.

الأدب 1/آ

ضيوف "العربي الحر"

 

 

 

 

 

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

*****

مختارات قصصية  

 

 

 

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

 

مرافئ الوجدان

www.mrafee.com

صباح الدم  

قصة قصيرة : مريم خليل الضاني

    أتأملك  يا أبي من وراء  فرجة باب حجرة نومي ، صبيحة ليلة عرسي . أتيتَ مبكرا كعادتك عندما تزور بناتك في مثل هذه المناسبة .

أتيتَ خائر القوى  ، جاف الحلق ، زائغ النظرات . يلوح على وجهك ذلك الانكسار الحاد العميق الذي غدا جزءً من ملامحك ، و تطوّق عنقك أغلال سوداء ثقيلة لا يراها أحد سواي . لم يعد هناك إنسان يهددك بعد أن تزوجت شقيقاتي كلهن غيري يا أبي ، أنا ابنتك التي لم يأتها نصيبها إلا عندما شارفت على الأربعين من العمر .

كانت شقيقاتي يصفن حالتك في صباحيّاتهن ،  وكيف كان أزواجهن يعطونك ملاءة السرير البيضاء الملوثة بالدم وهم يهنئونك قائلين :

بيّض الله وجهك يا عمي !.

 عندئذ تنفرج أساريرك ، وتسترد أنفاسك ، وتحسو حسوات من الماء البارد لتطفئ الحرائق المستعرة في جوفك . لطالما تمنيتُ وأنا أصغي إلى أحاديثهن  تلك أن لا أتزوج أبدا لكيلا أرى وجهك في ذلك الموقف العصيب ، ونمَت تلك الأمنية في نفسي بعد أن تزوجَت ابنة عمي اليتيمة؛ وجهها الشاحب المذعور ووجه الطبيب الذي فحصها مسماران مغروسان في قلبي . كان الطبيب يحاول سدى  أن يمتص غضبك العارم وهويشرح لك حالتها :

 إنها عذراء ، ولكنها من الحالات الشاذة التي لا تنزف .

وعندما هممنا بمغادرة العيادة ألقيت بعبارتك في وجهه:

 هراء ! . الدم هو الدليل الوحيد على عفة الفتاة . الله لا يبتليني ... أنا أبو بنات . الله يستر عليها وعلينا !.

حين سمعتُ عبارتك تلك هوى قلبي في جبّ لا قرار لها وهاجت في نفسي عواصف التوجس:

ماذا لو كنتُ مثلها يا أبي ؟ .

أي أرض ستقلّني وأي سماء ستظلني ؟ .

 أين المفر منك آنذاك ؟ .

ألوذ بسريري ، أتأمل الضوء الشحيح المنبعث من وراء الستائر الداكنة ، و الهواء يعبث بباب حجرتي . تبدو وأنت جالس في زاوية الصالة كالسجناء المحكوم عليهم بالإعدام في لحظاتهم الأخيرة ، حين  يصغون إلى وقع أقدام جلاديهم وهي تدنو منهم.

كنت تختلس النظر إلى باب حجرتي  ومن حين لآخر تنظر إلى الساعة مستبطئا مرور الوقت ، وتطلق زفرة كأنها نفس من أنفاس جهنم .

حدقتُ في عينيك المتقدتين وأبحرتُ في ذهنك الذي تتلاطم فيه أمواج الريبة والخوف ، وقرأتُ أفكارك :

لماذا تأخر زوجها  في الخروج من الحجرة ؟ .

لا بد أن هناك خطبا ما ! .

لا .. لا ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . ابنتي فتاة  شريفة ، أثق بها .  ابنتي الكبرى العاقلة ، أنا ربيتها فأحسنتُ تربيتها ، وأخواتها اللاتي تزوجن قبلها لسن أفضل منها خلقاً وتديناً ، ولكن من يدري ؟ لعل شيئا ما قد حدث لها  عندما كانت طفلة  ! .

ما أشد تلهفك على رؤية وجه زوجي يا أبتِ !.                        

 أجزم أن ضغطك الآن قد حاذى حدوده القصوى . كل شيء فيك يحترق في أتون الانتظار ، يكاد الدم ينبجس من مسامك ، يتفصد العرق من جبينك غزيراً ، تتحد قطراته وتجري في أخاديد وجهك ثم تنزلق باتجاه ذقنك . غدا وجهك قطعة رمادية باهتة بلون شعرك وأنت ترشف رشفة من العصير ، أخالها  تسيل في حلقك كحمم البراكين .

أغمضتُ عينيّ وهربتُ إلى الزقاق القديم  ، أركض فيه طفلة صغيرة تطير ورائي جديلتي وكشاكش فستاني الواسع ،.أدسّ  جسدي النحيل بين أجساد الصبية وهم يلعبون ،  ثم  يهرب أحدنا فننطلق على أثره كأسراب الطيور. كانوا  يختبئون فوق الأسطح الترابية وكنت أختبئ في صندقتي المهجورة التي لا تعرف مكانها يا أبي .

مازال قطار الزمن متوقفاً عند باب حجرتي ،  وأنت منهمك في تجفيف عرقك المتصبب ، بينما يرتدي زوجي ثيابه بتؤدة ثم يخرج ملاءة السرير من سلة الملابس المتسخة . عندما خرج إليك  سحبتُ اللحاف على جسدي المتعرق المرتعش و دفنت رأسي تحت الوسادة  .استسلمت لرحى اللحظة الحاسمة التي تسحقني فأتطاير في الهواء كالغبار  .

تفتحت كل جراحي القديمة ، يتدفق منها الدم  حاراً  لزجا ًغزيراً ، أشم رائحته التي تبعث الخدر في أوصالي وتصيبني بالدوار  . بقع الدم تتناسل حولي وتلطخ الجدران والأثاث والسماء البادية من الفرجة الصغيرة للنافذة. تصطخب  في أغواري رؤىً متداخلة وتطل عليّ برؤوسها كالعناكب :  يوم أن بلغتُ وأصبحتُ امرأة  ، بيتنا الذي يعج بالتفاصيل الأنثوية ، صراخ أمي وهي تضع في المستشفى ، و وجهك المُسوَد وأنت واقف عند باب حجرتها ، ممتطياً صهوة الأماني  ،وسرعان ما تهوي على صخرة الكلمة التي تنطقها الممرضة في حرج :

 بنت ! .

 وضعتُ إصبعيّ في أذنيّ لكيلا أسمع صوتك ،  ولكن قهقهتك دوت  في حجرات البيت كطلقات مدافع العيد .هائجاً كنتَ ،  تصيح تارة وتهذي تارة ، ثم تردد بصوت متحشرج :

  الحمد لله .. الحمد لله  . ألف مبروك ... ألف مبروك.

ناديتني فلم أقو على الرد ولا على الوقوف على قدميّ ، فاقتحمتَ حجرتي ماداً ذراعيك لتحتضنني .

كان وجهك مشرقاً مبتهجاً كشمس الصباح حين قبّلتَ رأسي ووضعتَ في يدي نقوداً ، مردداً بصوت خنقته العبرة :

 بيّض الله وجهك يا ابنتي كما بيّضتِ وجهي !.

تحاملتُ على نفسي ووقفتُ على النافذة أراقبك وأنت تتجه صوب سيارتك بخطىً رشيقة . لم تكن تتكئ على عكازك ، بل كنت تلوّح به في الهواء ، وأنت ترقص وتدور حول نفسك. كان  ظهرك منتصباً على غير عادته ، ورأسك شامخاً كالجبال حين ركبتَ سيارتك وانطلقتَ بها تسابق الرياح.

مريم خليل الضاني - فلسطين

من مجموعتي القصصية ( سرداب التاجوري )[/QUOTE]