قصة قصيرة : سعاد بني أخي

كنت
صغيرة جدا و كان عالمي بحجم رأسي، ولم يكن برأسي الكثير مما بالرؤوس،
ولا كان يجول بالرؤوس ما كان برأسي يجول . كانت أمي دائما تقول: لا
يُعرف ما يجول برأس، ولا تُعرف قِبلة ذي رجلين". .
كنت أخاف أن أكون في نظرها ممن يصدق عليهم القول، فتخافَ أن لي رأسا و
رجلين. كدت أعتذر لأمي على أن لي رأسا ورجلين. وحتى لا تخاف، كنت أفعل
ما يطمئنها ما استطعت : لم يكن لي أصدقاء ولا صديقات، فحتى والدي كان
شديد الصرامة بشأن خروجي إلى غير المدرسة.. بل كانت لي صديقة: صديقتي
كانت حصاة.
لم يكن لصديقتي رأس ولا قدمان، فكنت لها الرأس وكنت القدمين. و لما لم
تكن تتكلم، فقد كنت أيضا من يتكلف بمسألة الكلام.
في البيت، كنا نلعب معا. كانت رائعة في تقمص كل الأدوار التي يكون
عليها أداؤها: الأم الجميلة التي تنصت أكثر مما تتكلم، الأخت التي لم
أكن أجد ما يفترض أن تقول، إذ لا أخت لي، التلميذة المجتهدة التي
تستظهر الدرس بصوت عال كان يسمعه الجيران، المعلمة التي تنظر بإعجاب
إلى دفاتري ونقطي و تعدد خصالي.. أما دور التلميذة الكسول، فما كنت
أحبه، ولا كنت أجرؤ على إسناده إلى صديقتي.. كان كونها حجرا سببا آخر
لكي لا أجرؤ الإجحاف بها.. لم أكن أحب المعلمة حين كانت تنعت البلداء
ب"الأحجار". لم أفارق حصاتي يوما منذ قلت لنفسي: " يوم تضيع مني حصاتي
سيموت أبي"
كل صباح وكل مساء، كنت أقود حصاتي بقدمي حتى المدرسة، و أعود أقذفها
إيابا إلى البيت. وفي الطريق، لطالما كانت تقودني تحت العربات و حوافر
الخيل و تحت السيارات لأسترجعها.
مرات، كانت تتدحرج مني فتسقط في المستنقعات، حيث كنت أضطر لإدخال ذراعي
حتى الكتف لأستردها. . مرة، وقعَت مني في صهريج مسجد كنت أمر لأشرب من
حوضه، فاضطررت للدخول وسط الصهريج الذي يتوضأ المصلون بمائه. وما إن
رآني أحدهم، حتى تعقبني بالجري صائحا بالسباب و الخزي.. كاد الرجل يمسك
بي، فأنا لم أتحرك للهرب إلا و صديقتي معي. تعب الجميع بالبيت من
معاقبتي على الحال التي أكون عليها كلما عدت من المدرسة، و ما كان
ممكنا لأحد أن يغيرني، فالأمر كان يتعلق بحياة أبي.
كان يوم نحس يوم ضبطت المعلمة قارورة كوكاكولا في محفظة تلميذ، فقد بدا
لها أن تعطي بمحفظتي المثال لما يجب أن تكون عليه محفظة التلميذ
النجيب. شرعت المعلمة في إخراج أدواتي المدرسية واحدة واحدة ممتدحة
تقول: "هكذا تكون محفظة التلميذ الجيد: دفاتر العربية في جيب، دفاتر
الفرنسية في آخر، وفي آخر المقلمة و الطباشير ولا أكل ولا ..". سكتت
المعلمة حتى مت رعبا. لم تخرج المعلمة الحصاة ، لكنها أدخلت عينيها في
الجيب الرابع تتأكد مما أحسته بيدها داخل محفظتي. لم تخطئ المعلمة:
محفظة التلميذة المجتهدة بها حَجر! تمنيت لو كان ما حصل حلما من النوع
الذي أطمئن صباحا بكونه لم يعْدُ حلما. لم تقل المعلمة شيئا، ربما حتى
لا يكون عليها إيجاد مثال آخر. أعادت المعلمة أدواتي إلى محفظتي ولم
تنبس بشيء.
في اليوم الموالي، وجدتُ لحصاتي مأوىً بحفرة في جدار المدرسة، إلا أنني
بعدها لم أعد أستطيع الانتباه إلى الدرس، فنصف رأسي كان يبقى مع حصاتي
إلى أن يدق الجرس. ليس عمليا تماما ألا يكون ممكنا أن نترك إحدى عينينا
تحرس ما نخاف عليه.. فلِم لنا عينان إذن ! كانت المعلمة تعرض علي أخذي
في طريقها عند الخروج من المدرسة، فقد كانت صديقة لأبي، لكنني لم أكن
أجرؤ أن أطلب منها الانتظار ريثما أحضر حصاتي، ولا كنت أستطيع الرفض
دون تفسير سبب الرفض، فكنت أبكي فقط، و كانت تدعني و تنصرف . كان
يخيفني أن تعتقد أني كنت أخاف من أن تسرقني، فسرقة الأطفال كانت
ولاتزال شيئا مألوفا بمراكش. هيأت ما كنت سأقول لها لو سألتني، و لم
تسألني. كنت سأقول لها إن الحصاة عزيزة علي، و إني أخاف فقدانها، ربما
تتفهم و تكون أمينة على أبي لو كانت تحبه مثلي، وربما تنهرني و تنزع
صديقتي مني..، تمنيت، إذا فعلَت، أن ترمي بها قريبا وأن تذهب سريعا قبل
أن تتقاذف صديقتي أقدامُ الزحام، ربما يخطر لها أن تحتفظ بها لو فكرَت
أني سوف أسترجعها . ليتها لا تفعل. لن أقول لها كذبة من نوع أن الحصاة
وسيلة دفاع من أطفال يعترضون سبيلي، لم أحب الموقف الذي قد أضع فيه
نفسي ولا بلادة الكذبة أقنعتني.
ليال طويلة لم أعد أحلم بالجن، ولا بالغول، ولا بالنار التي تجتاح
أسلاك الكهرباء مهدِدة بانفجار لا يحدث، فيقع ما يقع، ولا يكف عن
التهديد، ولا بوجه والدي صائحا لشيء يشبه لي حالة طوارئ لا أفهمها، ولا
بالشوكة التي تقترب من عيني و لا تصل ولا تكف عن الاقتراب..
ليال كثيرة أمضيتُها أو أمضَتني أفكر في حصاتي.. لا ينبغي أن يموت
والدي!
و ذات بعد زوال، جاء أبي لأخذي من المدرسة. لم أستطع أن أقول له عن
صديقتي الحصاة، فاضطررت إلى أن أذهب من دونها. كان ذاك آخرَ يوم رأيت
فيه صديقتي، فيومها، كان أبي قد أتى إلى المدرسة لسحب ملفي المدرسي
لأننا كنا سنذهب للسكن بمدينة أخرى. لم أفقد الأمل في العودة للبحث عن
صديقتي، ف"في أسوء الأحوال، لو لم أجد وسيلة للعودة من أجل استعادتها و
أنا صغيرة، سوف أفعل يوم أكبر وأصير حرة مثل الكبار".
لم يبق لي من ألعب معه، و لم أجرؤ إحلال أي شيء محل صديقتي، و كان
الجميع، و هم يرونني ألعب معها باستحضارها في ذهني، يعتقدون أني كنت
أحدث نفسي .
كبرتُ، و مات والدي، و لم أصبح حرة، ولا وجدت وقتا للذهاب للبحث عن
حصاتي.
مات والدي مع أني مذ أضعت حصاتي و أنا حريصة على تذكير جدتي بالدعاء له
كلما كان ذاهبا إلى العمل.
بعد أن مات أبي بسنين، رحت لأبحث عن صديقتي. لم تكن هناك، لقد رمموا
جدار المدرسة، ولو أنه لم يصبح أجمل مما كان. أصبح أصغر بكثير، و تحول
مكانُ الحفرة حيث كان مأوى صديقتي، و صار أقرب إلى الأرض بكثير. أزقة
المدينة العتيقة أيضا صغُرت كثيرا، ولا يزال بها الزحام، والعربات و
حوافر الخيل، لكن، ما كانت تحتها صديقتي... ليتني ما أودعتها الجدار..
مات أبي، و ضاعت مني صديقتي و أشياء أخرى .. أنا ملآنة بالأشياء
الضائعة!

سعاد
بني أخي - تونس
تعقيب
أختي الفاضلة سعاد
حالة غريبة لتعلق غريب
دفعتها إليها تشدد الوالدين
لمجرد أنها أنثى
<< إذا منعوني من الصحبة البشرية
فلم يتمكن أحد من منعي من صحبة حجر >>
ذلك هو لسان حالها
***
صورة رمزية شفافة لما تعانيه الأنثى
و التي ارتبط بها الشرف بوثاق ظالم
***
أختي الكريمة
لقد أجدت بتصوير الحالة
بأسلوب مشوق سلس
سلم يراعك باسقا
نزار