|

عن القصة السورية
الريح تعصف من حولي وأنا
أسير في الشارع متدثراً بمعطفي السميك. لا أشعر بالبرد و لا بالدفء. كل ما أشعر
به هو أنني نسيت شيئاً أو فقدت شيئاً .أفتش جيوبي للمرة العاشرة و أتفقد
المحفظة كل شيءٍ في مكانه لكني لا أستطيع التغلب على مشاعري كما لا أستطيع
تفسيراً لها. أرى صديقي على الطرف المقابل من الشارع فأشير إليه ملوّحاً بيدي
لكنه لا يعيرني أدنى انتباه .أنا متأكد أنه رآني فلماذا لم يرد تحيتي؟ لا أعرف
ولست قادراً على التفكير بذلك لأن كل حواسي مشغولة بالأمر الذي فقدته و لا أدري
ماهيّته.
أمرُّ من أمام محل ألبسة فيستوقفني يجب أن أكون أنيقاً. أنظرُ إلى المرآة فلا
أرى نفسي. أتعجب أين أنا؟ أهزّ يدي أمام المرآة ولا أرى سوى كمّ المعطف. أحرّك
رأسي فلا يبين غير القبعة. أما أنا فلا وجود لي على الإطلاق. أدخل المحل لأسأل
صاحبه عن قصة هذه المرآة العجيبة، أكلمه فلا يرد عليّ . أحاول الاستفسار من أي
شخص تلمحه عيني ولكن عبثاً لا بد أنني ضيّعت نفسي. أحاول التذكر... أين كنتُ
عندما فقدتها؟ كنت في البيت حيث رأيت ابني المريض و زوجتي جالسة بقربه تنتحب
غير أني لم أتحدّث إليهما فربما كنت ضائعاً من قبل.
الساعة الآن الثانية عشرة ولم يتبق على موعد المحاكمة سوى ساعة واحدة.. يا إلهي
عليّ أن أجد نفسي بسرعة و إلا فإني سأفقد ولدي المريض فأنا لا
أملك ثمناً لعلاجه . أخاف ، أفتش ، أبحث في كل جانب من جوانب الشارع، أسأل ولا
جواب، أرى محلاً صغيراً كُتِبَ عليه (مكتب النفوس). ربما أجد نفسي ههنا . أنزل
درجات السلم حتى أصل إلى الباب. يستقبلني رجل أنيق و يطلب إلي التفضل بالدخول..
الحمد لله، هذا أول شخص يشعر بوجودي منذ ضياعي. الأمور تتحسّن إذاً. يبتسم
الرجل الأنيق مظهراً أسنانه المدببة الناصعة كالثلج ويقول لي: ـ ما نوع النفس
التي تطلبها ؟ اطلب ولا تخشَ شيئاً ، كله متوفر عندنا ولكل ثمن.
أتعجب من السؤال وأجيب أريد نفسي ولا أريد شيئاً آخر. يقول الرجل : حسناً،
حسناً. اشرح لي ما هي قضيتك وأنا أتفهم الوضع. نعم.. تريد أن تدلي بالشهادة، و
أعطوك مقابل ذلك مائة ألف. فهمتُ سأعطيك بدل ضائع ريثما تجد نفسك . خذ هذه
النفس فإنها تليق بك و لكن.. تكلفك خمسين ألفاً .ترددت ، احترت ، خرجت من المحل
راكضاً وأنا ألهث من التعب و الفزع. لم أكن أعلم أن النفوس الوضيعة غالية بهذا
الشكل.. المهم أن ألحق بالمحاكمة ثم ألحق بولدي المريض .
مضت ساعات لا أعرف عددها و أنا أبحث عن البيت . لقد جرى كلّ شيء على ما يرام.
أدليت بالشهادة وقبضت المال. ولكن المشكلة أني لا أجد بيتي. إنّ مشاكلي لا
تنتهي. فتشت كل أرجاء المدينة التي أحس أنها غريبة عني ولم أهتدِ إلى بيتي .
ألمح محلاً كتب عليه مشروبات روحيّة. أشعر بالحنين إليه برغم أني لم أدخله مرّة
في حياتي. هناك شيء خفي يشدّني إليه هل هي أنواره الخافتة أم الموسيقا النّاعمة
التي تنساب منه؟ لا أعتقد هذا ولا ذاك بل اسمه هو ما يجذبني إليه أشعر أن روحي
ضعيفة وتحتاج إلى ما يقوّيها . أنزل درجات السلم وأدخل من الباب فتستقبلني فتاة
أنيقة، أحسّ أنها مألوفة إليّ. أسألها هل رأيتك من قبل ؟ تبتسم ابتسامة فاتنة
تكشف عن أسنان مدببة ناصعة كالثلج وتقول: ألم أرك اليوم في مكتب النفوس حيث
أعطيتك هذه النفس العزيزة، وتشدّني إليها قائلة: ما ضاع لن يعود أبداً!.
يتلوى لساني خارجاً من فمي ويرسم كلمة (لا) ضخمة حمراء. تُـربــــّتُ زوجتي على
كتفي مطمئِنةً وتقول بصوت خفيض: أرجوك لا تصرخ في نومك هكذا وإلا ستوقظ الصغير
فأنا لم أصدق أنه غفا قليلاً. |