
قصة قصيرة
بقلم : نزار ب. الزين*
إسمه عِزَّة و يلقبونه (عزّو) تارة و ( أبو العز) تارة أخرى
عندما بلغ المرحلة الثانوية كان خجولا و إنطوائيا ، فلقبه
زملاؤه في الصف بالسلحفاة ؛ ثم حاول بصعوبة أن يندمج معهم
و لكن تربيته الصارمة ، كانت تمنعه من مسايرتهم ، فمعظم
ألفاظهم كانت سوقية ، و قاموس شتائمهم كان أوسع من مجلد ،
و طريقة عبثهم مع بعضهم بعضا تدور كلها حول الجنس و الجنس
المثلي .
كانوا يرفضون مشاركته في أحاديثهم و يأبون مشاركته
بألعابهم ، كان إذا أخطأ في إجابة مدرس على سؤال ،
ينفجرون ضاحكين حتى لو لم يكن في الأمر فكاهة ، و إذا حاول
التقرب من أحدهم يشيح عنه بوجهه و يتجاهله ، و ظل منبوذا
و في حالة صراع مع نفسه إلى أن إكتشف أنه لا بد من
الإستسلام .
و رويدا رويدا بدأ يتقبل من بعضهم ما كان يرفضه من قبل ،
ثم ما كاد العام الدراسي ينتصف حتى طال لسانه و تضاءل
خجله !
و ذات يوم أسود ، وفي أعقاب الإنصراف خرج أبو العز مع
ثلة من زملائه ، و أخذوا جميعا يتعابثون و يتشاتمون و
يتضاحكون ، و فجأة وجد نفسه بين براثن والده .
*****
بادره على الفور بصفعة دوخته و ألقته أرضا ،
ثم بدأ يعالجه

بمظلته فوق كل موقع من جسده .
صُدِم زملاؤه
و قفوا مذهولين فاغرين أفواههم
و عندما أراد أحدهم التدخل أجابه بضربة من مظلته
فابتعدوا جميعا و قد تملكهم الأسى على زميلهم
مر أحد المدرسين ، فحاول التدخل ، فصرخ في وجهه :
- " هذا إبني و أريد أن أربيه "
- و ما الذي فعله يا أخ ، أنت تكاد تجهز عليه ؟
فصاح أبو عزة بشكل هيستيري :
- هذا ابني و أنا حر التصرف به ، أذبحه أشنقه أدفنه حيا
، أنا حر ( و ما حدا دخله ) . ثم انهال عليه ضرباً من
جديد .
الفتى يصرخ و يستغيث و الناس بدؤوا بالتجمهر حوله ، و لكن
أمام هياج الوالد الشديد لم يتمكنوا من فعل شيء !
*****
صاح الوالد و قد تملكه الغضب الشديد :
- إنهض يا كلب ، و إمشِ أمامي حتى الدكان ...
استطاع عزة النهوض بصعوبة ، و بدأ يتحرك ببطء فقد كان
يشعر بالدوار ، و لكن والده كان يعالجه بضربة من مظلته
كلما حاول التلكؤ لإلتقاط الأنفاس .
و بلغا أخيرا الدكان
أمر أجيره بالإنصراف
أغلق الدكان من الداخل
و بدأ ت من ثم دورة أخرى من التعذيب ....
كان الأجير، قد أطلق ساقيه يسابق الريح نحو دكان عم الفتى
، ثم عاد به جريا ، ثم أخذا يقرعان الباب معاً ، ثم كان لا
بد من من كسره و اقتحامه ، ثم استطاعا معاً تخليص الفتى
بصعوبة .
كان عزة ساعتئذ في حالة غيبوبة تامة .
- أتريد أن تقضي بقية حياتك في السجن يا أخي ؟
سأله أخوه لا ئما ، فأجابه و هو يرتعش غضبا :
- أريد أن أشرب من دمه و ليكن بعدئذ ما يكون !!
( شرف العيلة أهم من ستين ولد )
لقد شاهدته بعيني و سمعته بأذني
كان يتبادل مع رفاقه العبث البذيء الذي يؤكد وجود علاقة
شاذة بينهم !
ثم أضاف بغضب شديد :
- هل ترضى لهذا الكلب أن يلوث شرف العائلة ؟
- و لكنه ذكر !
- لا فرق عندي بين ذكر و أنثى في مسائل الشرف !
صمت أبو سليم طويلا و هو يهز برأسه ، ثم اقترح و هو يربت
على كتف أخيه :
- دعه لي ، و سأنتزع منه الحقيقة على طريقتي !
*****
كان أبو سليم أعزبا و لُقب أبو سليم رغم عدم وجود
سليم ، فقد رفض الزواج بإصرار لا يعرف أحد سببه ..
تعاون مع سامي أجير أخيه ، حتى أوصلا عزة شبه محمول ، ثم
ألقياه على أريكة في ( ليوان ) المنزل .
لم يقصر العم أبو سليم بالعناية به بداية ، فقام
بتنظيف جراحه الكثيرة و استعان بحفنات من البن لقطع نزيف
بعضها ، و عندما لاحظ ارتفاع حرارته ، غادر المنزل فاشترى
قطعة جليد و إبريقا من عصير الليمون ، ثم عاد إلى منزله
محاولا تخفيض حرارة ابن أخيه . ثم دئب على ذلك كل يوم .
*****
بعد حوالي أسبوعين بدأت بعض مظاهر العافية
تبدو على عزة ، فقد أفاق من رقوده الطويل و تمكن من تحريك
رأسه و لكن إحدى يديه لم يستطع تحريكها .
كان يشعر بالإمتنان لعناية عمه به ، فكانت العبارة الأولى
التي نطق بها شكره لعمه ، و لكنه صدم عندما أجابه عمه
بغلظة :
- كنت أخشى على أخي و ليس عليك !
فرد عزة مستاء :
- أنت تكرهني كما يكرهني أبي ، إذاً دعوني أسافر إلى أمي
...
فأجابه عمه في لهجة تهكمية :
- أمك ؟ أنت من عائلة فستق و لست من عائلة العبد الله ،
ثم إن أمك ، يا حبيب أمك ، بعد أن طلقها أبوك ، تزوجت من
آخر و تعيش معه في حلب ، إن قبلت إستقبالك فزوجها لن يقبل
، و خاصة إذا علم بفعلتك الشنعاء .
- فعلتي ؟ و ما الذي فعلته ؟
أجاب عمه و قد بدأت الدموع تتساقط من عينيه مرغما ، فرد
عمه قائلا و قد تجهم وجهه و قطب جبينه :
- عندما تتعافى تماما ، أنا من سيسألك عما فعلت ، و أنت
من سيجيبب ، و لن ترحمك دموعك !
*****
التحقيق
و بعد أسبوع آخر
بدأ أبو سليم : يستجوب إبن أخيه :
- إليك ورقة و قلما ، قبل كل شيء أكتب لي أسماء أصحابك
الذين كانوا برفقتك .

فكتبَ الأسماء ...
- أيهم كان على علاقة بك ؟
- كلهم !
قالها ببراءة ، فأجابه عمه و قد ازداد تجهمه :
- كلهم يا كلب ، و تقولها بملء الفم ؟
- أجل ، كلهم زملائي في الصف و أصحابي ؟
- عزة ، لا تتلاعب معي أو تراوغ ( إن كنت العدل فأنا رباطه
) ، اعترف لي بكل شيء ، إلى أين كنتم متوجهين ، و أين
اعتدتم ممارسة رذائلكم .
- عمّو ....
أقسم لك أننا كنا نلعب و لا شيء غير اللعب .
و عند رأس شارع المدرسة كنا سنفترق كالعادة ...
هنا ، نهض العم أبو سليم غاضبا ،
توجه إلى أحد الأدراج
أخرج منه صندوق من الورق المقوى
فتح الصندوق
أخرج منه مسدسا

ثم وجه كلامه إلى ابن أخيه مهددا :
- أنظر إلى هذا المسدس ، إنه محشو بالكامل ، سأفرغ رصاصاته
في رأسك ، إن لم تعترف لي اعترافا كاملا .
صاح عزة بعصبية :
- أعترف بماذا ، قلت لك كما قلت لأبي من قبل ، أننا كنا
نلعب و نمزح و حسب و لا شيء بيننا غير اللعب و المزاح .
إلا أن عمه عاجله برفسة أصابت يده التي لا زالت مصابة ،
فصاح متألما ، ثم ما لبث أن فقد أعصابه و في أقصى حالات
الهياج أخذ يشتم عمه و أباه و أبا أباه و كل ما يمت
لعائلة فستق بنسب .
تقدم أبو سليم نحوه ثانية و قد استبد به الغضب يريد توجيه
ضربه جديدة ، فهب عزة واقفا ثم مبتعدا عنه ثم أسرع نحو
الطاولة ، و بلمح البصر اختطف المسدس ، وجهه نحو عمه و
أخذ يصيح بشكل هيستيري :
-أنا من سيفرغ رصاصاته برأسك إن مسستني ثانية !
ثم إزداد صراخه و هو يقول :
* لا مزيد من الضرب ....
* لا مزيد من الإذلال ....
* لا مزيد من الظلم ....يا غجر .. يا نَوًر....
* لا مزيد من الضرب.... يا حثالة البشر ....
* يا وحوش .يا.وحوش .يا .وحوش.
و فجأة انقض عليه عمه محاولا انتزاع المسدس منه
و لكن رصاصة انطلقت خلال العراك فأصابت ساق العم
و إذا بأبي سليم ملقىً على الأرض يتلوى و يتأوه و
يستغيث .
أصيب عزة بالذهول ، و العجز عن التصرف ، و لكنه أخذ يصرخ
بشكل هستيري :
- دم ....دم ... دم ....دم...
يزداد صياح العم، و يزداد نزفه ...
و أبو العز ، يدور حوله ، و هو يهتف بصوت مبحوح ، و في
مزيج من الهلع و الفرح ، بين ضاحكٍ و باكٍ :
- قتلت الوحش .. قتلت الوحش !
سأقتل كل الوحوش ...
سأقتل كل الوحوش .....
سأقتلهم .. سأقتلهم ...
ثم رفع المسدس عاليا ، و بدأ يطلق الرصاص في الهواء و هو
بهزج :
-الله الله يا مفرج المصايب
أضرب رصاص .. خلي رصاصك صايب .....
----------------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع :
www.FreeArabi.com