مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 صلاة في محراب عتيق

رواية قصيرة

جوتيار تمر

jutyar_13@yahoo.com 

الواحة


                محراب
صغير مبني بطريقة بدائية من القصب .. من يراه يجده باغصانه المصفوفة المتراصة وكأنه يعود بجذوره الى الوراء البعيد ..حيث الرمال والصحراء..وهو ببعده عن المنزل الذى تسكن فاطمة فيه يبرهن على هذه النظرية..بنى المحراب والدها فى اقصى المزرعة التى هى كل ما يملكه ..وهى تحوي على عدد لابأس به من اشجار ..النخيل ..اغلبها تكاد تعانق السماء بعلوها ورشاقة طولها ..وفي المساء ..عندما تحاول الشمس الحارقة الاستراحة .. تبدو وكأنها كتل حمراء حيث ترتعش سعفاتها بصورة توحى للنفس بالتعب والالم الذى تعانيها ..ومع النخيل هناك العديد من اشجارالبرتقال حيث يفوح منها رائحة تمتزج برائحة العرق التى تنتشر كلما مر بينها العاملين في المزرعة فتخلق رائحة اشبه ماتكون برائحة السكينة.. تلك التى يجدها الطفل بحضن امه عندما تعود الاخيرة من المزرعة وهى تحمل في يديها سلة فواكه..وفي المزرعة هذه اشجار اخرى من الخوخ وبعض الخضار لكنها قياسا بالنخيل والبرتقال تصبح لاشيء .. يشق المزرعة من الوسط جدول مائى صغير تمتزج مياهه دائما بالتراب فتبدو وكأنها طين جارفة..لكنه فى المساء عندما يهدأ كل شيء ..يظهر بصورة افضل حيث يقل العمل عليه فيصفُ قليلأ.. وهناك فى اقصى جنوب المزرعة المحراب الذى بُنيّ من القصب للصلاة والراحة والتأمل..وهو كسعفات النخيل فى المساء يبدو وكأنه كتلة حمراء ..حيث الشمس الهاربة ترسل اشعتها الحارقة ا لحمراء لتخرق الثغرات التى تركتها لوحات القصب فيما بينها لأسباب مجهولة ..!
فى الساعات التى تسبق الغروب كساعاتها تلك تهرع فاطمة دائما الى المحراب لتقدم هناك صلاتها الشخصية وهى صلاة اقرب ماتكون باليوجا تلك الصلاة العقلية..حيث تترك اهوال الحياة ورائها وتعيش فى حالة من اللاشعور التام..وتستمر احيانا صلاتها هذه أكثر من ساعة..ولا شيء يمكنه ان يقاطع صلاتها.. تأملها..السكينة التي تعيشها..سوى صوت والدها..عندما يأتي في كل مساء ليأخذها معه الى البيت.. فاصوات العاملين في المزرعة..وحتى اصوات السيارات وفي احيان كثيرة قهقهة الناس المارين امام المزرعة.. وهمسات البعض داخلها..لا تعدو حينها..سوى اشباح لا تقدم ولا تؤخر..حان وقت صوت ابيها..انها في ذاتها اللاواعية تعي ذلك..لكنها تستبق الزمن لعلها تسلب منه لحظات اخرى فتبقى غارقة في صلاتها تلك .. هي لم تزل ترى فيما عدا صوت ابيها..كل شيء متشابها فالاشجار كلها متشابهة .. العتمات التي يخلفها الغروب بين الاشجار كلها متشابهة..حتى زفرات العمال والناس المارين واصوات السيارات كلها متشابهة..فقط صوت ابيها..لا يشبهه شيء سوى صلاتها..فاطمة هذه فتاة في مقتبل العمر..طويلة تخفي وراء طولها هذا جمالا لا بأس به..بشرتها تميل الى السمرة..عيناها واسعتان..فيهما بريق سماوي عجيب.. صوتها ناعم..كنعومة وجهها الذي لم تستطع الشمس الحارقة ان تغييره..وهو الأخر يشع بريقا ووسامة .. لها في صوتها هدوء يخالطه لكنة رقيقة عندما تلفظ أسم الحسين وكأنها مع اسمه اعتنقت الالم..تحب ساعات الغروب..والليل..ترى الوجود حلقه روحية تترابط سلاسلها دون انقطاع..الحياة عندها تعني العطاء.. والعطاء عندها.. يعني نكران الذات..ونكران الذات جعلها تعيش في دوامة لا نهايه لبدايتها..لديها في السواد الذي يلازمها مواساة عجيبة.. فهي دائما تردد مع نفسها المهم ان أسعد غيري .. ويكفيني سوادي هذا..أعيش به..وله ..!
فاطمة..أديبة..لها مع الكلمات صولات وجولات..تؤمن بالنزف على الأسطر..وتجد في الكلمة قدسية غريبة..تطالع باستمرار..ويعجبها عندما تزورها نوبات الحزن..وعندما تعود من محرابها..ان تطالع في كتابات (... ) حيث أنها تعتقد بأن اسفاره..رحلاته..احزانه..تقلل من وطأة حزنها وآلامها..! في لاوعيها تتردد احيانا وهي تقدم صلاتها..كلمات سمعتها من (...) كلمات ظلت لسنوات طويلة معها..كلمات كانت أخر ما سمعته منه في أخر لقاء بينهما..(( تعبت فاطمة من ترحالي بين الليل والانتظار..بين الليل والغربة.. بين الليل والسفروالحقيبة..تعبت..نعم ..تعبت بين السكينة التي لا تأتي..والدهشة من انها لا تأتي ..والخيبة لانها تصر على ان لا تأتي..نعم فاطمة..تعبت..وانا هنا في رحلتي هذه..لا اجد سوى صمتك الرهيب..يضيف..لي جديدا ويشعرني بالراحة لاني اعلم ما به من صمت على الالم من أجل ان لا تؤلميني )) .
بينما هي تحاور ذاتها مع كلماته هذه جاءها صوت والدها ..فارتعشت..وشعرت ببروده تغطي جسدها وتتسرب لأعماقها..لعلها اول مرة تشعر بهذه الرعشة هنا في محرابها هذا..وعندما تحدثت ذات يوم ل(...) قالت عن الرعشة تلك بانها كانت لانها لم تسمع يوماً صوت ابيها يداهم صلاتها وهي تردد كلماته ..!
ابتسمت لأبيها ومضت اليه لتقبل يديه وامسك الوالد بيدها وسارا معا الى المنزل القريب البعيد..وحتى لا انسى وصف المنزل فانه من المنازل البسيطة الذي يغلب عليه الطابع القديم بالاخص الباب الخشبي الذي يعد المدخل اليه وفيه ثلاث غرف يتقاسمه اب مع زوجته و بنتان وأبن متزوج..وهذا الاخير قد رزق بطفل صغير لم يبلغ بعد عامه الثاني..وهو أسمر بل شديد السمرة..اسمه وسام..وعمته فاطمة هي من سمته ..! دخلت فاطمة غرفتها فوجدت وسام تلعب مع اختها ليلى التي تصغرها سنا وهي الاخرى تملك بشرة سمراء تلبس نظاره طبية لتخفي بها عيناها العسليتين..يدرك المرء من هيأتها بانها انسانه واقعية و تملك ذكاءً حاداً..مضت فاطمة الى وسام واخذته لحضنها..وقبلته..وهي تقول يا غالي.. يا أبن الغالي .. يا من تحمل أسم الغائب الغالي..كيف حالك..ومعها تمطر شفيته بقبلاتها ثم التفت الى ليلى وسلمت عليها وقالت لها هل من شيء يذكر وكأن السؤال جزء من صلاتها اليومية..ابتسمت الاخت..وقالت لها.. لاجديد ..وظلت مبتسمة..شعرت فاطمة بخبث ابتسامتها..فسألتها ثانية..وقالت أتسخرين من ألم اختك ..؟ قالت..لا..لا...لاتحزنى ..أظن ان مهند قد وصل وقد اتصلت وسن وقالت بأنهم قد يزورننا ليلاً..قالت فاطمة هل حيدر ورضا معهما..قالت نعم.. ولكن لا اعلم ان كان معهما ضيفهما ام لا..احمر وجه فاطمة وسطع بريق عينيها ليمتزج مع بريق وجهها..وقالت عساه معهم..عساه..معهم..فانا مشتاقة اليه.. مشتاقة.. أليس كذلك ياوسام وهى تحضنه و تشده لصدرها..كانت الساعة قد اقتربت من التاسعة والربع ..وكان الظلام قد بدأ ينشر بعض همسات هدوئه على المدينة..حيث تستريح لبعض الوقت لتعود بعدها للحياة.. وللعمل..احساس غريب يزرعه الليل هذا فى اعماق فاطمة..احساس مكثف لم تعرفه من قبل..بل لم تشعربه منذ اخر زيارة ل(...).. الليل الذى بدى صامتا..اصبح الان يداهمه صوت ريح تعوى..كأنها الطبيعة تعانى مخاضا مؤلما..ارادت ان تعود بذاكرتها الى اللحظات التى التقته اول مرة..ومضت تحاول ذلك وكأنها كاهن قرر ان يكشف الستار عن الهته ليتحقق منها..من حقيقتها..غمرتها حيرة ممزقة.. احست بأنها بدأت تضيع..وان آلهتها هى الاخرى ضاعت..قاطع حيرتها هذه صوت الباب وهو يطرق.. ارتعشت مرة اخرى..هاجت اعماقها سمعت اصوات ضحك وترحيب..ضمت وسام لصدرها بلهفة صادقة.. التفتت لم تجد اختها..ارادت ان تخرج..هواجس غريبة داهمت ذاتها..خافت..زاد خوفها..رخت يداها.. حاولت ان تنزل وسام..لكنها مالبثت ان هاجت فى داخلها واعادته لصدرها..دخلت عليها اختها وحزن طفولي يغطي وجهها..قالت فاطمة..اذا لم يأتي دمعت عينا ليلى..وهمست..نعم ..ليس معهم..عادت فاطمة تضم وسام لصدرها..وهي تقول ياغالي ..الغالي سيقتلني ببعده ..تحملت ألمها..خرجت تستقبل اختها وزوجها وابنيهما..كانت تنظر الى اختها بشغف ورغبة عجيبة..كانت تعلم ..مجرد احساس في ذاتها ..في عقلها ..في قلبها..بان الاخت تحمل شيئا من عبق الغائب..ظلت تنتظر..لعلها تتكلم ..تهمس..اوحتى والدها.. لعله يسأل مهند عن صديقه الذي كان يزورنا معه....انشغل الجميع برغباتهم واشواقهم ..ولم يبالي احد ..بشوقها ورغبتها..وداهمهم الوقت ..فااستغلت فرصة وهربت من الجلسة المملة هذه.. واخذت رضا معها..رضا هذا يبلغ من العمر اربعة عشرة عاما..وسيم يملك حزنا غريبا في صوته..اخذته لغرفتها.. ولم تتمهل ..سألته هل أتيتم لوحدكم..قال رضا..نعم ..صدمتها جوابه هذا..فاعادت سؤالها بصورة اكثر وضوحا ومباشرة ..ألم يأتي (...) معكم..ابتسم رضا وكأنه ادرك مغزى سؤالها..قال .. تقصدين (العم....)..قالت نعم ..نعم ..قال رضا سيأتي غدا وراءنا..أعاد الغد الروح لها..قالت لماذا لم يأتي معكم ..رد رضا كان منهكأ في زيارته هذا ..وطلب (بابا) منه ان يرتاح لانه كان قد وصل لتوه.. فاستجاب لطلبه وقال سالحق بكم غدا.. وبينما كان يتحدث رضا..طرقت باب غرفتها اختها وسن..وقبل ان تتكلم فاطمة قالت وسن سيأتي غدا..لاتفزعي هكذا..أعلم بانك تستجوبين رضا..عنه..ابتسمت فاطمة.. وقالت كيف كان..قالت وسن..مرهق ..حزين..مشتاق..كعادته..قال رضا لم يبقى لي مكان..فالحديث صار نسائيا..ويكتنفه الغموض..وانا ليس لي في الاحاديث النسائية ..اراد ان يخرج من الغرفة ..اوقفته فاطمة وقبلته..ابتسم رضا وخرج..جلست وسن واجلست فاطمة بقربها..وبدأت فاطمة تسألها بشغف..انتصف الليل..ومهند بطباعه ..لايحب ان يشعر الاخرون بانه اصبح يثقل عليهم ..فهو حساس جدا..وحتى لاأنسى ان اوضح لكم بعض صفاته..فانه شاب وسيم..يملك نبلا يحسد عليه..هادء..في صوته جاذبية غريبة.. ثقافته لابأس بها..له ألمامات ادبية..يكتب احيانا..يملك مكتبة جيدة..لذا فهو كما قالت وسن يطالع يوميا لأكثر من ساعة ...ووسن هذه..الاخت الاكبر لفاطمة..هي الاخرى تملك حسا ادبيا جيدا .. جميلة .. رقيقة..شفافة ..تملك نظرات خارقة ..احيانا يشعر المقابل انها تقرأ اعماقه..أما حيدر.. فهو في التاسعة من عمره ..له عينان جذابتان..وهو..عنيد .. ولا يتهاون فيما يريد ..!
أحس مهند بان الوقت قد آن للعودة الى شقة أجروها وسط المدينة..فطلب من حيدر بأن يبلغ أمه لتستعد ..لكن حيدر كان منشغلآ بنفسه وجدته فلم يبالي بكلام أبيه ..ادرك مهند بانه من العبث ان يكرر طلبه ..فوجه كلامه هذه المرة ل رضا فذهب الى غرفة فاطمة..ولحظات حتى كانت وسن ورضا وفاطمة حاضرين امامهم..بدأت مراسيم الوداع..عاد مهند وعائلته الى الشقة..ومن شدة التعب ..غرق الجميع بعد لحظات في نوم عميق..أما اصحاب الدار دخل كل واحد منهم في غرفته.. وبدأ يستعد للنوم ..الا فاطمة ..التي رأت في السهر خير مايمكن ان تفعله لتستقبل به غدها ...................
كان هو (...) صاحب الوجه الحزين..والعينين اللتين تخفيان ابدا في داخلها حزن غير مفهوم..غارقا في نوبة ألم غريبة..فالصداع الذي يلازمه منذ سنوات داهم قلاع رأسه..وسأدعكم تستمعون كيف وصف هو لي ليلته تلك..((كنت أشعر بتعب يمزق حتى عظامي..فارتميت اول ما وصلت لغرفتي في الفندق على الفراش..حتى غرقت في نوم عميق..لكن بعد ساعتين على اقل تقدير وجدت نفسي ترتعش.. وشعرت بالعرق ينصب من جسدي حتى تبلل فراشي..استيقظت..ولكن الصداع قد داهم رأسي..تحركت اعماقي اولا..لأن الالم عندما يزورني يلامسها قبل كل شيىء.. ثم مايلبث ان يظهر على شكل خطوط متلاطمة على جبيني ..ويلازمه شحوب وجهي ..حاولت ان اقاومه ..لكنه كان أعند مني فرضخت لنداء الالم .. وكنت اردد مع ذاتي ما اعنف ذلك الالم الذي لايبالي بالجسد وحده انما يتعداه ليشفي غليه..بالعقل ..حاولت جهدي ان اهرب منه..لجأت الى المسكنات..الى الخروج من الغرفة..لكن دون جدوى ..فعدت ثانية الى فراشي ارتمي عليه..حاولت ان انام لكن .. هواجس غريبة هاجمتني لتزيد من ألمي ..توقفت بالرغم من الالم عند هذه الهواجس وجدتها تحمل صور من الماضي السحيق ..رماد كف على الحائط يحمل انامل صغيرة..لوحة رسمتها الالهة على جدران محترقة ..سوداء ..جمجمة انسان أحترق..لم تشأ الالهة طمسها ..فتركت جمجمته مطبوعة على الحائط بطريقة بدائية ..دموع ام فقدت..حزن أب عاجز..آهات انسانية مكبلة باقدار لاتنفك
قيودها..حاولت ان اتخلص من هواجسي هذه..اشعلت المصباح..سحبت كتابا من حقيبتي..فتحته.. تصفحت بعض اسطره..لكن سيل الهواجس..والالم الأتي جراء الصداع العنيف ..أوقفاني ..عدت للمسكنات..بلعت قرصا ..فاتبعته اخراً ..ثم أخر..مضت لحظات..هدأت ثورة الصداع قليلا ..لكن الهواجس ظلت تتقاذف في ذهني..حاولت ان اغفى..قاومتني الهواجس..عاندتها..وفي نهاية المطاف انتصرت عليها..غفوت..ارتاحت الهواجس..ودخلت هي الاخرى في سبات قصير ..متأملة في انتهاء حالة اللاشعور التي دخلتها لتوي ..)).
وفي الواحدة وخمس وعشرين دقيقة بالضبط بعد منتصف النهار استيقظ على صوت الهاتف وهو يرن حمل الهاتف وبصوت مفعم بالموت رد على المتصل.. ساغادر الآن ..وضع الهاتف في مكانه.. بدا عليه انه لايستطيع الحراك..لكنه عاند رغبته بالعودة الى النوم ثانية..خرج من فراشه.. وبدأ يستعد لمغادرة الفندق.. وبعد أقل من نصف ساعة كان قد غادره متوجها الى مقهى قديمة على شارع يتوسط ساحة كبيرة في وسط المدينة.. والمقهى هذا كغيره من المقاهي القديمة يجتمع فيه كل اصناف البشر.. شباب وشيوخ.. حتى الاطفال احيانا يلجأون اليه.. وهي في مثل هذا الوقت تعيش ازدحاما عجيبا.. مع أن الحر يبلغ درجة لايصمد أمامه الا القليل..لكن لقربه من مطعم شعبي فهو يعيش..في حالة لاهدوء تام.. دخل المقهى.. وجده مكتظا بالناس ..بحث عن كرسي يجلس عليه..فوجد في الزاوية البعيدة المطلة على الشارع العام كرسيا فارغا..اسرع اليه..وضع حقيبته امامه وجلس على كرسي مصنوع من الحديد والكراسي هذه لها هيئة غريبه فهي قبل كل شيء محمولة على ثلاثة ارجل وشكلها دائري خاصة المكان الذي يجلس عليه .. وهي اغلبها قد غطاها الصدأ من ارجلها..طلب فنجاناً من القهوة التي يشتهر بها المقهى..وضعه على طاولة صغيرة هي الاخرى مصنوعة من الحديد وقد داهمها الصدأ في اكثر من موضع ..وبدأ يتأمل مع فنجانه الشارع ووجوه الناس.. وفي لاشعوره..وجد بأن صوتا يلامس اعماقه يخرج من مكان ما..فحاول ان يستعيد قواه الخفية..وبدأ يركز سمعه على ذلك الصوت..التفت حوله.. وجد بان مصدر الصوت هو جهاز راديو من الطراز القديم وضع على رف في الجانب الاخر من المقهى..اراد ان يخرج من دائرة الصوت هذا ..لكن نغمات موسيقاه ونبرات صوته كانت اقوى..فاستسلم لها..وبعد لحظات وجد صدره قد انشرح لها لكن ظل يخشى ان تهاجمه الهواجس..والصداع معا.. فحاول جهده ان يخرج من تلك الدوامة.. وكان له ما اراد..بعدها بدأ يتأمل وجوه الناس داخل المقهى..كان بجانبه رجلان وصلا بعمرهها الى اطراف الستين ..احدهما تجاعيد وجهه وخطوطها تعبر بوضوح عن يومياته..وحياته التي انقضت..حيث انها لم تنسى مكانا في وجهه الا وقد تركت فيه اثرا لألم ظاهر وأخر مدفون في اعماقه..والاخر كان وجهه اكثر تفائلأ.. حيث استبدلت الاقدار التجاعيد والخطوط واستعاضت بها بقتل اخر شعرة سوداء في رأسه..لكنه كان منتشيا بالدخان الذي يستنشقه من نركيلة تكاد لاتفارق شفتيه..كانا يلعبان بالطاولة وكأن الدنيا معهما قد انحصرت بين الاحجار التي يرمونها داخل الطاولة..ظل عاكفأ على وجههما لمدة طويلة..حتى أفاقه صوت شاب جلب كرسيا وجلس بقربه..نظر اليه مبتسما وفي اعماقه متسائلا من تكون ..؟ لكن تسائله هذا لم يدم طويلا..حيث عرف الشاب نفسه..فعرفه الاخر بنفسه..تبادلا لاكثر من نصف ساعة احاديث متفرقه..وعندما بلغت الساعة الثالثة..كان عليه ان يتوجه الى موقف للسيارات ليتجه صوب الجنوب..بل اقصى الجنوب ..!
في التاسعة واربع وخمسين دقيقة كان امام باب الشقة التي فرغ له فيها مهند غرفة نسيت ان اذكر لكم بان الشقة هذه هي ضمن عمارة مكونة من خمس طوابق وامام بوابتها الرئيسية يقف رجل كبير السن يراقب ويحرس العمارة..مع ان فيها بعد المدخل مباشرة غرفة اشبه بالاستقبال في الفنادق.
دخل العمارة وسأل عن شقة محجوزة باسم مهند فدله احدهم اليها.. توجه اليها مسرعا دون ان ينتظر من يحمل عنه حقيبته..طرق باب الشقة.. جاء رضا وفتح له الباب.. قبله. سلم على وسن وقبل حيدر..كان مهند حينها كان يأخذ حماماً ومن شدة التعب سأل عن غرفته فدله رضا اليها..دخلها وارتمى على فراشه ..لكن.. مهند ادرك بوصوله عندما خرج من الحمام.. فارسل رضا اليه يقول لن ادعك تنام اخرج وانضم الينا..سنتاول العشاء معا..حاول ان يبرر..ان يتهرب من شدة التعب.. لكن مهند جاء اليه بنفسه وقال .. حيدر ورضا يرغبان بانضمامك إلينا.. فادرك حينها انه لا مفر..اخذ حماماً سريعاً..نفض عن جسده التعب ..وراح يستعد للخروج..لكن قبل ان يخرج داهم فكره سؤال غريب..مفاده..هل سألتقي فاطمة..اليوم ..؟ حاول ان يقنع نفسه بعدم التسرع..وعدم السؤال..لكن السؤال كان يلح على ذهنه..وفكره..المهم خرج من غرفته الى الصالة فوجد الجميع ينتظر..دخلوا المطعم..والسؤال قد وجد اجابته..وكانت مخيبة لآماله .. وبعد عشاء وسهر عادوا الى شقتهم ..!
فاطمة على فراشها تطالع في كتاب..تحت ضوء صغير..همسات صدرها..تنادي الصباح..الشمس.. اعماقها تكاد تذبل لطول ليلها.. وكتابها الحزين يئن بين يديها..تقع عيناها على كلمات كتبها هو على احدى صفحات الكتاب.."شفتاك ظامئتان..تتلهف للحظة لقاء..لكن اتراك يا زهراء تدركين من اية هاوية اكون انا..انا..من قد اكون..الجنون..الغربة..السفر..ام..وهم لا شيء .." تندمج فاطمة بروحها مع كلماته تلك..وتهمس بصوت خفي..لكي لا تزعج اختها النائمة بالقرب منها..لا..لا.. يا ايه التائه الابدي..لن اجيب..لن اعود للالم.. فانت اليوم لست ببعيد..امتار دقائق..هي ماتبعدك عني..نعم لن اجيب ..لن اعود..لكن حقاً اني اسألك من تكون ..؟ فكأني اشعر بغيري في الدجون ..في الظلمات.. تهفو اليك .. أتسمع ..أتشعر ..!
بنجواهم..في الريح الحزين ..؟ انهم مثلي احتضنوا الظلمة وغلبهم الأسى.. لا .. يا ايها المهاجر لن أجيب ..لن اعود..لكني سألتك من تكون لأكون..؟!
عادت فاطمة لكتابها وقلبت صفحاته..كانت تهرب من كلماته..تساؤلاته..حتى وجدت سلواها في قصة ..بدأت تبحر بين احرفها..وصلت الى سطر ادهشها..بل افزعها..قالت كيف ..؟ لا .. عليه ان ينجلي ..فعيناي لن تشفى من دموعها الا بعد ان ينجلي..كان السطر ..يقول.. (( فليت هذا الليل لا ينجلي حتى نواري الثرى حبنا..حيا..وما ادهش هذا الهوى ان جهلت حسناؤه من أنا ..)) .
انتفضت المسكينة في اعماقها.. وبدأت تردد مع نفسها أي حب وشوق هذا.. انه عقيم ان لم يأتي الصباح ..ان لم تشرق الشمس..ان لم يأتي.. ان لم اراه..كانت اعماقها تنزف بطريقة غريبة..كانت تشعر بلهفة لا حدود لها لرؤيته..كانت تتأمل ساعتها وكأنها تريد ان تفترس الوقت.. مرت لحظاتها اياما.. غلبها التعب .. والنعاس.. عاندت..قاومت..انتصرت..شعرت بألم ما يدغدغ صدرها.. تحسسته.. بحثت عن معنى له.. زاد الالم..أتت الحيرة..امسكت بصدرها..ارادت ان توقظ اختها..لكنها عادت..تعاند..تقاوم..خرق لا شعورها سؤال غريب..من تعاندين ومن تقاومين ..؟ ظل الالم.. فكرت في الصباح الذي لاحت تباشيره في الافق القريب.. عيناه..صوته الخفي..همساته الحنونه..حزنه..كلها شدتها.. تاهت.. تاه معها الالم.. والحيرة.. اصوات العصافير.. ونسمات الصباح.. ومضات من الاشراقة الاولى..كلها معا اعادتها للحياة.. وضعت كتابها تحت وسادتها.. خرجت من فراشها.. ايقظت ليلى معها.. خرجا معا للمزرعة.. فالمزارع هذه تحيا في ساعات مبكرة..كان والدها يعمل بجانب المحراب.. عندما وصلتا هناك..لمحهما ..قال..لم اراكما من قبل في مثل هذا الوقت هنا.. قالت ليلى ماذا افعل في ابنتك المزعجة هذه.. وخزتها فاطمة.. فضحك الاب.. وابتسمت فاطمة..دخلت محرابها..رافقتها ليلى..وبدءا تقدمان صلاتهما..عكفتا في المحراب..وفي الطرف الاخر من المدينة كان هو الاخر..جالسا على كرسي في شرفة غرفته..كان يتأمل الاشراقة الصباحية الاولى التي يحبها..كان يقول لو تبقى الاشراقة وحدها..لو تنسى الشمس للحظة حرقتها ..لو..وبعد صمت..يأتي مهند الان فنخرج اليها..ابتسم في اعماقه..قال انه اذا الشوق..انا ايضا اشتاق .. لم لا.. فهي تستحق شوقي..مرت لحظاته بسرعة غريبة..جاء رضا ليخرجه من خلوته تلك..ونزل الجميع الى مطعم قريب للافطار.. اكتفى هو بكوب من الحليب البارد.. بعدها .. تداول الحاضرون مسأله مهمة لم تكن قبلها قد أثيرت.. حتى في أذهانهم ..ماذا عساهم يفعلون في يومهم الحارق هذا..الشمس في تلك الارجاء تصبح بعد ساعات الصباح الباكرة اشبه بمحرقة.. فهي تقذف بلهيبها على شوارع تلك المدينة فتصبح افران طويلة..حتى وجوه الناس تصبح افران متنقلة بادر مهند بكسر القيود المفروضة على الجلسة وقال املك اقتراحا عساه يرضيكم.. هل نذهب الى سوق المدينة الكبير فنقضي يومنا هناك ..؟ صمت الجميع..ادرك مهند ان اقتراحه لم يلقي ترحيبا وقبولا من الأخرين ..!
نظرا الجميع اليه..قال انه مجرد اقتراح..كان مهند يعلم ما يخالج صدر الجميع.. بل صدر (...) و وسن ..وحتى رضا.. لكنه موه في بداية الامر باقتراحه هذا.. ليتسنى له بعدها ان يقترح ما سيوافق عليه الاغلبية .. قالت وسن السوق الكبير في هذا الحر.. قال مهند اذا ماذا تقترحين ..؟ قالت ..لا اعلم ..ثم وجهت هي سؤالها الى (...) قالت ماذا تقول انت..رد عليها ..انا مع رأي الاغلبية..ولن اقترح..قاطعهم حيدر ..ساذهب انا الى المزرعة عند جدي..ابتسمت اعماق (...) وارتاح مهند لسماع صوت حيدر.. اما وسن فكانت مستغرية عندما ما رأت بريق عينيه بعد اقتراح حيدر..وكأنها شعرت فيما بعد بأن الكل كان يريد ذلك..قال رضا بعدها مباشرة سأتي معك..وافق مهند على اقتراحهما.... قالت وسن اذا الاغلبية .. تهيأ الجميع وخرجوا الى المزرعة..لكن قبلها مروا بالمنزل حيث اراد هو ان يسلم على أم وسن تلك المرأة الحنونة التي لا يفارق السواد جسدها..قبل رأسها..سلم على زوجة اخيها..ثم دخل يقبل وسام النائم في فراشه ثم خرج الجميع الى المزرعة.. القريبة من المنزل.. وبعد تجوال التقوا بوالدها.. سلم عليه واحتضنه بلهفة اب فَقدَ فادرك معنى الالم.. واحتضن حيدر ورضا وقبلهما..ثم ساروا جميعا نحو جنوب المزرعة..نعم نحو القدر المتربص هناك به.. وبـ فاطمة ..وحتى ليلى..وصلوا..كانت فاطمة لم تزل تتأمل..تقدم صلاتها ..أما ليلى.. فكانت جالسة تتأمل غرابة صلاة اختها..حائرة ..!

لم تشعر فاطمة بهم..لكنها ادركت بأن شيئا يضاهي صوت ابيها بدأ يقترب من محرابها.. أرادت ان تلتفت..لكنها خشيت ان تصطدم بوجوه..لاتجد مبتغاها بينها.. استمرت في تأملها.. هرعت ليلى اليهم .. وسلمت على الضيف وهي تبتسم .. تأمل (...) فاطمة في محرابها تذكر كلماتها عندما دعته اول مرة لزيارة محرابها. ستتأملني ذات يوم في محرابي العتيق هذا اصلي من اجل عودة اخشى ويلاتها .. وأهوالها .. حزنت اعماقه .. تغيير وجهه حتى شعر مهند بذلك.. امسك بيده.. همس في اذنه ماذا بك ..؟ لماذا تغيير وجهك هكذا ..؟ قال..خوف من مجهول آت..مجهول لاح لي في كلمات سمعتها من فاطمة ذات يوم .. قال مهند..استرخي.. ولا تدعها تشعر بقلقك وخوفك هذا..لانها تخشى عليك كثيرا .
اقتربت وسن من فاطمة.. قالت لها ألن تسلمي على ضيفنا..ارتعشت فاطمة رعشة الامس..ابتسمت في اعماقها..داهم ابتسامتها خوف مجهول..ارادت ان تلتفت..وجدت نفسها تقاوم التفاتها..عاندت..هزمت ..بكت..قالت وسن كفاك ..ابوك معهم ..مسحت دموعها.. وقفت على قدميها.. توجهت اليهم.. مدت يدها.. صافحته.. شعرت ببرودة غريبة في يديه.. زادت من هواجس الخوف والمجهول في اعماقها.. نظرت الى عينيه.. شدتها اليهما كآبة حنون.. كان هو اشد روعا وخوفا منها..مضت اللحظات مسرعة ..حان وقت العودة الى المنزل والغداء..عادوا..وعلى الغداء.. تبادلوا الحديث..والابتسامات.. وبعد جلسة شاي خلد الجميع الى الراحة.. لكن فاطمة.. ارادت ان تراه..ان تتكلم معه..ان تستمع لصوته.. فطلبت من وسن أن ترافقهما الى المزرعة.. الى المحراب.. وافقت وسن.. وخرج الثلاثة معا.. ولحق بعد قليل حيدر بهم ...!
تحت سقف مصنوع من القصب..داخل محراب مبني للصلاة والتأمل والراحة.. جلست فاطمة و(...) و وسن وحيدر.. قالت وسن سأذهب مع حيدر لنجلب بعض الفاكهة..هل ترافقاننا..كانت تعلم الجواب مسبقا لكنها تجنبت احراج (...) .. قالت فاطمة سننتظركم هنا..أليس كذلك (...) ابتسم .. وقال سننتظر ..! قالت..لن ادعك اليوم تتهرب من أسئلتي..وقل لي كيف وجدت البعد..هل اشتقت ..؟ هل فكرت بي ..؟ هل تأملت الليل مثلي ..؟ هل ظل حزنك يضطهدك ..؟ اه يا..... هواجسي .. هواجسي ..كثيرة كثيرة ولا أجد لنهايتها نهاية..أنها كلحظات طمأنينتي .. تأتي وتذهب فتزرع الحزن والفرح معا ..قاطعها.. الفرح والحزن .. قالت..لا الحزن والفرح..لأني أتبنى الحزن ولا أتنصل من الفرح.. وأعي انني لست الا يرقة صغيرة من عذاب حزنك.. لكن دعك مني..وقل لي انت.. بل تحدث قليلا عن الحزن.. وعن اعماقك.. هل تشعر بالمجهول المتربص بعودتك لي اليوم.. الان.. قال نعم داهمني خوف غريب..اجهل مكامنه..لكنه بدا لي كأني سافقد.. نعم..سافقد..! قالت .. الألم لم يزل يرافقك..بل مغروس في عقلك.. قال في اعماقي اقرار فظيع بأمور لا تعجب البشر.. الحزن والموت والمجهول.. ولا اعلم كيف ينكر البشر هذه الثوابت العقلية التي تحيط بالكون كله.. هل يمكن ان تنكر البشرية الليل.. او حتى الشتاء.. وهل يخفى عليهم ان الوردة نفسها تموت.. هذا الاقرار بات يحاصرني دون انقطاع..كانت فاطمة تشعر بأن نبضات قلبها تسير بها نحو هاوية مؤلمة.. فنبضاتها كانت تتسارع كنبضات الفراشات التي لا تعيش اكثر من يوم واحد..قاطعته..الحزن والموت والمجهول.. تعني بها اليأس والمصير المحتوم..والجهل بما سيؤول اليه الامر بعده.. قال .. بل الانسان والمصير المحتوم والجهل ....! قالت نعم اليأس الانسان انت ..انا..هم.. السماء .. الموتى..الاحياء ..اه يا ...... ايها العنيد .. دائماً تشغلني بامور هي في كل احوال ليست الا اللا انا.. ألا تشعر لحظة بانني احتاج منك كلمات تخصني انا..المحترقة امامك..قال..ماذا عساني اقول لك وانا نفسي مازلت اناجي ذاتي لكي يقول لي ماذا عساني اكون.. ردت عليه بحزن هل تسمعني اذا تكلمت ..؟ قال خاشعا متضرعاً .. قالت.. مرت علي لحظات وانا هنا في هذا المحراب العتيق اتأمل ..اقدم صلاتي.. كدت فيها اجهش بصوت عال بالبكاء.. لأن الليل.. لأن البعد.. لأن الحزن.. لأن الفرح..كلها.. كل شيء كان امام حقيقة حضورك ذات يوم مجرد كأس رشفت من رحيقه رشفة واحدة.. وكسرته حتى لا اذوق من نفس الكأس مرارة بعدك ... لكني اليوم..الان .. اجد في اعماقي رغبة في ان احترق امامك.. ويتناثر رمادي بين يديك ..اقول بين يديك وليس تحت قدميك.. لاني لا اريد ان اتكرر..نعم .. لا اريد ان اكون مثل من عرفتهم قبلي..واحترقت اعماقهن وتناثر رمادهن تحت قدميك..فقط بحق ايامنا التي مضت.. والتي قلت عنها ذات يوم قديم لي.. بانها كانت آمنة.. امنحني هذه الخصوصية..هذا الاستحقاق..ولطالما معك تمنيت ان تخصني انا وحدى بشيء دون غيري.. لاني وجدت من يحاطون بك يطالبونك بها.. فهل تخص رمادي المحترق بين يديك بشيء ..؟ لا تقل بأنني اتكرر هنا ..في طلبي..لا..لا تقل ذلك..فقط امنحني ما أريد ..! ثم اردفت تقول .. ساترك لك حق القبول والرفض.. وسأعود اليك انت..الى الظلام الذي يكتنف كل ما هو انت..الى الغموض الذي هو في اسمى صور وضوحه ليس الا انت.. غموض يكتنفه أخر..انظر الي.. الى وضوح سريرتي معك.. الى اصراري العجيب والغريب في الاستمرارية.. فأنا في احلك ظلمات العدمية التي تحيط بي من كل صوب.. كنت احاول ان أبحث عن طريق تؤدي بي الى التغلب عليها.. لاعن ارادة امتلكها ..او عن فضيلة ..او حتى نبل نادر..انما فقط عن وفاء وصدق غريزي للنور الذي ولدت فيه..ومنه تعلمت.. وتعلمت البشرية اجمع منذ البدء ان يفتحوا اذرعتهم لاستقبال الحياة حتى في ساعات الفقدان والهجر والالم والحرمان..انظر الى نفسك..اين انت من كل هذا ..اين انت من الحياة ..كنت قبل الان اشعر بالالم بل اتقمص فنونه والوانه دون ان ادع لنفسي حتى حق التفكير يوما بترك حماه ..لكني بعدما وجدته يقتلك يفتك بك .. بحثت عن سبل الخروج من متاهاته ..وتوصلت الى شذرات من النور تناثرت بين ربوع الحياة ..وهنا في محرابي هذا أتلذذ..بالموت والحياة منك معا ..وقد لاتعلم اية ارادة امتلكها لأصير ما انت تسمعه الان ..نعم اية ارادة ..ارادة .. ارادة ...!اعلم بانك الان تريد فتح نقاش حول الارادة..وانك تريد ان تقنعني بانها ليست هي من اعتقتني ..اعلم ذلك ..بل اكاد اسمع صوت ذاتك ..اكاد اسمعه يردد بان الحرية و العقلانية لا الارادة..لكن ..لايهمني ذلك ..لان الاصل عندي هو الوصول الى ما اريد ..سواء عن طريق الارادة أم أي جهد عاطفي أوحتى هوى انفعالي ..او حتى عن طريق الحرية التي هي اصلا ليست الا وجود لأرادتنا ورغباتنا ..!
اخرسته كلماتها احس بغربته..التي تجعله حتى وهو بين احضان الفرح اسيرها ..ظل ينظر اليها بتهيب مريب..شل لسانه..لمع بريق غريب في عينيه.. وجهه لبس كعادته ثوبا حزينا ..تاهت اعماقه ..همس بصوت خفي..هل أنا حي ..؟ لم تجاوب فاطمة على سؤاله ..بل تأملته ..تأملت عينيه ..وجهه ..تلك الرجفة التي ترافق حركة عينيه..وداهمهما الوقت ..فلم يشعرا الا ووسن واقفة مع حيدر على رأسيهما ..وهي تقول..الفواكه..جلس حيدر بجانبه..وبدأ يداعب يديه..احس ببرودتهما..قال له لماذا يديك باردة هكذا دائما ..؟ ابتسمت فاطمة .. ادركت في ذاتها ..بانه راحل عنها وبات وكأن صلاتها التي تتأمل العودة من خلالها ستغدو.. صلاة رحيله أيضاً ..استغربت وسن من بريق عينيه ..وشحوب وجهه ..تناول الجميع فاكهة المزرعة ..واسدل الستار على تلك الصلاة .. في ذلك المحراب العتيق ..وعندما كان الصباح ..بل الصباح الباكر حمل حقيبته عائداً ..!
لكنه قبل العودة طاف بالمحراب والتقى آلهتها ..ثم ترك آلهة المحراب تعود لصلاتها ..لموتها البطيىء ..! وقبل ان يهم بالرحيل..امسك حيدر اصابعه..وقال.. له..لماذا تحمل حقيبتك..هل تتركني وحدي..نظر اليه..ابتسم..وجد حزنا ما حزن صغير يكاد يفتك بعينيه..لا..لن ادع الحزن يدخل عينيك..!