

قراءة أدبية

الأستاذ الدكتور عبدالله بن أحمد الفَيفي*
( مدينة عَرْعَر نموذجًا )-
6

كان الشاعر
سلمان بن محمّد الفَيفي في سيرته وفي شِعره يضجّ بحُبّ مدينة عَرْعَر، وظلّ
يحنّ إليها طيلة عمره. إنه الحُبّ القَدَر، كما تجسّد في قصيدة له عنوانها
"عَرْعَر والقَدَر"، يحكي فيها
تاريخ عَرْعَر، كما عاصرها، حيث يقول:
كانتْ ابياتاً مِنَ الشَّعَـــرِ ** تحتَ أمـواجٍ مِنَ الغَـبَـرِ
فَوْقَ سَطْحِ القَفْـرِ نائمـةً *** فَوْقَ صَدْرِ الرَّمْـلِ والكَدَرِ
في تُخُوْمِ الأرضِ جاثِـمَةً *** في عُبُـوْسِ اللَّيْلِ والضَّجَـرِ
في لَهِيْبِ الصَّيْفِ- مُتَّقِداً- *** تَنْفُـثُ الأرواحَ مِنْ سَـقَـرِ
والجَمادِ القرِّ- مُنْعَقِــداً- *** زَمْهَرِيْــرٌ بالـغُ الأَثَــرِ
جاهَدَتْ والخَوْفُ يَسْـكُنُها *** وانْبَرَتْ في مَوْعِـدِ القَـدَرِ
وإذا الأَهْوالُ ذاهِبَــــةٌ *** وإذا الأَرْزَاءُ في خَـــوَرِ
مَنْ رآها بَعْدَ مـا بَلَغَـتْ *** دُرَّةً مِنْ أَنْفَـــسِ الدُّرَرِ
لـم يُصَـدِّقْ أَنَّـهـا بُنِيَتْ *** فَـوْقَ هامِ الرِّيْـحِ والعَفَـرِ
دِيْرَةٌ طابَــتْ لِقَاطِنِهــا *** مِنْ بَنِيْ قَحْطانَ أو مُضَـرِ
أَظْهَــرَ الوَادِيْ مَفَاتِنَـهُ *** تَاهَ بالإِسْــكَانِ والجُسُـرِ
**********
عَرْعَرَ البَيْدَاءَ يا بَلَــداً *** أَصْبَحَتْ مِنْ أَنْصَـعِ
الغُـرَرِ
عَرْعَرٌ سَارَتْ على عَجَـلٍ *** في ثِيَابِ الـدَّلِّ والخَـفَــرِ
دِيْرَةٌ جَاشَـتْ بِنَهْضَتِهـا *** زَمْجَـرَتْ بالمَـدِّ لا الجَـزرِ
سُـوْقُها فاضَـتْ مَوارِدُهُ *** بنَمِـيْرِ الـوِرْدِ والصَّــدَرِ
**********
قادَها شِبْلٌ مِنَ الجَلَوِيْ *** مُسْـتَنِيْـرُ الرَّأْيِ والبَصَــرِ
حاسِمٌ في كُلِّ نائِبَــةٍ *** مِثْلُ حَـدِّ الصَّــارِمِ الذَّكَــرِ
جاءَها واللَّيْلُ مُعْتَكِـرٌ *** فانْتَشَــتْ جَذْلَـى بمُنْتَـظَـرِ
مِثْلَ أُمٍّ "زَغْرَدَتْ" فَرَحاً *** بوَلِيْــدٍ عَـادَ مِنْ سـَـفَـرِ
هَلَّلَتْ واللهُ أَنْقَذَهــا *** مِنْ حَيـاةِ البُـؤْسِ والخَطَـرِ
والرِّمَالُ الحُمْرُ أَبْدَلَها *** جَـنَّـةً للبَـدْوِ والحَضَـــرِ
**********
يا عَرُوساً قد فُتِنْتُ بهـا *** زَهْرَةَ الرَّيْعَانِ مِنْ عُمُــري
أَصْبَحَتْ عَذْرَاءَ سـاهِرَةً *** في لَذِيْـذِ اللَّهْـوِ والسَّـمَـرِ
غادةً أَرْخَـتْ ذوائِبَهــا *** فَوْقَ تَاجِ النَّجْـمِ والقَمَــرِ
حُـرَّةً غَيْـدَاءَ غانِيَــةً *** تَزْدَهِيْ بالحَـاضِرِ النَّضِــرِ
تَسْحـَبُ الأَذْيَـالَ رافِلَـةً *** في الأَمَانِ الوَارِفِ الخَضِـرِ
سَابَقَتْ أَتْرَابَها وسَـمَتْ *** للـعُـلا ، للمَجْـدِ ، للظَّفَــرِ
عَطـَّرَتْ أَرْدَانَ رَائِدِهـا *** مِنْ عَـبِيْرِ الشِّـيْحِ والزَّهَـرِ
ضَـاعَ مِنْ أَفْوَافِها عَبَقٌ *** مِنْ نَسِيْمِ الرَّوْضِ في السَّـحَرِ
يَتَغَنَّـى وانْتَشَى طَرَبـاً *** في رُبـاهـا صَـادِحُ الشَّـجَرِ
يُبْـدِعُ الأَلْحَـانَ ساحِرَةً *** مِثْلَ صَـوْتٍ سَـالَ مِنْ وَتَـرِ
**********
كَمْ حَدَانيْ الشَّوْقُ مُسْتَعِراً *** للرِّيـَاضِ الخُضْـرِ للمَطَـرِ
أَرْتَوِيْ مِنْ عَذْبِهـَا وكـذا *** أَجْتَنِـيْ مِنْ يانِـعِ الثَّـمَـرِ
**********
عَرْعَرُ الجَرْدَاءُ قد لَبِسَتْ *** مِنْ بَدِيْــعِ الخَـزِّ والوَبَـرِ
فاهْتِفِيْ شَتَّانَ، يا بَلَـدي، *** بَيْـنَ رَأْيِ العَيْـنِ والخَبَـرِ
إنها رحلة روحٍ في مكان، ألهمتْ صاحبَها قسطًا من ديوانه الشِّعري، وجُملةً من
المعاني والصور. تؤكّد أن المكان هو الإنسان. ولعلّ ما أغرى الشاعرَ بحبّ
عَرْعَر أكثر أنها وافقتْ شخصيّته، ببساطة تلك الشخصيّة، ونزوعها إلى الحريّة،
والمجتمع الفطريّ، المفتوح نسبيًّا على مشارف أخرى. إنها تشبهه، أكثر حتى من
بلدته الأُمّ: فَيفاء. فهو كما وصفه الشاعر صغيّر بن غريب بن عبدالله- في
قصيدة بعنوان "سلمان" ألقاها في
حفل ثقافي أقامه نادي بدنة (عَرْعَر)، لتكريمه، في رمضان 1412هـ- إذ قال:
إيهِ سلمانُ لستَ من زمرةِ الغربِ،
*** بـريءٌ من عالـم
الأثريـاءِ
أنـت من عالـمٍ يؤرّقهُ الجُـرحُ
*** ويسـمـو بروحـِهِ
للنقــاءِ
شـاعرَ المجـدِ لم نكرّمكَ نحـنُ
*** أنـت كرّمـتنا
بطيـبِ اللقـاءِ!
أمّا أنا فأقول من قصيدة "سلمان"، في رثاء الشاعر:
ما جَفَّ حِبْرُكَ في دَمِـيْ ، يا خَالي *** أَبَدًا ، ولا أَدَبٌ
سَـرَى بِخَـيَـالِـي
.. وفَتَحْتُ قَلْبَكَ، عالَـمًا من أَنْجُـمٍ، *** وسَمَحْتَ لي ، فجلستُ
حيثُ حلا لي
هذي حُرُوْفُكَ ، أم حُرُوْقُكَ، لم تـَزَلْ *** بالحُبِّ يُشْـعِلُ
نَبْضُـها أَوْصـَالـي
هذي "طُرُوقُكَ" ، بَـدْؤُها والمُنْتـَهَى، *** طَـيْـرٌ بسِـدْرَةِ
قلـبيَ الأَطْـلالِ
في كُـلِّ نُـوْنٍ لَفْـتَـةٌ حُـوْرِيَّـةٌ *** تُلـْقي على كَتِفِ
الزَّمـانِ سُـؤالي:
هلْ غـادرتْ مِنّي الأصَـابِـعَ نـَبْرَةٌ *** رُوحِيـَّـةُ التَّكـويـنِ
والأفعَـالِ؟!
*********
إنْ أَوْحَـشَتْ مِنْكَ المسَـاءَ عُيُونـُنَا *** فعُـيُونُ شِـعْـرِكَ
لَذَّتي ووِصَـالي
كَمْ كُنْتَ غَـضًّا، كالتَّحِيَّةِ ، مُشْرِقـًـا، *** جَزْلاً ، جَمِيْـلاً،
أُمَّـةً بِحِـيـالـي
قد كـان كأسُـكَ من ذَكـاءٍ كُـلُّــهُ *** أَشْهَى على كَبِـدِيْ مِنَ
السَّـلْسَـالِ
فشَرِبْتُ صَوْتَكَ، صافِـيًا، تَرْوي بِــهِ *** سَـمْتَ الكُهُـوْلِ
وشِقْوَةَ الأَطْفَالِ
"في البحـرِ يسـبحُ بي خيالٌ مُغـْرِقٌ" *** غَنَّى القصيدُ. فهام كُـلُّ
جـَمَـالِ!
ولقد كَتَبْتَ بغَيـْمَـةٍ خَضْـراءَ خـا *** تـمـةَ البروقِ وجمرةَ
الإشـْعـَالِ!
نَهْرًا من الحِـبْرِ المضِـيءِ ، فرادِسًا *** من فاكهـاتِ الفِـكْـرِ
والأمثـالِ!
سُبـْحانَ مَنْ وَهَبَ المَواهِـبَ للوَرَى *** وحَـبَـاكَ منها
أَنـْجـُمًا ولآلـي!
صَـوْتٌ نَمِـيْرٌ، مـاؤُهُ مُـتَـهَـلِّلٌ *** غَسَـلَ الفُـؤادَ
بِقَطْـرِهِ الهَـمـَّالِ
فـرَبَتْ عُرُوْقُ الأرضِ ، والإنسانِ، لو *** أنّ الحجـَارةَ تُسْـتَـثارُ
لِغـَالي
لهفا رسـولُ العِشْقِ مِنْ حَدَق الذُّرَى *** يَنْعِيْكَ، يا لُـغـَةَ
الضَّـميْرِ العـَالي!
*********
إنْ قِيْل: إنّ الشِّعْرَ تـُلْهِـمُهُ الرُّؤَى، *** سأقُوْلُ : شِـعْرُكَ
رُؤْيَـةُ الأَجْيـَالِ
في كُلِّ بيـتٍ ألْـفُ عـَيْنٍ ، كُـلَّما *** أَنْشَدْتَهُ جاشـَتْ
شِـعـافُ جِـبالي
تـَرْمِـي قوافـيَ كالنيـازكِ تـارةً *** وقوافـيـًا كـعواسـِلٍ
ونِصـَالِ
وتُـنضـِّدُ الإحسـاسَ كاذًا يـانِعـًا *** بـاقـاتـُهُ مَـلأتْ عَـلَيَّ
سِـلالِي
ورأيـتُ في أُفُـقِ التَّلَـقِّي أدمُــعًا *** مـلأتْ كـتابَ الحُـبّ
والإجْـلالِ
بجَـمالِهـا وجَـلالِهـا، بنِسـائِـها *** ورِجـَالِـها ، وبـأذْرُعٍ
وتــِلالِ
فَيْـفاءُ منكَ اليَوْمَ تَـبْـكي شـاديـًا *** مَـسَحَ الدُّمـوعَ
بصَوْتِهِ السَّيـَّالِ!
*********
- سـلمانُ، يا سَيْـفًا تساقَطَتِ الظُّبَى *** وبَقِيْتَ وحْـدَكَ
صَـارِمَ الأهْـوَالِ!
أنـتَ الحِكايـةُ ، يا ابنَ آدمَ، قُلْ لَـنا *** كيفَ أرتـأيـتَ حِكـايـةَ
الآجَـالِ؟
- مـنذُ الطُّفُولـةِ عِشْتُ "أيُّوبًا"، إلى *** أنْ مـاتَ صَبْرُ الصَّبْرِ
في التَّرْحَـالِ!
مـا ذُقـْتُ لونـًـا واحِـدًا مِنْ لَـذَّةٍ *** إلاّ بـهِ قـزَحٌ مِنَ
الأثْـكَــالِ!
ضَمّـدْتُ بالجُرْحِ الجِـرَاحَ، ودونـَها *** سَـرَطَانُ بَحْرِ المَـوتِ
فِـيَّ يُوالـِي
قَضـمَ الشَّبابَ
–
جَهَالَةً
–
لم يَدْرِ ما *** فَعَلَتْ يـداهُ بصَـفْـوَةِ
الأشْـبَـالِ!
ما راعَني الموتُ الـزُّؤَامُ مُصَافِحًا *** إذ راعَ كُـلَّ فرائـصِ
الأبـطـالِ!
..............
أ. د. عبدالله بن أحمد الفيفي
28 يناير 2010
ـــــــــــــــــــــ
aalfaify@yahoo.com
http://khayma.com/faify
تنبيهات هامة يجب مراعاتها لنشر هذه المادة:
1- ذكر اسم المؤلف كاملاً، كما هو في الأصل.
2- نقل الموضوع كما هو في الأصل.