الدموع على وجهها . وسافرت عينيها المغمضتين في رحلة بعيدة مع الأسى . وأخذت تتداعى عليها المشاعر بشكل مباغت عنيف . وشعرت بعدها ؛ أن ما من أمر تحتاج إليه الآن، قبل أن تمزق اللوعة نياط قلبها . كحاجتها لحضن أبيها الذي ما عرفته قط ، والذي لم تشعر بفقدها له من قبل ، كما شعرت به هذه اللحظة !

*خليل الشريف - فلسطين

 

تعقيب

حالة اليتم من أشق الأمور على صاحبها

فهو يشعر باستمرار بأنه ناقص عن الآخرين

***

أخي المكرم خليل الشريف

نصك هذا موجع حتى الجذور

و قد حكته بمهارة

بخيوط  لغوية سليمة

و تصوير بانورامي مدهش

و أسلوب جذاب مشوق

فخرج متكاملا مبنى و معنى

***

أسعدتني أولى إطلالاتي على أحد نصوصك

أهنئك أخي العزيز راجيا لك دوام الألق

نزار