
قصة قصيرة بقلم : نعيم الغول
n1956gnov@yahoo.com
1
أول الغيث
وراء
الطاولة الكبيرة التي تفصل بينهم تمترس كل منهم على كرسيه. بدا سطحها
واسعا بحجم البحر الأحمر . على جدران القاعة الكبيرة اصطفت صور جميع
الحاضرين . كان كل منهم يتشبث بطرفه كما يتشبث بحافة قارب تقاذفه أمواج
متلاطمة . نلسون الرجل الأشقر الضخم الذي جاء من المدينة المجاورة ضرب
الطاولة بحذائه فاهتزت الأكواب والفناجين ،أجفل الأشخاص المحيطون
بالطاولة.صرخ بصوت عال وبنبرة حادة قاسية وخلفه يقبع رجل ضئيل طويل
الوجه مقوس الآنف اسمه حاييم :
-
ستطلّقها .
الرجل الذي لوحت وجهه شمس
الرافدين رد بهدوء اقرب إلى البلادة والغباء على طلب السيد نلسون :
-
لماذا
؟
-
لان
زواجك بها يشكل خطرا على جميع العائلات. و أنا وعائلتي أول المتضررين .
ورمى بقية الأشخاص الموجودين
حول الطاولة بنظرة تحد وتهديد :"ولن نسمح بذلك . "
بدوا كتمائيل خشبية جفت
الكلمات في أفواهها، لكنهم أومؤوا موافقين .
رد الرجل الأسمر بعناد :"ولكن
لماذا يكون زواجي من "صامدة " خطرا على أمن العائلات؟"
-"لأنك تزوجت من امرأة ذات حسب
و نسب و أصول ؛ مما يجعلك تنتمي إلى طبقة لا تستحقها . طبقة زوجتك رفيعة و
أنت رقيع ذو اصل وضيع ."
-
"
أنا لا أؤمن بالتفاوت الطبقي ، وقد قبلت بي ،ومثلها يقبل بمن يسعى
لامتلاكها ."
-
" حتى
لو قبلت بك فذلك نتيجة خداعك و تضليلك لها . ثم أنت لم تحصل عليها وفق
الأعراف والتقاليد المتبعة . هل أخذت إذنا من أهلها .. من مجلس عائلتها ..
من مجلس عائلات المدينة ؟ لم تفعل . تزوجتها سرا. هذا الزواج لن يصمد ."
-
"ولكني احبها و تحبني . ثم إنني لست وحدي الذي فعل هذا . انظر مثلا حاييم
. حاييم تزوج من" ديمونة" قبلي بكثير رغما عن الجميع ، وقد طالبته كل
المجالس أن يعلن زواجه لكنه رفض ."
تكور حاييم على نفسه خلف
نلسون."
ضرب نلسون الطاولة بعنف و قد
احمر وجهه ، و خرج الزبد من شدقيه :
" لا شأن لك بحاييم ".
همهم الآخرون وقال مستر فوكس
الذي اعوج لسانه بلهجة" الكوكني " اللندنية : " نعم حاييم شيء آخر "
رد الرجل الأسمر بعناد أشبه
بالغباء و اقرب إلى البلادة :
-
"لماذا ؟ هل يعني كون حاييم شريكا لك في كثير من شركاتك معاملتنا بصورة
مختلفة ؟"
-
" لا
شأن لك به وحسب ."
-
"ولكن هذا ظلم . كل لي وله بمكيال واحد !"
-
" كيف
أكيل لكما بمكيال واحد وأنت صعلوك و هو شريف . أنت مضلل مستبد متعصب و هو
واضح وشفاف و صادق و حر وديمقراطي ."
-
" وهل
أنت الحر والديمقراطي ؟ هل نكشف المستور ؟ ثم إنه مثلي لم يستشر أحدا ."
-
"
لكنك أمرت زوجتك أن تضرب زوجة أخيك . لقد " سلطت زوجتك لتعتدي على أحد
اخوتك وجيرانك . حاييم لم يفعل ."
-
" هل
نسيت ضرب حاييم لجيرانه ، وإخراجهم من بيوتهم، واستيلائه عليها بالقوة ، و
رفضه إعادتها إليهم ، والتصالح معهم .هل نسيت الكتف الذي "تسلفه "" له كلما
ارتقب حماقة سوداء؟"
-
"هذا
موضوع آخر سنحله بمعرفتنا . …
همهم الآخرون :" طلقها وأرحنا
و أرح نفسك يا أخي . طلقها."
مال نلسون إلى الكوكني.
تهامسا. وقف الكوكني وقال :
-
"لقد
اتفقنا على أن نعطيك مهلة .بعدها سندخل بيتك ،ونأخذها منك ،وسنطردك ،وان
قاومت قتلناك . سنعطيك ثلاثة أيام لتطلقها."
-
"أستشير إخوتي و أعطيكم الرد ."
-
"ثلاثة أيام فقط!"
من خلف نلسون كان حاييم يحاول
جاهدا كتم ضحكاته.
2
إضاءة من الرجل الأسمر
متناثرون كحجارة سوداء على
جانبي طريق صحراوي متلهف للحياة.
تشدهم خيوط لا تراها العيون ،
خيط يشد الأيدي التي امتدت إلى الدولار ، ويكبلها حين يحيق الخطر بتلك
الديار..
خيط يفتح يدين ضارعتين أن
احمنا من ذلك الجار ..ينسيهم أنهم اخوة وأن الجار ولو جار..
خيط يفتح يدا سمنتها العمولات
،والصفقات.
اخوتي يتمايلون تيها بين نشوة
الماضي ،وعز الحليف ،وتحت الأقدام يتلوى التضامن ،
مصالحنا يقولون..وجودنا ينعبون
..كراسينا يولولون ..
تلك ترانيم تسبح في أفواه
اخوتي .. ومع أني لا أنكر أني منهم إلا أنني ما رهنت مصالحي ..وجودي ..
كرسيي لحفار آبار النفط ..لصاحب حرب النجوم ..يأبى هذا الرأس الجالس بين
كتفي ..أن يقول نعم ..حين تكون نعم ..أشبه بنغم ..يوم تطوى النفوس وتلف يد
حاييم على الرقاب حبل العولمة.
3
بالشكر تدوم النعم
الكراسي حبلى بالجالسين . و
حرارتها ارتفعت في بداية الجلسة، ثم عادت تنعم ببرودتها المعتادة ، وحين
غادرها شاغلوها همس كرسي لصاحبه الذي نصب جذعه بفخر فارغ :" الحمد لله
أننا لا نشهد تغييرا يذكر بين جلسة وأحرى من جلسات الاخوة، وأننا بقينا على
حالنا دون كسر ، دون خلع، حتى ولا ضربة مسمار.
رد الآخر بأسف ممزوج بالشماتة
:" الرجل الأسمر لم يحصل من اخوته على أكثر من رفض لتهديدات نيلسون مع
النصيحة بالطلاق "
4
إضاءة من نلسون
"عزيزي حاييم :
ما زلت اذكر كيف كانت أيدينا
تتشابك ، ونحن نغني بانفعال و حماس شديدين:
عند أنهار بابل
هناك كنا
حين تذكرنا صهيون
هناك كنا
من بابل يبدأ كل شيء .سنعود من
هناك يا حاييم، ونقف على صهيون و تتشابك أيدينا ثانية، وننشد من جديد
.بانتظار قيامة السيد."
5
وينهمر المطر
تمترس كل منهم على كرسيه وراء
الطاولة الكبيرة التي تفصل بينهم .بدا سطحها واسعا بحجم البحر الأبيض
المتوسط . وتشبث كل منهم بطرفه كما يتشبث بحافة قارب تتقاذفه أمواج متلاطمة
. كانت الصور جميعا تصطف على الحائط عدا صورة الرجل الأسمر.ضرب الرجل
الأشقر الضخم الطاولة بهراوته بقوة فتناثرت الأوراق من أمام الجالسين
واختلطت . أزاحها بصلف وصرخ بصوت حاد ونبرة قاسية :
-
ستطردها هي وبقية "الزعران"
رد الأخ التاجر بهدوء و بلهجة
اقرب إلى المساومة :
-
"لماذا؟"
-
" لان
وجودها و "الزعران " الآخرين في بيتك يشكل خطرا على أمن العائلات كلها، و
يسبب لي الضرر بصفة خاصة ."
ألح التاجر وهو يبحث عن منفذ
:
-
لماذا؟
-
"
لأنني جارك الآن . أخشى على مالي وعيالي وخدمي وحشمي ؟"
-
ولكن
" الكرمية " ليست كزوجة الرجل الأسمر . إنها مسكينة ومظلومة . لقد طردها
حاييم من بيت أخي بعد استيلائه عليه . و لا أسمح لها إلا بالثرثرة "
-
"إنها في دارك وفي حمايتك .أنت تؤوي الزعران، وسوف تحاسب على ذلك"
-
رد
التاجر وهو يحس بساقيه تخوران :
-و ما العمل ؟
أحس نلسون بالخور الذي بدا
يتسلل إلى نفس التاجر فقال :
-" تسلمه لي وتصالح حاييم و
تطيب خاطره و تمنع عنه أية محاولة لإيذائه ."
لكن التاجر لم يقاوم إغراء
المساومة .
-
وماذا
احصل بالمقابل ؟
هز نلسون رأسه ساخرا :
-
"
أخرجك من دماغي " !!
من خلف نلسون كان حاييم يحاول
جاهدا كتم ضحكاته.
6
المشهد الأخير
تسمر كل منهم في كرسيه وراء
الطاولة الكبيرة التي تفصل بينهم .بدا سطحها واسعا بحجم المحيطات كلها .
جدران القاعة خلت من صور الحاضرين خلا صورة نلسون. جاهد كل منهم متشبثا
بطرفه كما يتشبث بحافة قارب يمسك دفته ربان واحد . الخليط العجيب من
الأشقر و الأسمر و الأحمر و الزنجي والأصفر كلح لونه،وصار كلون وجه فر منه
الأمل، وطارحَتهُ الصفعاتُ الخوفَ. نظراتهم التصقت بالأرض. فجأة تحول
نلسون إلى" روبوت" عملاق . ارتفعت يد لتضرب الطاولة؛فتكور الجميع على
أنفسهم، وهم يمسكون بسراويلهم .انتظروا أن يقول شيئا. لكن الذي تقدم
وتكلم كان حاييم .
* * * * * * *
شهادة المؤلف
أنا الموقع أدناه تعيم الغول "
المشار إليه لاحقا في هذه الشهادة بالمؤلف " اشهد بهذا أن الراوي الحصيف قد
روى الأحداث التي اتفقنا على روايتها ، غير أنه تصرف ـ بموافقتي ـ في بعض
المواقف لضرورات تتعلق باحترام قانون المطبوعات والنشر.
نعيم الغول
المؤلف
قول مستدرك : فوجئت أثناء
مراجعتي للنص أن الأوراق بدأت تهتز، وسمعت صيحات من بين ثناياها، وحين أخذت
اقلبها قفزت شخصيات القصة ، وأخذت تلوح بأياديها بغضب . وكان علي أن استمع
لما يقوله كل منهم .
وقد بدأ نلسون قائلا :
- يا حضرة المؤلف لقد قمت أنت
و راويك بعمل غير أخلاقي حين كذبتم وأظهرتموني بمظهر العدواني والطامع إلى
توسيع مناطق نفوذ عائلتي وأنني مجرد إمعة لحاييم .
أجبت بدهشة لجرأته : ولكنك
كذلك .
-
لا لست كذلك
. أنا الأقوى والأغنى والأعلم والأوسع خبرة ولست متخلفا مثل بقية الناس ؛
فمن حقي أن أقود الجميع ،وأن أريهم حدود الخير لهم وهذا يكفي .
-
.. .. ..
انتفض الرجل الأسمر بعنف
وقال : " وأنا كنت وما زلت ضحية تآمر وصمت الجميع ، ومع ذلك اكتفيتما
بتصويري بالعنيد و الغبي، وقتلتماني ولم تصوراني بصفتي الرجل الوحيد في
زمن الخصيان ، ولم تعطياني فرصة لإثبات قدرتي على فرض ما أريد على الجميع
بما فيهم نلسون.
-
أعتقد انك
ضعيف الحساب ، وأنك بحاجة لتغيير نظاراتك الطبية.
ــ ــ ــ ــ
لا بد لي من تعديل شهادتي
والاعتراف بأن الراوي لم يقل ما أريد ربما لأنه وجد الأمر اكثر تعقيدا
؛ مما جعله يروي بصورة خاصة . أظن أن علي القيام بنفسي بذلك فربما استطعت
أن أصور ما أريد:
ضحكات حاييم
أنا فرانك روود نلسون الحفيد
الأكبر لأغلي نلسون الذي انحدرت منه أسرتي التي تبتلع ثلث مدينتنا
الكبيرة . بعد وفاة آخر محافظ انقسمت المدينة إلى أحياء متناحرة على
تجارة الذهب الأبيض والرقيق الأبيض
و
علب الليل الخضراء . في كل حي عششت عائلة . وكان لي صهر اسمه حاييم و...
.. ..