مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 الصــرخـة

قصة بقلم : د. هيفاء بيطار*

كيكا

ليس من فضاء في هذه المدينة سوى البحر، وحده يحوّل نار الحقد و القهر في روحها إلى رماد، و أمام مداه اللامتناهي  تحس بتفاهة كل الآلام، البحر وحده يخلق لها هامشاً من الحياة تعيش فيه حياة لا قهر فيها و لا نفاق. أمامه تعرض ندوب روحها، انحسارها المستمر تجاه زمن يعطي الأولوية للكلاب و المنافقين. و حين تتأمل بلا ملل مداعبة الموج لصخور الشاطئ تشعر أن روحها تُغسل من القنوط شيئاً فشيئاً، و مرة تلو المرة.

قفصٌ يطل على البحر، هذه هي مدينتها، لاشيء على الإطلاق تفعله في هذه المدينة سوى تأمل البحر و تدخين الأركيلة، و تذويب أحزانها بعدة فناجين من القهوة. كل شئ يغرق في الكسل و الضباب و التشتت، فهي غير قادرة على التركيز إطلاقاً، فما أن تبدأ بالتفكير حتى تتشعب الفكرة ثم تضيع، تلاحقها بلا جدوى ليغرق ذهنها مجدداً في الضباب، لكن ما يدهشها حقاً حالة الاستعجال التي تعيشها، فهي تستعجل نهارها ليمضي سريعاً، و ما أن يحل الليل حتى تستعجله بدوره ليمضي بانتظار الفجر. ما أن تنتهي من تناول إفطارها حتى تنتظر الغداء بفارغ الصبر، و بعده تنتظر العشاء، ثم المسلسل اليومي الذي  تتكهن بكل أحداثه سلفاً، ترى لِمَ تستعجل الحياة هكذا، كأنها في سعي إلى هدف عظيم !

أحضر لها النادل الأركيلة و فنجان القهوة، وضع جمرتين فوق القرص المغطى بورق السلوفان ، انتظرها حتى سحبت نفساً و أطلقت الدخان من فمها، شكرته، فمضى متمنياً لها جلسة لطيفة. متعتها الوحيدة في الحياة هي نفث دخان الأركيلة، تشعر أنها تطلق بخار همومها المحتبس في روحها على دفعات، فكرت أن الأركيلة هي القاسم المشترك بين الناس في هذه المدينة من المراهقين و حتى الشيوخ، و أن هذا الشعب بمعظمه لا يفعل شيئاً سوى تدخين الأركيلة لساعات كل يوم ! مرت بجانبها قطة عوراء، عينها اليمنى قطعة بياض كزلال البيض المتجمد، رمقتها القطة بعين وحيدة، أحست نحوها بحقد، لأنها رأت نفسها في هذه القطة المعطوبة، لقد عطبها الزمن، و آمنت أن هذه القطة اختارتها من بين كل الناس ووقفت قبالتها، لتكون مرآتها و تريها حقيقتها. أجل إنها معطوبة تماماً مثل هذه

 

القطة، وعطب الروح أصعب من عطب الجسد. لم تتحرك القطة رغم زجرها الشديد لها، حتى اضطرت أن تلّوح بحقيبة يدها مهددة بالضرب ففرت القطة هاربة، لاحظت أن هناك ندبة عميقة في خاصرة المسكينة و أن ذنبها مقطوع. لعلها تعرضت لطعنة سكين، و اعتداء، احتقرت قسوتها و ساديتها، و فكرت أنها تتعامل دوماً بتشف و احتقار مع الضعفاء و المساكين أمثالها، و بدل أن تشعر بتعاطف مع المسحوقين، فإنها تحس بكره و شماتة نحوهم. أجل، لتعترف بهذه الحقيقة، و اكبر مثال عليها غرفة العوانس، كما تسميها – هي و صديقاتها.

سمعت صوت ضحكات صافية تشق صوت البحر غير بعيد عنها كان صبية في عمر المراهقة يسبحون غير مبالين ببرد شباط، ربما السباحة هي المتعة الوحيدة التي لا تكلفهم مالاً، تأملتهم كيف يتريضون مقاومين البرد، و كيف يتدافعون  ثم يلقون بأجسادهم  في الماء البارد مطلقين صرخات نشوة، متجاهلين أنه غير بعيد عنهم يصب المجرور، هي نفسها تتجاهل الرائحة القذرة معطية كل روحها للبحر، أحست بشفقة و بشيء من الفرح حين فكرت أن هؤلاء المساكين قادرون على الفرح رغم القهر و الموات حولهم. فكرت و هي تسحب نفساً عميقاً من الدخان أنها لو خُيِّرت أن تبعث في الحياة مرة ثانية لاختارت أن تكون سمكة، سيكون البحر عالمها، لكن قد يصطادها صياد و يقتلها بسادية. تُرى ما سبب عدوانية البشر؟  لماذا كل تلك الفظائع و المجازر التي تُرتكب ؟ صفعتها ذاكرتها بصورة لا يمكنها نسيانها لطفل عمره شهر قتله الإرهابيون، شقوا صدره ووضعوا قلبه في فمه ! يوم تأملت تلك الصورة فكرت جدياً أن تقتل نفسها، لأنها قرفت من الحياة و العار الذي يجللها من خلال هذه الصورة، حانت منها التفاتة لترى أناسأ يأكلون، رجل و ثلاث نساء و أطفال يتحلقون حول طبق مملوء بالبطاطا المسلوقة و قطع البندورة، همّ الإنسان الأبدي الطعام... عادت تفكر بشلة العوانس، و تحس بشفقة لتلك الشلة المكونة من ست آنسات حاصلات على شهادة جامعية، أهي مصادفة أن تجتمع ست آنسات جامعيات في غرفة واحدة، ليمارسن وظيفة وهمية، لا يتطلب العمل الفعلي فيها عشر دقائق ؟!

 

لم تتزوج أي منهم، بقين عشرين عاماً محنطات في تفاهة الوظيفة و المكوث الإجباري ثماني ساعات كل يوم في غرفة اهترأ أثاثها كما اهترأت أرواحهن، كان محور حديثهن الرجل بما يحف بذكر من نكات جنسية و إيماءات تدل على كبت شديد. هالتها تلك الحقيقة و هي تتأمل البحر الذي أشعرها للمرة الأولى بتفاهتها و احتقاره لها. كل صباح كنّ يجتمعن حول القهوة، يكفي أن تلتقي عيونهن، لترى كل واحدة حرمانها في عيون صديقاتها، كانت كل منهن تعرف كم يسحقهن مفهوم الشرف سحق حشرة، و كم يضطررن  مرغمات و دون ذرة قناعة أن يحافظن على عذريتهن التي تعني حكماً الشرف، و يدافعن عنها حتى حدود الاستبسال، و هن يتمنين في العمق نسف تلك القيمة التي لا تعني لهن سوى السجن بلا ذنب ! لسنوات طويلة حاولت حل لغز التعنيس، كيف لم تتزوج هي و صديقاتها ؟ بل لمَ ينتشر التعنيس بين الشبان و الشابات ؟! فرغم كونها و صديقاتها جامعيات و من أسر محافظة، و لم يخرجن عن العقلية المتعارف عليها، لم يدخلن قفص الزواج .

لكنها حين بدأت تفكر بالأرقام فهمت أن الفقر هو السبب، فالراتب بعد عشرين سنة من الوظيفة يقل عن مئة دولار ! صار الزواج معجزة. فالظروف المادية خانقة، كانت العلاقة بين العوانس الست ملتبسة للغاية، إذ تتجمع فيها الأضداد، حب و كره، حقد و شفقة، غيرة وتعاطف، كانت كل منهن تشعر أن حزنها بالتفاعل مع حزن صديقاتها يحمل شيئاً من الفرح، كانت كل منهن تحس حين تنظر في عيون صديقاتها بذلك الأسى الخاوي الذي يجلل الروح، وكنّ يعرفن – دون أن تبوح الواحدة لزميلاتها – طعم ذلك الدمع الداخلي الذي يذرفنه على مصيرهن المفقود و على الأمومة الجريحة. كانت كل منهن تكره صديقاتها لأنهن يجسدن لها فشلها، و حرمانها العاطفي و الجنسي و قهرها المادي، كلهن يشتركن في صفة هي الإكثار من مواد التجميل. إنها تعرف الآن و هي تتأمل البحر اللامتناهي بكبرياء زرقته أن الإكثار من استعمال مواد التجميل اعتراف صريح بالهزيمة، هزيمتها تجاه الشباب، الشفاه المرسومة بدقة بقلم تحديد الشفاه، و أحمر الشفاه الكثيف الدهني دليل جوع دفين للقبلة، كانت شلة العوانس تشعر بحقد أعمى تجاه المتزوجات، و كان منظر امرأة حامل يكفي لبلبلتهن ساعات، و كل منهن تعمد في لحظات الألم الحرجة إلى وضع وسادة تحت ثيابهن و التفرج على أنفسهن في المرآة كما لو كنّ حوامل ! و أكثر ما كان يسعدهن أخبار الطلاق و الخيانات الزوجية و انجاب أطفال معوقين.

 

قاومن بشراسة إغواء الرجل حتى الخامسة و الثلاثين، بعد هذا الصبر المديد طوحن بعذريتهن كيفما اتفق، دون أن تعترف أي منهن لصديقاتها أنها خاضت تجربة الجسد        و حصدت المرارة، و طعم الخواء و الرماد.

تنبهت أن النادل يقف بجانبها يتفقد جمرات الأركيلة، نفّض عنها الرماد، و غير جمرة واحدة فقط، فكرت أن روحها مثل الجمرة تماماً ملتهبة من الداخل، و من الخارج رماد.

فجأة احتشدت بذهنها جمهرة من الذكريات و خنقتها، حاولت طردها لكن عبثاً، و رغم تلذذها بالأركيلة و متعتها بتأمل البحر، فإنها أحست بفوران غضبها العميق، لدرجة أوشكت على التلعثم من شدة الغضب، ارتعشت و هي تسحب الدخان فهزتها نوبة سعال قوية، أطبق على البحر شئ مأساوي فلم يعد مريحاً لنظرها، مرت أمام ناظريها وجوه الناس الذين اختارهم لها القدر أهلاً و أصحاباً، ياه ! إنهم يميتونني موتاً محفوفاً بأطيب النوايا.

أجل هذه هي الحقيقة، كررت تلك الجملة مفتتنة ببلاغتها و عمقها، عجزت عن لملمة مشاعر غضبها فانفجرت بالبكاء، تلقفت دموعها بمنديل ورقي، ثم اضطرت لرفع نظارتها الشمسية لمسح دموعها السخية، كانت تعترف أن حبها له خطأ، لكنه لم يذهب هباء، لقد جعلها تغمس يدها في لحم هذا الكون، حررها من سجن عذريتها اللاإنساني و هي في الثالثة و الأربعين، كانت تعرف أن علاقتها به تعويض عن الموات في حياتها، لكن هذا الوهم أو التعويض كانا ينقذان حياتها المعنوية من الانهيار التام، إنها تذكر يوم التقته كيف بدأ وجيب حار لا سبيل لوصفه يهدر في دمها، و كيف هاجت مشاعرها في جيشان غير محدد، لعلها أرادت أن تقحم نفسها في هذه المشاعر، أرادت أن تتذوق الرجل، و هي تتفرج على القطار كيف فاتها، كانت تعترف لنفسها مراراً أنه من الجريمة أن تموت المرأة عذراء، و تبحلق في الواقع بنظرات حاقدة متألمة كأنها تصرخ به : إذا لم تتزوج المرأة فهل تموت عذراء ؟!

و في ظل القهر الاقتصادي و انعدام الزواج، هل تُفرض العفة القسرية على مئات الألوف من الشباب ؟!! تساءلت لماذا لا تتشكل لجنة من علماء النفس و المسؤولين رفيعي المستوى لمناقشة أزمات الحرمان العاطفي و الجنسي عند الشباب ؟ الشباب الذي لا مستقبل له لأنه مشلول، لأنه لا يملك المال في حدوده الدنيا  لتحقيق أبسط حلم، يا لخشونة الحاضر

 

ووحشيته! عجبت من قدرة البشر على الصبر، كانت تدرك عبث مشاعرها معه، و لم تتساءل إلى أين يمضي بها هذا الشعور الأعنف من الحب، و الذي يشبهه لو لم يكن تعويضاً عن جوع و حرمان سنوات، كان بائساً في زواجه، يرزح تحت أعباء مادية قاسية، و في رقبته رسن يربطه بخمسة أفواه، كان في عمرها، رجل وسيم صقلته المعاناة، لم يعدها يوماً بالزواج، و إذا كان اليأس و الرغبة بالتخلص من سجن العذرية قد قاداها في البداية للقائه في شقة يملكها صاحبه، فإن الحب شن عليها زوبعة لا تقاوم بعد اللقاءات الأولى، كانت تهمس لنفسها مبهورة باكتشافاتها المتأخرة : أهذا هو الرجل، إنه رائع حقاً.

بدت لها سنوات عمرها كسراب، صارت تمارس بوحشية رياضة شد الصدر، و باعت خاتمي الذهب لتشتري أفضل أنواع كريمات العناية بالبشرة و المقاومة للتجاعيد، ثم لم تبالِ بآلام كتفيها من مبالغتها في رياضة شدّ الصدر، تمنت لو عرفَ نهديها و هي في العشرين، و ليس و هي على أعتاب الثالثة و الأربعين. بدا لها الحرمان العاطفي و الجنسي جريمة تعادل جريمة القتل، بل تفوقها وحشية لأنها تتم تحت حماية قوانين، و رعاية عقلية متوارثة جيلاً بعد جيل، لم تعد تذكر أين قرأت أن قمع الغرائز الجنسية يجعل الإنسان ينحرف، هل قرأت تلك الفكرة في كتاب لويلهن رايش ؟ لا تذكر تماماً، ربما فائدة الحرمان كونه جعلها فأرة كتب، تقرأ، و تقرأ، لكنها قراءة اضطرارية بسبب غياب الرجل.

كل خططها لإنقاص وزنها كانت تفشل، ما عدا الحب الذي خلق في نفسها شهية الجمال     و المتعة، لم يفهم أحد ممن حولها سرّ تفجر جمال العانس، و تألق عينيها، صدرها الذي استعاد كرامته و شمخ إلى أعلى، لم يكن يهمها أن تعرف إلى أي حدٍ يحبها، بل كانت تخشى أن تحرجه بالأسئلة لتكتشف  أنه لا يحبها، بل يستعملها كمسكن في جحيم ظروفه، كانت المتطلبات المادية لأسرته تذلّه، وجدت نفسها معنية بأولاده تشتري لهم الهدايا، غضت النظر كونه لم يقدم لها هدية واحدة، كانت تحتاج إلى أن تبرر له كي تستمر في لعبة الحب، إنها تُعمي نفسها عامدة عن سماع صوت العقل لتنصت لوجيب قلبها، عليها أن تعيش السعادة الأخيرة و تتذوقها بنهم قبل أن تسقط في هوة الشيخوخة، كم تحتاج أن تحس بسخونة اللحم   و ارتعاشته، و تنصت لهدير النشوة في الدم. لا تنسى نظرة الدهشة في عينيه حين اكتشف أنها عذراء، سمعت صوته دون أن ينطق كلمة واحدة :

 

و الله أنت بطلة، كيف حافظت على عذريتك حتى الثالثة و الأربعين ؟ تمنت لو تقول له إنها حافظت عليها لأجله، و إنها سعيدة كونها أهدت إليه عذريتها، لكن رائحة الكذب كانت ستفوح قوية لو قالت هذا الكلام. أسعدها أن علاقتها معه خلصتها من شعورها بالضآلة، ليس مثل الحب و ذلك العزف الحميم الذي يقوم به جسد عاشق قادراً على جعل الإنسان يحس بكرامة جسده و روحه، كانا عارفين أن كلاًّ منهما هروب الآخر، وواحته الخضراء في صحراء الواقع القاسية. كان كل شئ يمكن أن يستمر حيوياً، مشبعاً بالنشوة لو لم تلاحظ أنها غدت لا تطيق طعم القهوة، و تنام بعمق شديد، و تستيقظ و حالة من الغثيان تعصف بأحشائها، هوى قلبها فَزَعاً و هي تدرك أنها حامل، أكد لها الفحص بالشريط الكاشف للحمل مخاوفها، ثمة ملاحظة على علبة الشريط : خط واحد لا حمل، خطان يعني الحمل. غمست بيد مرتجفة الشريط بعينة من بولها، ظهر خط واحد، تعلق به قلبها، لكن سرعان ما ارتسم الخط الثاني قربه، انصهر قلبها بين الخطين الحمراوين، الأحمر علامة الخطر دوماً،  ترددت أن تصارحه أنها حامل، تخيلت غضبه و دفعه لها بقسوة للتخلص من تلك الورطة، إنها تعرف أنه لم يفكر بها أبداً كزوجة، تذكرت أنه نادراً ما يقول لها أحبك، يقولها خجلاً في لحظات وصالهما الحميم، لكن لتعترف أنه لم يكذب عليها، فهي التي أرادت أن تقتحم عالم الرجل قبل أن يفوت الأوان.

خافت أن تحب هذه الحياة النابضة في أحشائها، خافت أن تطوّح بالميراث الضخم الذي ورثته عن أهلها جيلاً بعد جيل، حول مفاهيم الشرف و العفة، تخيلت نظراتهم ترجمها : يا آثمة، أين نضجك و فهمك، أتفرطين بشرفك و تحملين بابن الزنى ! لكنها رغم حملها الآثم كانت سعيدة. إنها ليست الأرض البور، رحمها الذي يسفح دماً كل شهر متألماً من حرمانه من الأمومة، حقق ذاته و حمل أخيراً، برافو حملتِ، هذا ما تقوله لنفسها عذراء الثالثة و الأربعين، ياه ! ما أروع أن تنجب طفلاً، لِمَ لا تستطيع الاحتفاظ به ؟ لو كانت في أوروبا لأنجبته مرفوعة الرأس، هناك المرأة يحق لها أن تختار الرجل أو الطفل، تظل محترمة في الحالتين، تأملت الفراغ حولها بنظرات منكسرة كأنها ترجوهم

 

أن يسمحوا لها بالاحتفاظ بالطفل، سيكون سعادتي و سندي ما تبقى لي من عمر، سيكون الصغير دنياها و هدفها، كانت تشعر أن هذه الروح الخافقة في أحشائها تجعل كل شئ من روحها ممتلئاً بالتوتر الحساس، مشعاً، و مضيئاً.

أخبرته أخيراً أنها حامل، اكفهر وجهه و قال و هو ينظر إليها باشمئزاز : مصيبة. لم يعلّق بكلمة أخرى. فكرت أن قمة سعادتها يعتبره قمة تعاسته، لم تجرؤ أمام تجهمه أن تقترح لو يتزوجها ثم يطلقها بعد شهر. قال لها بعد فترة صمت ثقيلة : عجيب أن تحملي في هذه السن. تلقى قلبها الطعنة و هو أعزل تماماً، أردفَ : يجب أن تتخلصي من هذه المصيبة بسرعة.

طوّقت عنقه بقوة، كالضحية تستنجد بجلادها في لحظة موتها الأخيرة، قالت : معك حق، لكن تصور لو كان لنا طفل، ترى من سيشبه ؟ أبعدها عنه بفظاظة و قال : سيكون مشوهاً على الأغلب، لأن حمل المرأة بعد الأربعين خطأ.

انخفض صوتها حتى انكسر و هي تحدث طبيب الأمراض النسائية، و حين قالت له إنها تريد إجهاض نفسها، توقفت دقات قلبها، كأن قلبها تعثر بشيء في ظلام روحها، فكرت أن حياتها حتى لحظة لقائها بالرجل كان يمكن التنبؤ بها، إنها تحفظ تفاصيل يومها سلفاً أمام الرجل، فلا يمكن التنبؤ بشيء، ليتها لم تعرفه، أسعدها أن الطبيب يتعامل معها برقة و احترام، أحبت أن تشكره على احترامه لها و تبكي أمامه ظلم و لا إنسانية الأخلاق هنا، رجته أن يتم الإجهاض في عيادته، لأنها تخشى من الفضيحة في المشفى، رجته أن يتم  حالاً لأنها تخشى أن تفقد قدرتها على الانتظار، و تخشى أن تموت كمداً أو تقتل نفسها.

لم تشأ أن يكون بجانبها، فهو لم يعد يخصّها، لم يسألها كيف ستتدبر أمرها، لم يسأل إن كان يلزمها المال.

استنجد الطبيب بممرضته، أغلقا باب العيادة، زرقتها الممرضة بإبرة في وريدها، أحست أنها تغيب عمّا حولها. ضاق نفَسها، تمنت لو تموت، امتدت يدها الحرة من إبرة السيروم لتفك حمّالة نهديها، هذا آخر ما وعته، لكنها ظلت تشعر شعوراً ضبابياً أن هناك آلهة

 

تنتهكها، فتئن و تقول للدكتور : ألم تنته، فيرد : أرجوك ساعديني، رحمك قاسي.

تعرف ما يود قوله بسبب العمر، أكان مقدراً لها أن تخسر الرجل و الطفل في أوروبا ؟

أرجوك يا دكتور ألم ننته ؟

-  لكن عليك أن تساعديني، كفي عن التشنج.

- آه، ما باليد حيلة، صدقني، لا أعرف ماذا أشعر.

قال لها أخيراً : الآن يمكن أن أقول إننا انتهينا.

سألت بصوت مُنهك : كيف ؟

- لأن الرحم أطلق صرخة، هناك مصطلح نسميه الصرخة الرحمية، يطلقها الرحم حين يتخلص من حمله.

ندت عن روحها صرخة خرساء تعود لمئات السنين، صرخة ملتاعة أحستها تنطلق من حنجرة كل النساء.

مشت وحيدة شبه مترنحة. وصلت البيت تجرجر ذيول خيبتها، كانت الأسرة متحلقة حول المسلسل اليومي، لم يلحظ أحد شحوبها، لأن أياً منهم لم يلتفت إليها، تكومت في مقعدها، لاحت منها التفاته إلى أختها التي بكت فجأة تأثراً على بطل المسلسل الذي فقد ذاكرته و لم يتعرف إلى أولاده.

تظاهرت أنها تبتلع بضع لقمات عشائها، لكن فمها ظل مطبقاً على مرارة معاناتها، و قبل أن تستسلم لغيبوبة النوم سمعت صراخاً بعيداً حزيناً كلّه شجن، رددت أذناها كلمة جديدة أضافتها إلى قاموس كلمات القهر : صرخة رحمية.

*كاتبة وطبيبة عيون سورية ، اللاذقية

nada-b@scs-net.org