مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 شهاب
د. إبراهيم الداقوقي

القصة السورية
 

        كان ضحى ذلك اليوم الاغسطوسي من عام 1944، لاهبا اكثر من الايام الاخرى حيث كانت الشمس زهرة من نار معلقة في السماء الرحبة بزرقتها النقية الصافية وهي تحتضن تلك القصبة التي يحرسها الاولياء ويتجول في ازقتها الحكماء والفلاسفة والمجانين معا ، وتحيط بها قرى الاقطاعيين المتناثرة حولها ، والمتهيئة دوما لافتراس هذه الضحية . في حين تنبسط اراضيها الخصبة على مدى النظر باعشابها الذهبية الصفراء وشفاهها المتشققة عطشا ، تستحم عارية في الفضاء بصمت وجلال ، في وقت بدأت فيه قطعان الماشية تشق ذلك الصمت باجراسها وهي تدلف الى بيوتها لتستسلم للحلب ومن ثم لترتاح في افياء الاشجار هربا من الحر اللاهب ، بينما ارتفع صوت صبي البقّال وهو يكشّ الزنابير وافواج النحل التي تهجم على قطعة الرقيّ القاني القابع على كومة الرقي الاخضر المقّلم الموصلي المستطيل ، وهو ينادي عليه باعلى صوته : ( بشرط السكين يا رقيّ ) و ( عسل الموصل يا رقيّ ) و ( من ذاقه عاش ومن لم يذقه مات) . فمرت الخادمة زهرة من امام الصبي ونهرته ضاحكة وهي تقول : ( لاتقل من ذاقه عاش لكي لا تزعل امّك ، وانما : من ذاق هذا الرقي عاش ) فتنحنح والده جمعة البقال في مجلسه ، بدكانه الواقع في نهاية السوق الوحيدة في القصبة والمؤلفة من 25 دكان - مع دكاكين القيصرية وخان الشيخ فتح الله - مصطفة على جانبي الشارع العام المؤدي شمالا الى العاصمة وجنوبا الى مركز السراي ودوائر الدولة ، ليصيح من وراء المرأة المتحرشة : - - زهره .. زهره ، هل لا زلت تشتاقين ان تذوقيه ؟

اجابت زهرة سائرة ودون ان تلتفت اليه :

-بيك خير إلحقني …!!

غير انها توقفت فجأة واستدارت الى الخلف رافعة كفّها الى اذنها اليمنى وكأنها تسترق السمع لنداء بعيد وهي تردد مع نفسها :

-كأني اسمع صوت خيّالة من بعيد ، هل ترى انه محمود ؟

ثم قفلت راجعة الى القصبة ، وكأنها غيّرت رأيها في الذهاب الى قصر الشيخ غالب في قرية ( بالك ) حيث تخدم عائلة الشيخ منذ اكثر من اربعين عاما ، في وقت ارتفعت فيه صيحات نسوة وهرولة رجال ونساء واطفال وكلاب نحو السراي ، فهرولت هي الاخرى مع صبي البقال واختلطا بالجموع المهرولة نحو السراي ولكن الجمع المهرول لم يتوقف امام السراي وانما استمر في الجري بعد ان غمغم محمود لاهثا وهو لا يزال يجري :

-نعم .. نعم قتلوه ، ولكن كيف تمكنوا منه ؟

وعندما لحقت به والدته سألته :

-متى رجعت من قرية سفاح آغا ؟ واين حصانك ؟

ولكن محمود لم يرد على سؤال والدته زهرة وانما استمر في الكلام عن شهاب وشجاعته :

-حقا ، لقد كان بطلا شجاعا تحدى بوحده جميع الاقطاعيين ولم يترك لهم - كما فعل الاخرون - ارضه التي يحرثها ويزرعها بوحده ، ولكن أمَا كان الاجدر به ان يحمل بندقية للدفاع عن نفسه وقت الحاجة ؟

ضغطت زهرة على معصم ابنها وهي تهمس في اذنه :

-كيف تقول هذا الكلام وانت حارس الاقطاعي سفاح آغا ؟

ولكن كنّاس البلدية ( راضي ) الراكض الى جانب زهرة ، اجابه دون ان يسمع كلام والدة محمود :

-كان مسلحا ، وقد رأيته صباح اليوم عندما كنت اكنس الشارع وقد تمنطق بالبندقية على ظهر بغلته ويسحب البغلة الاخرى خلفه ، ولكن لا ادري لماذا كان مبكّرا جدا في الذهاب الى حقله هذا الصباح ؟ لانه كان من عادته الذهاب اليها بعد طلوع الشمس .

اجابت زهرة رأساً :

-ربما يكون اجله هو الذى ساقه للتبكير هذا اليوم في الذهاب الى الحقل . ثم توقفت عن الركض فوصلها محمود وهمس الى اذنها شيئا ، ثم توقف قائلا :

-لقد تعبت ولا استطيع الاستمرار ، ثم بدأ يسير الهوينا … في وقت تخلف فيه الكثيرون عن الركض ، واتجهوا نحو مقهى شمس الدين - في اطراف المدينة - حيث جلسوا في ظلال حائط المقهى الشرقي انتظارا لورود النبأ الصحيح ، عندما بدأ راضي الكناس مدمدما مع نفسه على مهل وكأنه يرد هامساً على كلام زهرة :

-كلا ، انني اعتقد بان رجال سفاح آغا هم الذين اغتالوه في هذا الفجر الاغبر .

اجابه البقال سيد باقر الجالس الى جانبه بهمسة لا تكاد تسمع :

-قد يكون ، لاسيما وانه كان طامعا في ارضه الخصبة لانها كانت تجاور ارض الآغا .

غير ان جاسم الاهبل ذا اللحية الكثة والاسمال البالية هزّ رأسه بعمامته البيضاء المتسخة التي تحول لونها الى القهوائي الفاتح ، واعقب على كلام السيد باقر بالقول :

-نعم … نعم ، الاقطاعيون يقتلون الفلاحين المساكين ، والانكليز يقتلون العمال في كاوور باغي . ولكن العرّاف عنبر الغجري ، قد اكد عندما زار الغجر قصبتنا قبل عامين بأن القصبة ستتخلص من كل مشاكلها عندما يقتل حارس سيده الظالم ، مثلما ستقوم القيامة عندما تلد البغلة العاقر . وان شاء الله ستزول هذه الشدة وهذا الثقل من على صدورنا . ولكن قل لي ياسيد باقر ، متى ستلد بغلتك التي تتاجر بالاقمشة عليها في القرى المجاورة ؟

اجابه السيد باقر بحدة لا يليق بالمقام قائلاً :

-تبقى اهبلا ومخبلا ومجنوناً ، لانك دائما تخلط بين الجد والهزل … فمتى تثوب الى رشدك ؟ ثم ألا تدري ، اننا امام مصيبة كبيرة ؟

- اية مصيبة تعني ؟ اغتيال شهاب ؟ لقد ارتاح من عذاب الدنيا ، ثم اننا جميعا من العدم والى العدم . الدنيا هيج … لاشئ ياسيد باقر ، يا اولاد الاولياء.

فصاح به سيد باقر بانزعاج مشوب بالتندر والهزل :

-ولكن بدل هذه الفلسفة الفارغة ، لـمَ لا تغسل عمامتك الوسخة ؟

-انها ستتسخ ايضا … ياسيد !!! .

-وماذا في ذلك ، ستغسلها ايضاً .

-ولكنها ستتسخ ايضا ، يا ابن الاولياء !! .

-فضاق به السيد ذرعاً ، وهو يقول :

-تغسلها مرة اخرى يا أخي !! .

فقهقه جاسم الاهبل ، بعد ان القى برأسه الى الوراء متطلعا الى السماء وكأنه يبحث عن الحقيقة قائلاً :

-هل جئنا الى هذه الدنيا ، يا سيد السادات من اجل غسل العمائم فقط ؟

قطع راضي الكناس ، هذا الحوار وكأنه يخاطب نفسه او جاسم الاهبل او السيد باقر او كليهما معا ، قائلاً :

-ولكن الى متى سيستمر هذا الظلم ؟ فمتى يمكن وضع حد لهذا الاجحاف والاستبداد والدكتاتورية التي تجاوزت كل الحدود ؟ الم يكفهم كل هذه الاقطاعيات بحيث باتوا يحرثون حتى جدران بيوتنا ، ليطمعوا بارض شهاب المسكين ايضا ؟

غير ان جاسم الاهبل سكت عن الاجابة والتفت الى راضي الكناس وهو يشير بسبابته اليمنى الى حيث يجلس الباشجاووش في صدر المقهى ، عاضّا على شفته السفلى باسنانه العليا ، ولاكزاً اياه بمرفقه اليسرى لتنبيهه الى وجود الحكومة .

كان الجمع لا يزال يركض كالرهوان للوصول الى ارض شهاب ، وفي مقدمتهم صبي البقال حليم … والى جانبه مأمور المركز كاك فتاح ، غير ان حليم كان قد سرح بفكره الى ليلة امس عندما نهض - كعادته فجر كل يوم - على صوت الآذان المرتفع من منارة الجامع القريب من دارهم حيث كانوا جميعا يفترشون سطح الدار صيفا اتقاء الحر اللاهب ، وكان يسبق اخواته في الصعود الى سطح الدار بعد العشاء لكي يمرّغ جسده النحيل على الدواشك المفروشة لينعم قبلهم بلجعة البرودة المخملية الناعمة ، تحت افياء القبة الزرقاء المرصّعة بالنجوم ولكنه كان يغفو احيانا وقبل ان تصعد العائلة من فناء الدار الى السطح . غير انه كان يصحو على صوت اذان الفجر ، فيكوّر جسده الظامر تحت اللحاف الخفيف او الجاجيم ويستعد لسماع موسيقى حوافر بغال شهاب الرتيبة وكأنها مطارق ضخمة تهوي برتابة مملّة على الشارع العاري الرئيس وغير المبلّط للقصبة ، في وقت يحث فيه صوته القويّ الهادر بغلته ويلكزها بساقيه العاريتين للاسراع وصولا الى الحقل المطربس لحراثته قبل فوات الاوان .

كان صبي البقال حليم قد سبق الجميع في الركض وهو حافي القدمين ، حاسر الرأس يلبس دشداشة بيضاء مقلمة بالاحمر وقد لزم اطرافها الامامية باسنانه ، بحيث كانت قلاقيله وأُسته يظهران للعيان عندما كان يطفر احيانا فوق الحفر والاشواك التي تعترض سبيله . وكان يقف احيانا لاقتطاف ثمرة الشفلّح العسلية الحمراء اللذيذة ، ليلقي نظرة الى الخلف لمعرفة موقعه من هذه الهرولة الجنائزية وبانه يركض في المسار الصحيح ، ولما كان يطمئن الى ان مأمور المركز كاك فتاح لا يزال يسبق الآخرين متجها صوبه يبدأ السير على مهل ريثما ينتهي من اكل الشفلح ، ولكي يلحق به الاخرون دون ان يهتم بقطرات رحيق الثمرة القرمزي الدبق الذي بدأ يصبغ ياقة دشداشته البيضاء النظيفة ، في وقت ارتفع فيه صوت مامور المركز اللاهث وهو يشير الى ساقية قريبة : ها قد وصلنا الى حقل شهاب ، ولكن اين الجثة ؟ فاسرع حليم مرة اخرى ليسبقهم الى الساقية . وفجأة صاح حليم :

هنا الجثة ، هذه هي الجثة مرمية هنا … وهو يشير الى جثة شهاب المقتول وقد عصبت عيناه بقطة قماش سوداء وفمه مليان بالطين اليابس تحت حرارة الشمس اللافحة ويداه مربوطتان الى الخلف ، وهو ممدد بطوله الفارع في الساقية في وقت كان فيه سرطان ضخم يحاول في الماء الضحل الراكد ان يقتطع بكلابتيه جزءا من لحم صرّته المدماة . وعندما وصل المفوض كاك فتاح الى الساقية والقى نظرة على الجثة ، دوّن في الاضبارة التي يحملها " يبدو ان القتلة كانوا اكثر من واحد ، لان شخصا واحدا لا يمكن ان يلقي القبض عليه وأن يشد يديه لاسيما وانه كان مسلحا ، وقد يكون القتلة قد كمنوا له في الساقية وغافلوه ثم هجموا عليه وتمكنوا منه " . واضاف جاسم الاهبل الى ذلك قائلا بصوت مسموع " كلنا سائرون الى الفناء لنكون في النهاية طعاما لدود الارض وهوامها وحشراتها ، ان الحياة الى زوال لان نتيجتها لا شئ وانما سراب في سراب " . بينما كان خنجر ذو مقبض بلّوطي اسمر تتوسطه خرزة زرقاء مدورة ومثقوبة ملقاة داخل غمده الجلدي القهوائي الداكن قرب رأس شهاب . وهنا وصلت النسوة الى الساقية وارتفعت ولولتهن وندبهن على شهاب الشجاع الذي قتله ازلام الاقطاعي سفّاح آغا في غفلة من الزمن ، في حين سكتت زهرة عن النواح فجأة وطفرت الى الساقية وجرّدت الخنجر من غلافه وهي تصيح بصوت داوودي ذي نبرة حادة عالية :

-وين الحكومة … وين العدالة ، أويلاخ على شهاب ابو فلاح ، اويلاخ على اطفاله الصغار وزوجته الشابة الجميلة .

ثم وضعت الخنجر في غمده وارادت ان تدسّه في عبّها ، ولكن كاك فتاح سحب الخنجر من يدها وهو يردد :

- الى اين ستأخذينه ، قد يكون هذا الخنجر دليل هذه الجريمة النكراء .

وهنا صاحت زوجة شهاب التي وضعت شنكة طين فوق رأسها وهي تشق الخدود مولولة :

-الله ينتقم من الظالم ، ولكن اين هو الله ؟ أما يكفه اربعين عاما من الصبر لكي ينتقم ، ام يريدنا ان نصبر اربعين سنة اخرى ؟
فارتفع صوت راصي الكناس وهو يجمع اطراف ثوبه ويدسّها في حزامه نازلا الى الساقية ، وهو يردد :
-هيا اخوان ، لنرفع الجثة بعد ان دوّن كاك فتاح ملاحظاته حولها … وانا لله وانا اليه راجعون .