WWW.FreeArabi.Com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

سينماالجمهورية

قصة قصيرة

بقلم : مصطفى نصر

عن : الشرق الأوسط الألكترونية

www.middle-east-online.com

 

ما الذي يمكن أن يسرق منى؟ لا آخذ معى سوى ثمن التذكرة، ثلاثة قروش، ويتبقى من الشلن قرشان، أشتري بهما سندوتشا في الاستراحة.

بناء السينما

ارتبطت بسينما الجمهورية ارتباطا كبيرا، شاهدت العمال وهم يهدمون المدرسة التى أقيمت على أرضها. ونظرت إلى البئر العميقة التى يحفرونها لإقامة الأساس عليها، وجرو صغير ينبح فى أسفل، يحاول الصعود دون فائدة.لقد رمى الأطفال الجرو فى البئر وهم يلعبون.

التف الناس حول البئر. نظروا إلى أسفل ونباح الجرو يصل إلى الناس ضعيفا. قالت امرأة عجوز:

- حرام، حد ينزل يجيبه.

وأجابهم "عم أحمد" الذى كان حارسا للمدرسة قبل أن تهدم:

- ومين يقدر يجيبه. ده عمقه زى طول العمارة دى وأكثر (وأشار إلى عمارة مجاورة عالية)

وقال رجل بصوت خافت خشية أن يسمعه "عم أحمد" الذى يعمل مع صاحب السينما الآن:

- صاحب السينما – منه لله – هو اللى رمى الكلب علشان يقوى الأساس.

قال آخر:

- أحمد ربنا اللى مارماشى ولد صغير. فيه ناس بتعمل كده.

وردموا البئر بعد ذلك بالحصو والأسمنت والزلط، ودكوه بآلاتهم الثقيلة، والجرو داخلها ثم بدأ البناء وتابعته، فالسينما فى منتصف الطريق – تقريبا – بين بيتى فى "سوق عقداية" وبيت جدتى فى غربال.

"عم أحمد" الذى كان حارسا للمدرسة، تغير الآن، يرتدى بالطو أصفر بوبرة، ويمسك عصا غليظة، يسب الأطفال الذين يشاهدون عمال البلاط وهم يفرشون أرض السينما الواسعة ببلاطهم، لكن لا يضربهم بعصاه الغليظة.

كنت أهرب من المدرسة وأتتبع البناء، ظنا أن بناء السينمات يختلف عن بناء أية مبانى أخرى كالبيوت والمدارس.. الخ.

يوم الخميس – بعد أن أتناول غدائى فى بيت جدتى – أذهب إلي سينما الجمهورية أجلس وحدى فى مقعد مستقل.

صاحب السينما "إبراهيم كوزمو" شاب وسيم، شعر رأسه وشاربه أصفر. حاول التمثيل فى السينما وانتهى به الأمر كومبارس، خاصا فى معارك الأفلام.

كان شرسا فى معاملاته، يضرب الأولاد ويسبهم دون سبب. وحوله رجاله، خاصة "عم أحمد" الذى كان حارسا للمدرسة. إذا غضب كوزمو على أحد – داخل سينما ه – يأمر رجاله، فيشدونه من بين الصفوف ويضربونه فى عنف. يضربه عم أحمد على ظهره بعصاه الغليظة جدا حتى يكسر عظامه.

وحدث أن تشاجر أحد أهالى قريتى الذين يتجمعون بكثرة فى غربال، ويمارس معظمهم مهنة جمع الزبالة من البيوت فى الأحياء الراقية. تشاجر مع كوزمو فضربه رجاله. فأسرع إلى غربال واستنجد بأهله فجاءوا كالنمل حاملين الزجاجات الفارغة التى يجدونها بكثرة فى الزبالة، ويجمعونها فى بيوتهم استعدادا لبيعها لتاجر يأتى من وقت لآخر لشرائها. وجاءوا بالطوب والعصى، فحطموا السينما، وضربوا رجال " كوزمو" دون رحمة. ولولا هروبه لقتلوه فى هذه الليلة. وأدى هذا إلى تحطيم بعض المحلات القريبة من السينما، خاصة بائع مثلجات، أخذ أهالى غربال زجاجاته ورموها على السينما، وبعضهم كان يشرب الزجاجة قبل أن يرميها.

حذرتنى جدتى من الذهاب إلى سينما الجمهورية خشية أن ينتقم العاملون فيها منى لما فعله أهالى غربال بهم. صدقت جدتى وخفت من المرور بجوار السينما. كنت أظن أن كوزمو عندما يأخذ التذكرة منى وينظر لعينى سيكتشف إني من غرمائه الذين ضربوه وحطموا سينما ه

دخلت وقتها سينمات أخرى: بارك وبلازا والهمبرا وفؤاد. ولم أستطع العودة إلى سينما الجمهورية إلا بعد شهور عديدة.

الساعة

انشغلت بالفيلمين فى سينما الجمهورية ثم عدت إلى البيت. جلست مهموما فقد تذكرت أننى نسيت ساعتى فى المدرسة، ووالدى لو علم سيهد الدنيا فوق رأسى. قالت

جدتى: مالك؟

- أبدا.

لكننى لم أستطع أن أكون عاديا، قالت:

- حصلت لك حاجة فى السينما؟

- لا .

- حد سرق منك حاجة؟

ما الذى يمكن أن يسرق منى؟! أننى لا آخذ معى سوى ثمن التذكرة، ثلاثة قروش، ويتبقى من الشلن قرشان، أشترى بهما سندوتشا فى الاستراحة. لا يمكن أن يسرق منى سوى ساعتى. هى أغلى شئ معى وقتذاك.ذلك ما فكرت فيه جدتى.

هى ساعة نادرة. الأطفال فى سنة ثالثة كانوا يدهشون لرؤيتها، قمر ونجوم تسبح فى فراغ الساعة طوال الوقت، بدلا من عقرب الثوانى.

أنا الوحيد فى الفصل الذى يلبس ساعة. ولد من" بتوع " سنة خامسة كان يقف علينا " ألفة". رائد فصلنا يدرس لهم اللغة العربية، فجاء به ليكون "ألفة " علينا.الولد طويل ووسيم.صادقنى، وعندما رأى الساعة فى يدى قال:" فى سنة ثالثة وأبوك جايب لك ساعة؟! أمال لما تبقى فى سادسة، حا يجوزك؟! " ثم أخذ الساعة، لبسها. كان فرحا بها، وكلما وقف ألفة علينا يأخذها ويلبسها.

يوم الخميس، سنة خامسة وسادسة عندهم ست حصص. بينما من أولى إلى رابعة عندهم خمس حصص فقط. الولد أخذ الساعة ولبسها وذهب بها إلى فصله. ونسيت أن أمر عليه – قبل خروجى من المدرسة – لآخذها منه ككل مرة. لم أتذكر هذا إلا بعد أن عدت من السينما.

قالت جدتى:

- سرقوا الساعة منك فى السينما؟

صحت: لا، لم تسرق.

ألحت جدتى إلى أن حكيت لها ما حدث. وجاء أبى بعد المغرب بقليل. لا أدرى من الذى أخبره بذلك.ما أذكره جيدا انه هاج وثار ولعن المدارس والمدرسين. قالت جدتى:

- يوم السبت سيجدها مع الولد الذى أعطاها له.

صاح أبى قائلا: هو أنا لسه حاستنا ليوم السبت.

أخذنى معه إلى المدرسة التى كانت ملتفة بالظلام من كل جانب.سأل والدى عن بيت الناظر. لم يجد حوله من يعرفه. لكنه وجد من يعرف "عم الضوى " فراش المدرسة. قالوا انه على صلة وثيقة بالناظر ويعرف بيته.

وذهبنا إلى بيت عم الضوى. كان الرجل فى المسجد، فوقفنا فى الشارع ننتظره. كان أبى قلقا يحاول إخفاء إرتعاشة يده اليمنى التى ترتعش كلما غضب أو توتر.

عندما جاء عم الضوى، قال أبى: عايزين بيت الناظر علشان ولد فى المدرسة سرق ساعة ابنى.

أردت أن أقول " انه لم يسرقها، إنما هو يلبسها فى كل مرة يقف فيها "ألفة" علينا" لكننى خفت أبى، فحتما سيضربنى ويتهمنى بالخيابة لعدم محافظتى على اشيائى.

وسار عم الضوى مضطرا وهو يتمتم بكلمات غير مسموعة، ووجهه مكفهر، غير راض عما سيفعل.

يسكن الناظر – الأستاذ جمال – قريبا جدا من " جبل العرضى" الذى يقع بين المحكمة وشارع محرم بك. قال عم الضوى فى ضيق: " البك حايكون نايم دلوقتى"

لكن والدى لم يهتم ولم يتغير موقفه.

دق الضوى الباب مضطرا، ووقفت مع والدى بعيدا، قالت امرأة سوداء وممتلئة: "الأستاذ نايم " لكن والدى دخل. وعم الضوى حدثها هامسا، فقالت بصوت مسموع: - ماليش دعوة بالحكاية دى. أدخل أنت وصحيه.

كانت الصالة ذات ضوء خافت وآيات قرآنية معلقة على الجدران. وصور كثيرة للناظر مع المسئولين فى التعليم. الجو العام فى الشقة يوحى بالخوف والرهبة من كل شئ فيها. الظلام الآتى من كل الحجرات، ووجود أبى والناظر اللذان أخافهما معا.

وجاء الناظر بعد وقت ليس بالقصير برداء البيت. كان النوم واضحا على وجهه وعلى حركاته العصبية. صافحنا فى ضيق وتبرم. وشرح أبى له ما حدث، فقال فى عصبية:

- موضوع لا يستحق كل الدوشة دى. أكيد الولد التانى مايقصدشى سرقتها.

- أيوه،لكن الساعة ممكن تضيع كده، دى غالية جدا.

دخل الضوى بالشاى باللبن رغم المساء، وهو مازال عابسا. قال الناظر: أنا حا تصرف. بعد أن شربنا الشاى وكان الناظر قد هدأ قليلا، قال لأبى فى ود:

- ده سن تجيب له فيه ساعة؟‍

وعدنا ثانية وعم الضوى معنا، حدث أبى فى الطريق عن الناظر وصلته الوثيقة به. قال إن المرأة السوداء الممتلئة التى فتحت لنا الباب، ليست زوجته، هى أخته، فالأستاذ لم يتزوج للآن. وهى كذلك رغم كبر سنها.

أراد أبى أن يعرف باقى القصة، لماذا لم يتزوجا لكن عم الضوى أكتفى بأن تمتم بكلمات غير مسموعة. وصمت بعد ذلك طوال الطريق.

يوم السبت أرسل الناظر فى طلبى. كان الولد " بتاع " سنة خامسة عنده فى الحجرة يبكى، والساعة فوق المكتب، والناظر منهمكا فى الحديث بالتليفون، لكنه أوقف المكالمة عندما رآنى وأشار إلى الساعة قائلا:

- ما تبقاش تديها لحد تانى.

أم إبراهيم تدخل السينما

انتقلنا إلى الحجرتين اللتين تطلان على الشارع بالدور العلوى، فرحت الأسرة بذلك التغيير، فالحجرتان لهما شرفة من حديد متشابك، وباب الشقة يغلق على كل من فيها مساء، بعكس الحجرتين اللتين كنا نسكنهما فى الدور الأرضى اللتين كانتا تطلان على السلم وبدون باب للشقة.

فى الشقة العلوية خمس حجرات. تسكن واحدة منها امرأة اسمها "عديلة" لديها ابنتان. زوجها يخرج بعد التاسعة صباحا مرتديا ملابسه البلدية الجيدة والنظيفة والتى تكويها له البنتان بمكواة حديد تسخنها على الوابور. ويعود الرجل بعد منتصف الليل فقلما يراه أحد سكان البيت عند عودته.

بعد أن يخرج تحكى عديلة عن الأشياء التى جاء بها مساء: الكبدة والهريسة.. الخ وتبالغ فى مدى جودة الأشياء وحلاوتها وغلو ثمنها.

لم تخبر المرأة أحدا عن عمل زوجها. وعندما جاء موظف التعداد أعطته البنت الصغيرة البيانات فى ورقة مكتوبة لكى لا يعرف أحد ما بها. وأتضح بعد ذلك انه يعمل ماسح للأحذية. يضع الصندوق وما به من لوازم مسح الأحذية بجوار نصبة قهوة بمحطة الرمل، ويغير ملابسه ويعود بدون الصندوق.

يفصل بين حجرة ماسح الأحذية والحجرة الأخرى باب من در فتين مغلق بمسامير غليظة.له شراعة كبيرة، تسكن الحجرة الأخرى امرأة صعيدية بوجهها ملاحة ظاهرة، وجسدها يميل للامتلاء.

خلت الحجرة الخامسة فظلت بلا ساكن. وهى أصغر حجرات الشقة، متصلة بحجرة من حجرتينا بباب من در فتين مغلق بمسامير وشراعة عالية، سكنتها – آخر الأمر – امرأة بيضاء طويلة وعريضة اسمها" أم إبراهيم ". ذات عينين صغيرتين تشبه عيون الصينيين، وفم واسع بشفتين ممتلئتين.

المرأة من " العرابة" فى الصعيد، أقاربها يتاجرون فى الموبيليا، يشترونها قديمة من البيوت ويعيدون إصلاحها وطلائها، ويعرضونها - فى دكاكينهم ومعارضهم فى شارعى الخديو والعطارين - على أنها جديدة لم تستعمل.

عاملت أم إبراهيم نساء البيت بجفاء وتعال لكى تظهر لهن العين الحمراء. فادعت أن أهلها قتالين قتلة، وإنهم لا يتشاجرون إلا بالرصاص ومية النار. وأعلنت إن " عديلة " تذهب مع ابنتيها أسبوعيا إلى سينما الجمهورية القريبة من البيت. وان هذا عيب كبير فى شرعهم. ولو حدث مع واحدة من بلدتها لقتلوها نظير فعلتها هذه.وأن عديلة تستغل غياب زوجها – الذى يخرج صباحا ولا يعود إلا بعد أن ينام كل من فى البيت، وتفعل ما تشاء.

أحست الأرملة الصعيدية أن أم إبراهيم قد زادت عن حدها ولابد من إيقافها ومنعها من ذلك التطاول. فدعتها إلى السوق. وكان مع لأرملة الصعيدية أبنتاها (المتزوجة والأخرى التى تعمل فى شركة غزل كرموز).

وسارت أم إبراهيم معهن. وقبل أن يصلن إلى سينما الجمهورية، أسرعت البنت الكبيرة متظاهرة بشراء شئ لها، وقطعت أربع تذاكر لها ولأختها ولأمها ولأم إبراهيم.

قالت الأرملة الصعيدية وهى تدخل باب السينما:

- تعالوا، لمشاهدة الصور المعلقة.

اعترضت أم إبراهيم وترددت وهى مدفوعة بجسد الأرملة القوى. واجهتها الأنوار الملونة واللامعة. وقدمت البنت الكبيرة التذاكر لعامل الباب. وجدت أم إبراهيم نفسها وسط الظلام، وشاشة عريضة أمامها. جلست مبهورة، امرأة جميلة تغنى نصف عارية، ورجل يضم أخرى لصدره ويقبلها.

صمتت المرأة طوال الوقت، أحست إنها لا تستطيع أن تتنفس. كانت مشدودة للفيلم الأجنبى رغم إنها لا تعرف القراءة، لكن الألوان تبهرها.

بعد انتهاء الفيلمين سارت وسط الأرملة وابنتيها صامتة مذهولة، شاردة فى الفيلمين اللذين أعجباها وسيطرا على فكرها. لكن إحساسا بالخوف شغلها أيضا. ماذا ستقول لنساء البيت قد أعلنت كثيرا من قبل، أن دخول السينما عيب كبير. لكن ما حدث فى الفيلمين طفا فوق سطح الأحداث وشغلها أكثر.فكرت فى قميص النوم الذى كانت ترتديه الممثلة وجسدها العارى. تمتلك هى جسد أفضل من جسد الممثلة، لكن بلا فائدة، تنام بجوار زوجها بجلبابها الأسود المتسخ. الرجل يعود قاطع النفس، ينام بجوارها كالمقتول.

كفت أم إبراهيم عن معايرة زوجة ماسح الأحذية.بل حكت عن الفيلمين بلا حياء، وأبدت ملاحظاتها عليهما، وظلت لأيام عديدة والممثلين أمام عينيها، تراهم فى صحوها ونومها. وكلما رأت رجلا تذكرت شبيهه فى الفيلم الذى رأته.، يخرج الأرنب من قبعته، والمنديل من فمه.

نهاية سينما الجمهورية

تحولت سينما الجمهورية التى تطل على شارعى راغب باشا وإيزيس الكبيرين، إلى صالة أفراح. وبدلا من عرض " بلانشات الأفلام التى تعرض وتتغير كل يوم اثنين، يعرضون الآن صورة ثابتة لا تتغير لعريس وعروسة مرسومة بطريقة ساذجة.