مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

طرح ما

قصة قصيرة

د.السيد نجم

abnegm@gmail.com

 
إتحاد كتاب الأنترنيت العرب


 

              كانت تخلع ملابسها فى سكون, أمام زوجها العائد من معسكر الأسر.. لم ينتبه لها كما كانت تتوقع . ناوشته, دغدغته, ثم زغرت فى صمت.. لم يبرح موضعه على الأرض, شغل مساحة تعادل مساحة حذاء البيادة الميرى, فيما كانت أصابع القدمين تتلوى وكأنها تخشى انفراطها من أسوار البيادة. شغلته مشاعر غاضبة لأنه شاهد فى جسد زوجته الصغيرة مبررا مناسبا للخيانة!
افتعل الانشغال بأشياء لا تعنيه ولا يقصدها.. مد ذراعه الطويلة الى مفتاح مصباح الغرفة وأطفأ الأنوار, فانفرطت الزوجة فى انفعالة غير مبررة, وصرخت, ثم ارتمت نحوه.. أزاحها, عاد وأضاء الغرفة, لم يكن مبتسما ولا تبدو عليه حالة الممازحة التى توقعتها الصغيرة.
تساءل: ما كانت تتجرد من ملابسها الا بدلال وتمنع, فتشجع وسألها عما فعلت, كل ما فعلته أثناء غيابه. لم تجب, فضلت أن تزيد من مساحة العرى فيها, حتى بدت عليه حمرة الانفعال, فاقتربت أكثر من صدره قائلة:
"معك حق, لم ترنى هكذا عارية من قبل؟!"
لعله تمنى أن تزيد وتفيض وتحكى مالم يعرفه خلال فترة وجوده فى الأسر. لكنها قذفت نظرة فاجرة الى عينيه وباصبعها السبابة أمرته بالصمت.. فصمت, مستسلما لأناملها التى مازالت ناعمة، تفك أزرار السترة العسكرية الجديدة التى استلمها من معسكر ايواء الأسرى فور عودته الى البلاد.
بدلا من أن تحكى الزوجة وتقص, بدأ يسرد الى حد الثرثرة المنفعلة.. لم انسك أبدا يا حبيبتى.. كنت عزائى داخل هنجر الأسر المظلم والمصنوع من الصفيع الملعون, النوم فى العراء مع برد طوبة أرحم منه, ما لقسوة النوم داخل مقبرة مظلمة من الصاج, تصورى, كنت أناديك باسمك, كل ليلة أصرخ باسمك ثم أبقيك معى حتى شقشقة أول ضوء يتسرب خلسة مع جنود الحراسة صباحا, لكن الملعون ابن الملعون عكر على صفو أحلامى معك.
حاولت أن تشاركة الحديث الذى بدأ, لعله ينفلت من قبضته, لم يترك لها فرصة السؤال عن الملعون ابن الملعون!
كلما كنت أصيح باسمك وأخبرك أننى مشتاق اليك, حتى تسرعين الخطو نحوى, كان يجىء صوته الأجش الواثق: لن تأت يا دفعة, كفاك معاناة, أما هى فلا تعانى, وفلا لم أعد أجدك بين أحضانى.. تصورى!
قررت أن انتقم منه, والتمست لك العذر, قدرت مشقة التسلل الى معسكر الأسر ومغافلة جنود الحراسة.. قاطعته:
"تسلل من؟
أية جنود؟ "
جنود الأعداء, وتسللك أنت!
أخبرتك أننى قررت أن أنتقم منه, تسللت نحو مصدر الصوت فى الظلمة, ملعونة الظلمة شجعته أن يتهمنى بالغفلة, لكنها أيضا شجعتنى لأن أتعلق برقبنه, لولا الأسرى حالوا بينه وبين قبضتى حتى كدت أقبض روحه.. ومع انفلاج شقى باب "الهنجر" مع أصوات طلقات نارية فى الهواء, عادوا جميعا وعدت معهم الى حيث مرقدنا, وكأن شيئا لم يكن.. تصورى!
أشفت عليه تلك الانفعالة التى بدت مع العرق الذى ينز غزيرا من فوق صفحة وجهه, وان بدت أمامه هيفاء ندية ناعمة, تولت مهمة شاقة, أن تزيح عن جسده كومة الملابس التى يرتديها والبيادة. تابعت مهمتها التى فرضتها على نفسها, بينما مازال يثرثر.
لكن بحق خبرينى, كيف كانت معك الليالى الباردة السوداء وأنا فى الأسر؟
اعتصمت بقدرتها على الصمت فى وقفتها, وهى الأقل منه قامة, تسعى لأن تتابع المهمة, ظنت أنها ستجعله بريئا براءة الوليد لو خلع كل ملابسه.. وقد نجحت. لولا أن العائد من الأسر أخبرها:
"فى الصباح الجديد, نجحوا الملاعين فى اكتشافى, وأننى سبب مشاجرة الليلة السوداء,
أمرونى أن أخلع كل ملابسى, كما ولدتنى أمى, مثلما فعلتى الآن..
أمرونى أن أعانق عمود معدنى بارد, وقد تشبع بصقيع الليلة السوداء..
فباتت عورتى مشاعا للجميع..
وأصبحت لنهار كامل مثيرا للضحك.. تصورى!"
فلما اكتفت الزوجة بالبحلقة والصمت, ظننا منها أنها أدت دورها بنجاح, صرخ فيها:
"أراك أكثر جرأة عما قبل, قبل الحرب كنت لا تستبحين جسدك هكذا؟؟"
لم يطل الصمت, قالت:
"أنتهز فرصة وجودك الآن معى لصالح جسدى المهمل منذ زمن"
شعر العائد من الأسر أنه لم يسمع ما كان سيجيب عما دار فى رأسه أثناء الأسر, ومن الملعون ابن الملعون!
ولولا أن فزعتهما لطمة غبية من هواء شهر طوبة, فانفلجت ضلفتى خصاص النافذة, ما كان ترك موضع قدميه بمساحة تعادل مساحة البيادة حتى الصباح.