تلك
ضرورة .
أن أتجه إلى هناك بأقصى سرعة . فأطوي المسافات ، وأبحث عنه في الثكنات البعيدة
التي أخذته ، وطوحته بعيدا عن الدار ، والعصافير ، وأسماك الزينة ، وكلاب السكك
المبتردة التي كان يحنو عليها بشكل لم أر أحدا يفعله غيره.
قالت لي أمه : جاءني
صوته منكسرا وحزينا .
انتفضت قلقا ، وزاد توجسي كلما أوغل الوقت في ريبته
.سمعتها
تبكي في حجرتها . رأيت أن أزوره على صعوبة ذلك . لم أفعلها غير مرة واحدة
كنت أمر فيها بالقرب من الثكنات ، وانتظرت ساعتين حتى كادت روحي تزهق من الملل
.
جاءني يومها فرحا وبشوشا ومد يده ، وتحسس كيس الأطعمة والفواكه . غمز لي بعينيه
:
أما أنت أحلى أب .
صحت فيه وأنا أتأمله مرحا بزيارتي المفاجئة له ، ومعي صديقي
الكاتب : سبحان الله . جندي يحمي الوطن صحيح.
ضحك ساخرا: أحمي الوطن بقطعة خشب
لا ذخيرة فيها.
مرت المزحة على خير، وأحضر لنا زجاجتين من المياه الغازية. جلسنا
معه يومها لنصف ساعة ثم انصرفنا على الفور في خفاء . المكان بعيد ، وتحوطه
الأسوار
من كل جانب ، أما المحاذير فأصعب من أن نتخطاها بسهولة.
قطار التاسعة الذي ركبته
نغص علي ّ البقية الباقية من صفو ذهني ؛ فزحامه مروع ، والأجساد تتصارع كي تحصل
على
رقعة للوقوف فما بالك بالجلوس
.
قالت لي وهي تصر لي بعض الأطعمة المطهية منذ
دقائق في ربطة محكمة : كان صوته مشروخا من النحيب
.
ـ هل أخبرك بشيء ؟
ـ لا .
ـ فلماذا أذهب ؟
ـ أنا أدري بابني .
ـ كيف؟
ـ إنه يتكتم كربه في
صدره.
هل لي أن أتوجه إلى القائد فأخبره أن لي حقا على " الكاكي "حين خدمت على
الجبهة لسنوات ، ودونت كل ذلك في أوراقي
.
الطريق ملتو ، وأشجار الكافور مصفوفة
في المنحدرات . كان يجب عليّ أن أتخطى مزلقان السكة الحديد. شعرت أن القطار
دهمني ،
وطسني طسا فتوجعت ، وكان الباب سيارة الميكروباس قد انزلق وسقطت بعد أن خدر
الكسل
جسدي فرحت أتوجع. السيارة التي ركبتها من محطة القطار حتى الثكنات كانت مفاصلها
تطقطق ، وركابها محشورون حشرا كقطعة لحم واحدة . كوب ماء في يد شاب ملتح راح
يقرأ "
يس " ، وبرشامة صداع ، مع بعض الماء المزهرالمرشوش على الوجه.
وصلت بعد أن عدلت
من هيئتي . عساكر في نفس السن الغض أشاروا لي أن أبقى قليلا في الظل ريثما يمر
الضابط في نوبته الروتينية .
على الحشائش الخضراء جاءت جلستي ، وخط الجير الأبيض
يحدد بوضوح المنطقة المحذورة.
وجدته يتلفت ، وبيده قفص صغير من الخيزران ، كان
يحركه مسرورا . يميل بجسده الصغير ، وهو يضع الحب في قبضة يده الصغيرة ليطعم
عصافيره الملونة : إحذر أن تنقر أصابعك.
ـ لا تخف يا أبت.
ـ هل ميزت الذكر من
الأنثى؟
ـ طبعا ، وسأريك.
أدخل يده مترددا فانكمش طائر ، ودخل العش الخشبي في
سقف القفص فيما بقى الطائر الآخر يقرب منقاره الصغير المسحوب من اليد في رهبة
ينقرها نقرة إثر نقرة ، ويصدر صوتا أقرب للشقشقة الخجولة.
اقتربت من كشك الشرطة
وسألت : هل أخبرتموه أني هنا ؟
ـ نعم. سيأتي .
ـ لقد تأخر .
ـ عليك
بالصبر قليلا.
ـ أنا صابر.
ـ اختف هناك لو سمحت . وجودك يسبب لنا
المشاكل.
في تلك اللحظة وجدته أمامي ، وقد طال شبرين. تراجع عندما رآني ، وتلجلج
في الكلام : أنا نجحت.
ـ مبروك . هديتك ستكون أول الشهر.
ـ لا أريد هدية يا
أبي.
ـ لكنني وعدتك.
ـ اسمح لي أن أربي الكلب .
ـ ستغضب أمك فهو سينجس
لها المطرح.
ـ سأغسله بالماء والصابون كل صباح.
ـ لن ترضى ، ستنقض
وضوءها.
ـ لكنني أريد أن يكون معي .
سمح بفسحة صغيرة وسع بها المكان وأراني
إياه. كان كلبا بلديا رخيصا لكنه في غاية المرح . يتمسح في بنطلونه ، ويهز ذيله
في
حبور .
ـ لا داعي للمشاكل .
ـ والله لن أحدث أية مشكلة .
ـ أبعد عن الشر
وغني له.
ـ أي شر . الكلاب تجلب الخير.
ـ يمكنك أن تشتري مسدسا بطلقات ،
وتلعب " عسكر وحرامية" .
ـ لم أعد طفلا.
ـ قلت لك أن الكلب نجس .
ـ لكنني
لست أمرأة لأربي قططا .
ـ لا قطط ولا كلاب.
جاءت أمه في تلك اللحظة ، وحالما
وقع نظرها على الكلب صرخت ، وأقسمت ألا يدخل البيت أبدا. هي أو هو . وقد انتصرت
على
الكلب فقد كانت هي الأهم . رأيته يبكي ويخفي دموعه بظاهر يده قبل أن يعطينا
ظهره .
مرت سيارة التعيين فاختفى الصغير وأمه ، ومرّ كلب هرم لا يشبه الكلب الذي كان
الولد قد ربطه بحزام جلدي في عنقه مع شريط من الستان الأحمر منذ سنوات . سمعت
لغطا
وأصوات ترتفع كي يسرع العساكر بحمل "أروانات" التعيين لتدخل المعسكر بسرعة .
مرت
سحابة داكنة فأظلت المشهد ، وتفصد العرق على جبهتي ، وأنا أحرك مسبحتي الكهرمان
في
جلستي القرفصاء ، والعشب يتحرك بنسيم الشمال الذي يسري بنظام عجيب
.
وضع يديه
الصغيرتين على وجهي ، وهمس بصوت خاله غليظا: من أنا ؟
ـ أنت الديك؟
ـ وما لون
ريشي ؟
ـ أحمر على أسود.
ـ هل أبيض أم ألد؟
ـ لا هذا ولا ذاك . الدجاجة
هي التي تبيض .
ـ وما كلمة السر؟
ـ الديك الفصيح يطلع من البيضة
يصيح.
رفع كفيه ، وقال لي في خيبة أمل مصطنعة : عليك واحد . لكنك
كشفتني.
وخلفه وجدت صندوق صغير وبداخله مجموعة من البلي الزجاجي الملون . طلب
مني أن يلعب معي " في العش ولاّ في الطار " . غلبته مرة ، وغلبني مرتين ، دققت
في
ملامحح وجهه كانت سمرة خفيفة تميزه ، رأيت أنه قد قصر ثلاثة أشبار ؛ لأنني
حينما
حملته لأدور به في البلكونة مثلما كنت أفعل كلما عدت من العمل وجدته قد خف ،
وخف
حتى أنني شعرت أنه صار في خفة الريشة ، وحينما أدوخ وتدور بي الدنيا أجده ينزل
بهدوء ، و يضع صدره اللاهث على الكنبة الخضراء بمنمنماتها البنية ، وهو يشهق :
أنت
سكرت.
سألته وأنا اقرب وجهي من عينيه البنيتين : من أخبرك بمسألة السكر يا
ولد؟
ـ أنت.
ـ متى؟
ـ يوم ذهبنا للصيد قلت لي أن اصطياد كل هذا البلطي
أسكرك . ورأيتك تتطوح؟
ـ أنا يا ابن الذين...
حملت الصرة من جديد وحاذيت
السور ، وذهبت إلى البوابة الخلفية ، فصدمت لأن الجنزير الحديدي كان يغلقها
بإحكام
شديد . عدت شاعرا بالضياع ، ومالبث أن غمرتني نوبة من الضيق
.
قربت وجهي من
شبكة الحديد بفتحتها المدورة : أهو بخير؟
ـ نعم.
ـ لماذا تأخر؟
ـ سيأتيك
حالا بعد أن نجهز الأمر.
ـ ما الذي تجهزونه ؟
ـ لا شيء .
قبل أن أحتج
وأضرب بقبضتي الباب المغلق ، وضعت يدي على شعره الناعم ، ولاحظت انه مبتل .
ملابسه
كانت هي الأخرى تقطر الماء .
قسوت عليه وأنا أهدده بالكلام : سأضربك لو كذبت علي
ّ.
ـ لن أكذب.
ـ هل نزلت النيل؟
ـ نعم.
ـ لماذا عصيت أوامري؟
ـ كنت
أريد أن أعرف كيف تسبح الأسماك.
ـ بالزعانف والذيل .
ـ عرفت ذلك لأنني صرت
في النهر سمكة !
ـ وماذا لو غرقت ؟
ـ كان معنا طوق مطاط.
ـ إذن هو شيء
مدبر.
ـ أبدا.
ـ من كان معك من الأولاد. سأخرب بيوتهم
.
ـ لا
أعرفهم.
كنت أدرك أنه يتستر عليهم ، ويحميهم بصمته . خلصتنه أمه من ضرباتي
الطائشة . فز الولد من مكانه عندما لوّحت له أن يذهب ليغير ملابسه ، وأقسمت
برحمة
أبي أن أحرمه من المصروف شهرا.
ربما سمعني لأنه ابتعد عني ، واستعصم بالصمت وهو
يجذف بيدين قويتين مبتعدا عن الشاطيء ، صحت فيه أن يعود ، لكنه طلب مني أن
انتظر
لدقائق ، وابتعد حتى لم أعد أرى القارب . بعد أن غفوت من التعب وجدته عائدا
ويده
تلوح لي والأخرى تحمل جرة من الفخار . كان ريقي جافا فتجرعت الماء السلسبيل .
هبط
من القارب ، ثم ربطه في حبل قصير مجدول بشجرة سدر ، وهزني : أفق.
أفقت فعلا فإذا
السور بنفس امتداده البعيد البعيد ، وصفوف من العساكر تدخل ، ويغلق الباب من
جديد.
أنّت المفاصل وسمعت من ينادي باسمه . فتح الباب المواجه لجلستي بشكل موارب،
وسمحوا
لي بالدخول.
ـ ابني .
كان حليق الشعر .
ـ ماذا بك؟
صمته يؤرقني ، وفي
عينيه دموع حبستها كرامة لشاب يقترب من حدود الرجولة.
ـ هل آذوك يابني؟
لمحت
خيطا لا يكاد يرى من الأسى يتسلل إلى الوجنتين.
ـ لماذا جئت ؟
ـ لأراك؟
ـ
حضورك أتعسني .
ـ لم أقصد .
ـ تحملت الألم وحدي .
ـ والآن ..
ـ أفسدت
كل شيء .
ـ لماذا تعاتبني ؟ ماذا حدث ؟ هل فعلوها معك؟
ـ نعم يا أبي . دخلت
السجن .
ـ وضح لي . ماذا فعلت ؟
ـ كنت في الخدمة ، وكاد زميلي يقع من طوله
لأنه صائم طول اليوم.
ـ ثم؟
ـ تركت مكاني للحظات كي حضر له زمزمية ماء.
ـ
ولماذا لم يذهب هو؟
ـ الواجب كان يقتضي أن أفعل أنا.
ـ لماذا؟
ـ كان يغمغم
كالشارد أنه عطشان . وقد ذهبت دون أن أفكر في العواقب .ثم أن الجميع يفعلها
.
أكملت : وجاء الضابط ، وأحالك " مكتبا " إلى القائد.
ـ نعم.
ـ والباقي
معلوم.
ـ لكنني ورحمة جدي لم أفعل ما يستوجب العار.
ـ أعرف . لكنك أخطات. لا
يترك جندي مكان خفرته.
ـ آه . قوانين الضبط والربط.
ـ بدون ذلك لا ينتظم
الأمر .
ـ أكنت أتركه يسقط من الإعياء؟
ـ وماذا حدث لك هناك؟
ـ لا شيء .
ـ بل حدث .
ـ قيدوا يديّ ، وصفدوا أقدامي بالأغلال لأسبوع كامل؟!
ـ
أسبوع. كان يكفي خدمتان زيادة
.
ـ نعم . لم أذق النوم يا أبي أسبوعا.
تأملت
وجهه الهضيم ، والتفت إلى العساكر الذين أخلوا لنا الحجرة الملاصقة للبوابة .
كانوا
يتحدثون في همهمة غاضبة ، وقلوبهم مع زميلهم . أبني . قال لي واحد من العساكر
وهو
يعدل الكاب: ابنك جدع .
وجاء صوت لشاب نحيل في نفس سمرته : طيب وخدوم
.
أحضر
ثالث كرسي وربت على كتفي : نحن نحبه جدا
.
تحركت أصابعه على الأورج ، وتصاعدت
النغمات فملأت المكان " حمامة بيضا .. ومنين أجيبها " . كنت أشجعه بهزات من
رأسي ،
وكانت أمي تقف بالصينية على الباب متسمرة ، وهي توّقع دقات متتالية بمشط قدمها
الأيسر. غنى بصوت ملائكي " طارت يا نينة . عند صاحبها " . صدمتني النظرات
المصوبة
نحوي من ثلاثتهم . انصرفوا وتركوني معه ثانية . صرنا بمفردنا
.
قلت لأنهي
الحديث المليء بالمرارة : هي تجربة.
ـ لم تعد الحياة مقبولة.
ـ كلنا تعرضنا
لأكثر من هذا.
ـ أنا لم أتعود.
غمرني السكون ، ورسفت في كثبان رملية هائلة
أوشكت أن تبتلعني فصرخت في الصحراء اللانهائية : أريد جرعة ماء
.
سألني ، وأنا
أمد يدي بالصرة : ماهذا؟
ـ طعام جهزته أمك؟
ـ لا أريده .
ـ لو أرجعته
ستقلق.
ـ ضعه هنا.
ـ حاضر.
ـ من فضلك لا تخبرها بما حدث لي.
ـ لا ,
لن أخبرها.
ـ قل لها أنني بخير.
ـ سأقول .
ـ وقفص العصافير الذي كنت أخبئه
فوق السطوح.
ـ أعرفه . ماله ؟
ـ من فضلك تخلص منه.
ـ لكن.
ـ ولي عندك
طلب بسيط يا أبي.
ـ تفضل.
ـ فتش لي عن عقد عمل عندما أنهي خدمتي.
ـ لكنني
لا أريد لك أن تسافر.
ـ سأبحث أنا.
كانت ضمته حنونة ، وموجعة . في كل مرة
كان يغادر البيت كنت أكتفي أن أسلم عليه بحرارة. مع الضمة الرحيمة شعرت بروحه
المتعبة تنهنه .تحاشيت أن يقع بصري عليه . تسرسب صوته مختنقا : مع السلامة.
صوبت
نظري إلى الرمل الأخرس . تأهبت للإنصراف ، ولم أنظر خلفي ، فيما كان العساكر
يفكون
الجنازير كي أعود للطريق الذي أتيت منه.
تعقيب
أخي الكريم الأستاذ
سمير منذ زمن طويل لم أقرأ لك فيا مرحبا بعودتك
.
القصة اعتمدت أسلوب التداعي
بين حاضر و ماضي بسلاسة و يسر ، و عبرت بحِرَفية عن علاقة حميمة بين ابن و أبيه
.
انتقال المجند من عالم الطفولة إلى الرجولة المبكرة ، كان انتقالا مفاجئا غير
أسلوب حياته ،أما صدمة السجن فقد جعلته يدرك
مرارة الأسر
:
"
وقفص العصافير الذي كنت أخبئه فوق السطوح ، من فضلك تخلص منه
"
لقداستمتعت
حقابقراءة
( صديق العصافير
(
سلمت أناملك و دمت
مبدعا
نزار