
قصة قصيرة :
خليل الشريف

أسندت
"عزَّة " رأسها
على السرير ، كانت كما جرت العادة ، تشرد في صمت طويل، و تفسح المجال
للحزن يقذفها
بين خاطرة وأخرى
.
كانت أيامها رتيبة للغاية
،
لم يكن هناك أمر ما يمكن أن يكون مميزا في
حياتها . ولم تكن تحظى بذكريات مهمة في سنوات عمرها التي مضت
، وهي إذا ما رغبت أن تتذكر طفولتها الغابرة ؛ فإنها ولابد سترجع
إلى دار الأيتام الصغيرة . تلك التي قضت فيها مهد الصبا . ولحظات
الحياة الأولى
.
إنها تعرف تماما أنه ما من ذكريات حقيقية ؛
لمن قدر له أن يعيش في دار للأيتام ! لا شيء مثير إطلاقاً . كل ما تمده
ذاكرتها
بهذا الخصوص؛ أنها كانت محاطة بالعديد من الأطفال . وبالعديد أيضا من
الأمهات
.
وكان يتسلل داخلها آنذاك شعور غريب حين تجد أنها تنادي ثلاث من النساء
بكلمة ( ماما
)
خلال اليوم الواحد ، بينما لم تتمكن من نطق كلمة ( بابا ) إلى رجل ما ؛
منذ أن
وجدت على الحياة!
لم يكن هناك شيء مميز
فيما ما مضى . وكانت تشعر بأن هذا يعد أمراً كافياً لإثارة البؤس
داخلها
، على أنه من المستغرب أن يكون هذا الأمر أشد
تعاسة بالنسبة لها
عن كونها قد فقدت أبويها منذ
أن كانت طفلة رضيعة؛
لا تحيط بشيء مما حولها . صحيح أنها حزنت كثيرا حول نشأتها يتيمة
بين مجموعة من الأيتام . وقد قيل لها أن والديها لقيا حتفهما في حرب
أهلية دمرت
المدينة بالكامل . وخلفت ورائها من الضحايا والأيتام ما عجزت الدولة عن
حصره بعد
ذلك . كما أكدوا لها عن مقدار حظها الموفق ، إثر إدراجها ضمن أطفال تلك
الدار
المميزة على حد وصفهم لها . أما وقد كبرت الآن ؛ ووجدت نفسها مسئولة
تماما عن
حياتها . فقد التحقت بوظيفة تدر عليها دخلا شهرياً زهيداً . وهي وإن
كانت ترى أن
طموحها يفوق أن تكون مأمورة سنترال تعمل بالساعات في شركة طيران
معروفة. إلا أنها
ارتأت أن الاطمئنان الذي تدخله هذه الوظيفة إلى قلبها ، خير من أن تكون
تحت وطأة
العوز وشفقة الآخرين . كما أنها شعرت في أيامها الأولى التي عملت بها ،
بلحظات من
الراحة والحماس ، خصوصاً حين تتبادل أطراف الحديث مع أحد الزبائن الذين
يرغبون في
معرفة شروط الحجوزات أو تفاصيل معينة حول الشركة . وكانت تجد أن
هذا-على الأقل
-
يلهيها عن العودة للتفكير في نفس المواضيع التي لطالما أشغلت ذهنها
طوال فترة
حياتها. لكنها سرعان ما انزلقت في دوامة الروتين. وبمرور الوقت ؛ تحولت
كلماتها مع
العملاء إلى أشبه ما يكون بالرد الآلي . بدأت تكلمهم وهي غارقة في
مخاوفها وأحزانها
التي ما وجدت لها من علاج . ،لقد باتت متذمرة من عملها . وترى أنه
عبئاً إضافياً
عليها، وأيقنت بعد ذلك ، أن الخواء ما يزال رفيق عمرها . و أن حياتها
خالية من أي
مبرر حقيقي للسعادة . وأن اليتم لم يكن ليشكل مصدر تعاستها الأساسي ،
قدر ما يشكله
نمط حياتها البارد ؛ الخالي من أي مغامرة ، أو حدث ، أو حياة مفعمة
بالمواقف
والمتغيرات كالتي يعيشها الناس الحقيقيون!
نظرت ببلادة إلى جهاز غسيل الدم بجوار سريرها في المشفى العام
.
تأملت بكرة صغيرة تدور فيه بشكل منتظم . كانت تمل أشد الملل تلك
اللحظات التي تجد
نفسها مجبرة للانتظار ما يقارب الخمس ساعات حتى تخضع للغسيل بشكل
أسبوعي . يشكل
فشلها الكلوي أكبر عائق لها عن كسر حلقة حياتها الرتيبة ، تود أن تسافر
. أن تهاجر
.
أن تغير أشياء كثيرة في حياتها . لا شيء يربطها هنا . لا وجود لأسرة
تعيق حركتها
.
يمكن لها أن تحلق أينما تشاء . لكنها رهينة هذا المرض . ولا تعرف مشفى
آخر يمكن
أن يقدم لها الغسيل الأسبوعي بالمجان . جالت بعينيها في أرجاء المكان
المكتظ
بالمراجعين والمرضى . تأملت الأشخاص الواقفين بجوار الباب . لفت نظرها
طفلة صغيرة
في غاية الجمال . لا يتعدى عمرها خمس سنوات على الأكثر . وقفت بجوار
والدها في
نهاية الممر المؤدي إلى الحجرة . كان الأب يتحدث مع أحد الأطباء حول
أمر ما بحماس
واضح، وكانت الطفلة تتبع والدها حيثما سار مع الطبيب . وفي لحظة سريعة
. اكتظ
المكان بالطلبة الذين يتدربون داخل أقسام المشفى المختلفة . أحدث
دخولهم جلبة سريعة
في المكان . أما "عزَّة " فكان تركيزها منصبا على الطفلة . في تلك
اللحظة قام أحد
الطلبة بالانحناء إليها . بدا أنه يسألها عن اسمها . لعب معها بالسماعة
الطبية
الملتفة حول عنقه . مسح على رأسها وقبلها بلطف ثم مضى يتبع رفاقه .
تلفتت الطفلة
بعد ذلك حولها بحيرة . لقد اختفى والدها عن عينيها . اتجهت بسرعة إلى
رجل يدير ظهره
لها . سحبت طرف بنطاله من الخلف . التفت إليها ثم ابتسم متعجباً . وبعد
أن نظرت
إليه ؛ تأكدت حينها أنها تاهت عن والدها . تفحصت المكان والأوجه من
حولها . بحثت في
أرجاء الغرفة الواسعة . توقفت مكانها . بدأت تنادي بصوت منخفض وجل <<
بابا .. بابا
>>..
لمحت عزَّة ذلك الخوف الرهيب في
عيني الطفلة .حاولت أن تشير لها ، لكن الطفلة لم تتمكن من رؤيتها .
نادت عليها بصوت
مسموع . (( أيتها الصغيرة .. تعالي .. لا تخافي تعالي بقربي ..))
رمقتها الطفلة
بنظرة مرتابة مذعورة . ثم لم تتمالك نفسها . وانطلق صراخها وبكائها
مدويا في المشفى
..
تعالت نداءات الطفلة (( أريد بابا .. )) باءت كل محاولات المتواجدين
لطمأنتها
بالفشل .ازداد نحيبها وغرق وجهها بالدموع . شحب صوتها وكادت أن تنهار
بين أيديهم
!
بعد مرور دقائق معدودة ، دخل الأب
مندفعا كالمجنون تجاه ابنته . التقطها بين ذراعيه . عانقها بقوة . أخذ
يقبلها ويخفف
من روعها .اعتذر لها بحنان مفرط . شرح لها كيف اعتقد أنها تسير خلفه في
اللحظة التي
تاهت عنه . كرر لها وعداً قاطعاً، بأنه لن يفلت يده عن يدها في المرات
القادمة
أبداً . أما الطفلة فما كادت تبصر والدها ، وتستمع له . حتى تجرعت
مرارة الدموع
التي سكبتها منذ لحظة . وسحبت أنفاسها الموجوعة بمشقة . ثم رددت عليه
بصوت متقطع
بالغ الحزن << أبي .. لماذا تركتني لوحدي .. أرجوك لا تتركني لوحدي
..>>
في الزاوية البعيدة حيث كانت عزَّة
مستلقية على سريرها . وبعد أن سمعت عبارة الطفلة الأخيرة . ارتسم خطين
غزيرين من
الدموع على وجهها . وسافرت عينيها المغمضتين في رحلة بعيدة مع الأسى .
وأخذت تتداعى
عليها المشاعر بشكل مباغت عنيف . وشعرت بعدها ؛ أن ما من أمر تحتاج
إليه الآن، قبل
أن تمزق اللوعة نياط قلبها . كحاجتها لحضن أبيها الذي ما عرفته قط ،
والذي لم تشعر
بفقدها له من قبل ، كما شعرت به هذه اللحظة
!

خليل
الشريف - فلسطين
تعقيب
حالة اليتم من أشق الأمور على صاحبها
فهو يشعر باستمرار بأنه ناقص عن الآخرين
***
أخي المكرم خليل الشريف
نصك هذا موجع حتى الجذور
و قد حكته بمهارة
بخيوط
لغوية
سليمة
و تصوير بانورامي مدهش
و أسلوب جذاب مشوق
فخرج متكاملا مبنى و معنى
***
أسعدتني أولى إطلالاتي على أحد نصوصك
أهنئك أخي العزيز راجيا لك دوام الألق
نزار