مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  صمت القبر

قصة قصيرة بقلم : عبد القادر علي الدرسي

العربي الموحد

http://www.4uarab.com

 

كعادته استقيظ مبكراً وخرج إلي الطريق المظلم بصحبة زقزقة عصافير الصباح وهي تودع الفجر الهادي .. يسير بين حفيف الأشجار .. يتأمل الفضاء من حوله .. يرفع يديه بجانبه حتى يصرخ صدره من قوة الشد .. ثم يفتح فمه علي اتساعه ويبتلع كميات من الهواء في لذة جنونية وكأنه يخاف من نقص الهواء النظيف من حوله .. لذلك يغمر قصبته وأنسجة صدره بتلك الحياة المنسجمة مع الفضاء .. ثم يغلق فمه ويرخي يديه للأسفل ويواصل سيره ويتذكر سنوات الطفولة ..

هنا لعبنا وهنا سقطت أرضا وهنا انشغلت بمتابعة فراشة وهناك كتبت اسمي علي لحاف شجرة وفوق التلة المنحنية كعجوز افقدها الزمن توزانها جلس مع أصدقاءه يشربون  (اللقبي)*.. تذكر يوم ودع أمه في تلك الأرض .. كم بكي وكم ضرب الأرض لكي تترك أنفاسها الطيبة تعود إليه تذكر جمود وذهول والده وهو يردد (هذا ما وعد به الرحمن ورسله ) .. كانت لهجة الإيمان تنشد معه أنشودة حزن تغمر الروؤس بصمت مطبق مروع، لم يتأثر بتلك الكلمات .. كان فقط يريد استعادة والدته بأي شكل من الأشكال .. بكل السبل بكل الوسائل كان ينتظر كوب( السحلب ) الساخن ومداعباتها الهادئة .. افتقد الحياة .. كذلك افتقد الابتسامة عندها فقد فهم معنى كلمة اليتم الكامل وأنه أصبح بلا عاطفة ترعاه وأصبح عاريا من من كل شيء لأنه فقد أهم شيء .. حنان والدته .
 
أفاق من سجن ذكرياته ثم تذكر هدفه من المسير، تابع سيره و هو يشاهد تلك الشواهد الساكنة بصمت كان يحاول أن يستفسر في داخله عن سر ذلك النداء الذي ينمو ويحاول لفت انتباهه إلي شيء ما هناك ..؟ وعندما وصل إلي تلك البقعة المعزولة والتي تزخر بكتل حجرية متراصة مصفوفة بجانب بعضها البعض بانتظام لاحظ الأوساخ والأتربة تعلو جدرانها ، زجاجات خمر ملقاة هنا وهناك .. ملابس نسائية سقطت سهواً.. ماكياج الغفير متروك لرحلة قادمة .. وقطع عظام تركها أصحابها لدراستها وفق أصوال علمية مدروسة من طلبة الطب بالاشتراك مع الممثل العظيم وبطل العرض الأخير من فصل الموت الشجاع بواب المهن المعطلة بقانون اليوم الآخر ..

لكزه شخص نائم من شدة السكر بجانب إحدى الكتل الحجرية والتي كان يحتضنها بقوة كحبيبة يحلم بامتلاكها أو أرضا يتمني العيش فيها وخلفه أبنائه قابعا مسيطراً دون أغلال تقيده ينفرد بعالمه الخاص بعيداً عن الألم البشرية ومصائب ومشاكل الإنسانية اليومية .. يحتل في عالمه أوهام وأحلام وبطولات وأمجاد وفرح وحزن وحده يمتلكها دون مشاركة من الغير لا قانون لأعرف لا رقابة لا سلطات ولا قيود تسجنه لا خوف من العمل بل حرية وفكر خالص من إنسانيته تصبح جزء منه له وليست عليه ليس المهم أن ينحرف بل المهم انه يعرف معني الانحراف لا يهمه قيود وعادات المجتمع وتقاليده لان الثورة كامنة في نفسه لذلك يصبح عالمي في داخله لا علاقة له بعلاقات الإنسانية الاخرى لا يعرف في قاموسه معني أقلية أو إقليمية أو مسميات أخرى بل الحياة للحياة وفق مقاييسه التي يراها جنونه ، لا يقف عند حد بل يجتاز كل الشرائع المعروفة وغير المعروفة كل الحكايات والأساطير من اوزيس إلي هرقل إلي كليوباترا وانطونيو يسابق إلف ليلة وليلة يقهر صمت أوديب ويصفع وجه سارتر ويحتظن تمثال الحرية ويقبل دافنيشي ويلوح لصلاح الدين ويهتف بالحرية مع الفرسان الثلاثة يعتلي صهوة لحصان المجنح ويبتسم للسند باد .
 تجره زجاجاته الشيطانية إلي واحة تمتليء بالغواني يرقص معهن حتى الإعياء ومن ثم يقفز فوق سحابة عابرة حيث تشكل له طريقاً لانهاية له تمتد في الأفق البعيد تجعل منه أنسانا ملائكياً في نظره وبذلك يكفي انه شاهد نفسه في صفوف الملائكة وهي ليست أمنية وليس المهم ماذا يقوله عنه البقية مجنون فاسد منحل أحمق كلب كل المسميات التي عرفتها الإنسانية لاتشكل في قاموسه أي شي ء انه إنسان حر وحار في تذوق الأشياء المهم انه عرف طريقه ولو بين الأموات يعانق الخمر ولذاته المكتوية بعذابات البشر بعيداً عن حياة النهار و قمامة العفن اليومية التي لا تشتهي سوي مريديها ولعابيها .. حسد ذلك النائم الدائم المسجون في عقله المنحل الضائع بين أكوام الصفيح الضاحك الباكي المعلوم والغائب العاري المتدثر بغطاء السماء لاحظه وهو ينهض ويسير ببطيء وهو يترنح وكأنه راقص على السنة اللهب ، عرف انه يودع خلوته البريئة من أخطاء الناس .
ابتسم وهو يراقب الجرذ الصغير الذي يحفر تحت احد علامات الموت السرمدية وهو يصدر أصوات خلابة تضيف همسات موسيقية لإيقاعات العالم الأخر تبدو عليه علامات الجوع لأنه يتفقد كل جزء يخرجه من باطن الأرض ثم يتركه ويبحث عن غيره ثم يواصل جهاده حتى تحصل بصبره على جزء صغير جدا لبقايا دورة حياة إنسانية يبدو أنها كانت لفتى سلب لب العذراء أو جميلة تركت بصماتها المؤلمة في صدور المراهقين تعب في التفكير ومن التفكير وسطوره وخطوطه ولم يعد يستطيع اقتسام تعابيره وملامسة أشواكه الحادة بقعة أخرى غير كوكب الأرض الأخضر الأحمر الذي يرمز له باللون الأحمر القاني وعلامة الصليب المعقوف تنزل في وسطه بشرف قتالي تحملنا إلي السماء السابعة ضيوفاً وأحيانا كثيرة معتقلين بتهم معروفة ومدسوسة تدوسنا الإقدام وتلعننا الأقدار وتهشم وجوهنا الإسفار وتتمزق علي وجوهنا القيم والمبادي ومعاني الشرف . التي تقتل الإحساس عند زمرة من البشر وأحيانا تنبه آخرين لتعاستهم المرهقة بأحلامهم الخيالية غير الواقعية على أرضنا بل في الأرض فراشي والسماء غطائي لأيهم أن أصبح شريداً فكم من شريد أصبحت كل الأوطان تسعي إليه لكي يتوطن فيها للأبد بلا ركلات صبيانية تذكره بأنه حيوان حقير رغم وفائه لنفسه وعالمه المفقود بين النظريات أقترب أكثر من ذلك الجسد الصغير يحاول ملامسته لعله يلتمس شيئا من الدفء غير المصحوب بالأنانية بعنصرية الفرد ولذاته لكنه فوجي به يقفز من بين قدميه وبسرعة البرق كان قد اختفي من أمامه ؛ تألم كثيراً ولكنه صرخ في وجه كل الأحجار والأشجار والورود وكل علامة أرضية وهزاته المنكوبة و رموزها المتعجرفة و رسلها و رياحها و عواصفها و أتربتها أين الحياة للحياة أم اللغز الافلاطوني لم يسفرعن وجهه بعد الابتسامة لغز في حد ذاته كما اخبره والده يوما لأن ليس بمقدور كل إنسان الاحتفاظ به طويلاً ، نعم يا أبي الابتسامة هي سر الحياة ، و الحياة سر يقف أمام سر الموت والموت علامة لحياة أخرى والحياة الاخرى بوابات لعوالم أخرى ، سعادة وتعاسة ، تسأل هل يعرفون معنى الحزن أم تكثر العذراء لديهم فتجعل حياتهم جحيما ً؟ ما هذه الأسئلة التافهة ابحث عن غيرها حتى لا ينزل بك عقاب سيدة المنجل الأسود .
 
جلس بقرب شجرة صغيرة ثم رفع عينيه وشاهد ضوءاً خافتاً يميل للبياض كلما اقترب منه يخفت حتى وصل لمكانه ثم اختفي وساد الصمت إلا من صوت تلك العصافير التي مازالت تزقزق للفجر المسافر ، تهدأ حركة الأشجار يسمع أنين سكير من جديد لم يعلم متى جاء يحاول استرجاع عالمه المفقود ، ثم ينهض ليعود أدراجه إلى من حيث جاء وهو يشاهد اشراقة الشمس وإحساسه الخفي يخبره بأن كل صباح يأتي دائما بالجديد وأحيانا المخيف.