|

قصة قصيرة


Hosn955@yahoo.com
لم
تكن تنتهي حرب حزيران غير المتكافئة حتى دخل الاحتلال مدينة القنيطرة بهمجية
غاشمة و أشعل الحرائق في البيوت المتبقية و التي لم تدمرها قنابل القصف أيام
الحرب كنت في الخامسة من عمري عندما قدم عشرة من جند
الاحتلال إلى منزلنا ، و دخلوه بصراخ و عصبية تترية
كانت أمي و جدتي و إخوتي الأربعة جالسين تحت شجرة التوت التي زرعها جدي منذ
دخوله هذه المدينة الطيبة الوادعة طلباً للرزق 0 لم يكن لدينا بيت واحد صالح
للسكن بعد أن دمرت القنابل الهمجية كل الحي الذي نقطنه ، و قتلت و جرحت أكثر من
خمسين طفلة ، و امرأة ً و صبياً و تقدم منا ضابط نحيل الجسم طويل القامة تبدو
أنيابه كأنياب كلب مسعور 0 قال بلكنة عربية : أين هم الرجال المختبئون ؟؟ثم
تقدم من جدتي و ركلها بقدمه السافلة ، و قال : تكلمي أيتها العجوز الشمطاء و
إلا قتلت كل من حولك ، و أمطرتهم بوابل من الرصاص ، فأجابته بصوت متهدج يشوبه
الحنين و المرارة : تلك عادتكم أيها المتغطرسون ، تحرقون ، و تدمرون ، و تقتلون
، هذا هو المنزل أمامكم 0 فتشوه كما شئتم 0 لن أقول لكم ليس لدينا رجال ،
فرجالنا مازالوا أحياء ، و سترون شجاعتهم عندما تحين الفرصة 0 صرخ الضابط
بوجهها ، و قال : اخرسي أيتها الوقحة 0 نحن هنا و لن نرحل عن هذه الأرض ، ثم
التفت إلى جنوده ، و قال : فتشوا البيت بشكل دقيق لا تتركوا حتى أعشاش العصافير
و إن عثرتم على أي شيء فأتوني به 0 و دخلت ُ في ثوب أمي أنظر إلى ذلك الضابط و
قلبي يقفز في صدري حقداً و خوفاً 0
صحيح أنني في تلك السن لم أكن أعي معاني الاحتلال ، و لكنني كنت أشعر من أصوات
القنابل و المدافع ، و ما أحدثته من تدمير و حرائق 0 أن من يصنع ذلك لا يعدو
يكون همجياً 0 قد ملأ صدره و قلبه حقداً و غّلاً ، بل هو وحش يحاول افتراس ما
حوله 0 و عاد الجنود بعد دقائق بالخيبة 0 لم يعثروا إلا على سرج حصان كان والدي
يستخدمه في محاربة الفرنسيين 0 و تقدم الضابط منا ، ثم قال بنبرة تشوبها
السخرية و الحقد : أيتها العجوز احملي عكازك و ارحلي أنت ومن حولك 0 لا أريد أن
أرى أحداً في هذه المدينة بعد المساء 0 وضعت جدتي يدها الواهنة على كتف أمي ،
ثم اتكأت باليد الأخرى على عكازها و قامت و تقدمت من الضابط قائلة :
(( لن تطول غيبتنا عن هذا المنزل ، و سنعود إليه قبل أن تطلع الشمس )) ثم تقدمت
من شجرة التوت ووضعت جبينها المضنى على جذعها و خاطبتها قائلة: لا تكوني حزينة
أيتها التوتة !!
سنرجع إليك و سأعانقك بعد رجوعنا 0 لن ودعك الآن فأنا أعلم أن غيبتنا لن تطول
عن هذا المنزل ، فأعاد الضابط صراخه قائلاً : اخرجوا من هنا لا أريد أن أرى
أحداً بعد هذا المساء 0
و خرجت جدتي و أمي من المنزل مطرقتين تجران وراءهما إخوتي و شعرت حين ذاك رغم
صغر سني بمرارة الحياة و نظرت إلى أمي بعد أن تجاوزنا المنزل إلى الشارع و قلت
لها : و لكن أين والدي و عمي كي يطــــــردوا هؤلاء الجنــــود من منزلنا ؟!!
لم أرهما منذ خمسة عشر يوماً 0 نظرت أمي حولها و لم تر أحداً ثم قالت لي : أبوك
و عمك مع الجنود
المدافعين عن القطاع الشمالي من الجبهة ، ولا ندري أهم أحياء أم أموات 0 كان
الله في عونهم ، و التفتت جدتي إلى أمي ثم قالت (( ترخص الرجال فداء للوطن 00 و
الله لو كان عندي عشرون ابناً لأرخصتهم فداءً لهذا التراب 000 و الله لو قتلوا
أمامي جميعا لما رجف لي قلب و لحمدت الله فالوطن غال ٍ بل هو أغنى من كنوز
الأرض 0 توكلي بالله فالأعمار بيده و لن تموت نفس على هذه الأرض حتى تستوفي ما
بقي لها من أنفاس )) 0 و مشينا 000 كانت الشمس تنحني نحو الغروب و كان المساء
يزحف ببطء كسلحفاة حزينة 0 وما إن قطعنا كيلو متراً واحداً حتى سقطت جدتي على
الأرض من الإعياء و التعب فجلسنا حولها و أمي تقول : ما أتعس هذا الحظ !!
فالتفتت جدتي إليها ثم قالت : لم أعهد طيلة حياتي أن الظلم دائم و سترين بأم
عينيك أن الحق سينتصر 0 صحيح أنهم استغلوا غفلة من الزمن و لكن الرجال استيقظوا
و ستسمعين دوي الرصاص في يوم قريب و ستعودين بمشيئة الله إلى منزلك ومن هذه
الطريق نفسها و لكن بعزة و شموخ 0 و التفتت أمي إلى الخلف بسرعة لترى سيارة هشة
محملة بالنساء اللاتي طردن
مع أولادهن من المدينة رفعت يدها مؤشرة للسيارة بالوقوف 0 وما إن ركبنا حتى
أسندت جدتي رأسها إلى مقعد قديم و غرقت في نوم عميق لم تصح منه حتى وقفت
السيارة في إحدىالمدارس الواقعة في طرف المدينة و تقدم منا المتطوعون و أنزلونا
من السيارة ثم حملوا الجرحى إلى
المستشفيات 0 شرعوا بتوزيعنا على الأماكن الفارغة 00 قضينا أياماً كانت أمر من
الجلوس
على الجمر و لم يكد عمي ووالدي يعثران علينا إلا بعد مشقة ٍ و تعب كبيرين كان
عمي خلال تلك المعارك قد جرحت ساقه اليمنى جرحا بالغاً أعاقه عن
المسير بشكل صحيح 0 و كان والدي قد نجا من الموت بأعجوبة ، فقد أمطر الطيران
المعادي خندقه بوابل من القنابل ولولا عناية الله لكان في عداد الشهداء 0
تسارعت الأيام 000 كان الزمن يتمخض عن ولادة جديدة ، و كان الرجال يستعدون
لجولة جديدة يشحذون أسلحتهم و يتدربون ليلاً و نهاراً من أجل أن تبزغ الشمس على
تراب بلادنا المقدسة 0 و كبرت 000 لقد بدأأستشعر معاني الاحتلال 0 لم أعد
أقرؤها في كتبي المدرسية فقط بل أخذت أعاني من ويلاتها 000 ستة أعوام و أنا
أشعر بحنين إلى شجرة التوت 0 كنت كل يوم أجلس بين يدي جدتي لتحدثني عن ماضيها
المتجذر في تلك الأرض و كنت أشعر و هي تحدثني أنني جالس تحت ظل تلك الشجرة 00
أسمعها بشغف و هي تقول : (( الوطن غال ٍ يا بني !! من لا وطن له لا قيمة له ))و
جاء رمضان بصفائه و نقائه 000 كان الرجال قد أعدوا أنفسهم ليعيدوا الأرض 00 و
لم يمض عشرون يوماً حتى كانت الرايات العربية تخفق فوق جبل الشيخ 0كانت جدتي
تجلس إلينا و تحدثنا عن الشمس التي ستبزغ قريباً 0 و
من إن همدت نار الحرب و عاد والدي و عمي إلينا حتى باشرت جدتي بإلحاح عليهما
للرجوع إلى المنزل 0 و استأجرنا سيارة صغيرة و دخلنا المدينة 0 كان الجنود
يعلقون على أبوابها أكاليل الفرحة و النصر 0 دخلت جدتي المنزل و نحن نسير
وراءها ببطء 000 تقدمت من شجرة التوت 00عانقتها عناقاً حاراً و التفتت إليَّ و
قالت : يا بني هذه شجرة الحياة حافظ عليها كما حافظ عليها أبوك و عمك 000 لا
تدع أحداً أياً كان يمسها 0 و الويل كل الويل لك إن لم ترخص نفسك لدفاع عنها
000 تقدم منها 000 عانقها كما عانقها أبوك و جدك 000 و اجعلها محراباً لصلواتك. |