روايات خالدة
سيد
الذباب
للروائي :
ويليام غولدينغ

عرض :رشا المالح*
«قبل
خمسة وعشرين عاما، تقبلت صفة «متشائم» من دون تفكير ومن دون إدراكي بأنها
سترتبط بي كوشم، مثلما حدث (على صعيد آخر من الفن) مع الموسيقار الشهير
رحمانوف ومقطوعته الموسيقية «بريليود» بعلامة سي ماينور، حيث كان الجمهور
يأبى أن يغادر الموسيقار أي حفل له قبل عزفه لتلك المقطوعة.
«وبصورة مشابهة حفر النقد قنواته إلى كتبي التي بدت بأنها لا تستطيع أن تقدم أي
شيء خارج إطار اليأس. في الحقيقة، لا أدري لم أنا نفسي لا أشعر بذلك اليأس».
ذلك ما ذكره الأديب البريطاني الروائي والشاعر وكاتب المقالات ويليام غولدينغ
في كلمته في حفل تسلمه لجائزة نوبل للآداب عام 1983. بدأ غولدينغ الذي ولد في
قرية في ضاحية كورنويل في 19 سبتمبر عام 1911، بالكتابة حينما كان في السابعة
من عمره. ونزولا عند رغبة والديه درس العلوم الطبيعية واللغة الانجليزية في
كلية براسينور في أوكسفورد وتحول بعد حين لدراسة الأدب، ونشر ديوان قصائده وهو
الكتاب الأول له قبل حصوله على الماجستير.
بعد الحرب عاد إلى التدريس برؤية قاتمة لتقدم الإنسانية، وكانت كتبه الأربعة
التي ألفها بعد ذلك وانتهج فيها الأسلوب الشائع في الكتابة آنذاك، قد رفضت من
جميع دور النشر. حينذاك اتخذ قراره بالكتابة لنفسه، لمتعته الشخصية وليس بهدف
أرضاء الذوق العام. وفي إطار هذا القرار أنجز روايته «سيد الذباب» التي رفضت من
قبل إحدى وعشرين دار نشر، حتى نشرت أخيرا عام 1954.
ومن أعمال غولدينغ المميزة أيضا ثلاثيته التاريخية «شعائر المرور» عام 1980،
التي تصور الحياة على متن سفينة قديمة في نهاية حروب نابليون، والتي حصل من
خلالها على جائزة بوكر. وحاز غولدينغ في عام 1988 على لقب فارس، وتوفي في
ويلتشاير حيث عاش مع زوجته وطفليه، في 19 يونيو عام 1993.
وتدور أحداث قصته الأكثر شهرة «سيد الذباب» خلال زمن ما من الحرب، حينما تصاب
طائرة بنيران العدو وتهوي في المحيط فلا ينجو منها سوى مجموعة الطلبة الصغار
الذين تتراوح أعمارهم مابين اثني عشر عاما وسبع سنوات، ليجدوا أنفسهم في جزيرة
غير مأهولة.
ومن هنا يؤسس غولدينغ للقصة بمعانيها الإنسانية، حيث يتناول طبيعة الإنسان بما
فيه من خير وشر، وصراعه بين الغريزة والسلوكيات المدنية المكتسبة. والجزيرة
تمثل الأرضية الملائمة للحدث، إذ يجد الأولاد أنفسهم مع الطبيعة بمعزل عن إشراف
الكبار وأية قوانين، ولا هم لهم سوى البقاء على قيد الحياة.
ومن خلال السرد يتبين كيفية بناء الصبية لمجتمعهم الجديد المصغر والصعوبات التي
تواجههم وانعكاسها على شخصياتهم. وغولدينغ يقدم مباشرة التناقض بين الوحشية
والمدنية في هذه البيئة الجديدة. ويتمثل ذلك من خلال بطليه وهما أكبر الأولاد.
فجاك يبدو من بنيته الخارجية وسلوكه ميله للشر والسلطة العسكرية في القيادة حيث
يرفض النقاش وحرية الرأي، ويختار لفريقه مهمة الصيد وهو الهدف الأكثر عنفا.
ويبين غولدينغ في البداية أن جاك غير مهيأ بعد للعنف، ويظهر ذلك من خلال تردده
في قتل خنزير بري لدى إتاحة الفرصة له، إذ لا تزال قواعد المجتمع راسخة في
داخله.وعلى النقيض منه البطل رالف المثالي في مظهره وفكره، إلا أن رالف يعوزه
الذكاء وإن كان يتصرف بمنطقية وعقلانية تفوق سنوات عمره بكثير. وما ينقص رالف
يعوضه غولدينغ في الطفل بيجي، الذي يجسد الذكاء وسعة الحيلة والمنطقية في
التفكير.
وعلى الرغم من بنيته الضامرة ومعاناته من الربو وقصر النظر الحاد، فهو يتمتع
بروح الدعابة والسرعة في استيعاب الظروف والقدرة على التعامل معها. ويتجلى
ذكاؤه لدى تقديمه قوقعة إلى رالف تكون بمثابة بوق ينادي بصفيره جميع الأولاد،
مما يساعد رالف الذي انتخب بالإجماع زعيما لهم. كما قدم بيجي الحل لإشعال النار
من خلال استخدام زجاج نظارته كمحرقة لتكثيف أشعة الشمس.
منذ البداية يتمرد جاك ويرفض الانصياع لقيادة رالف، ويتجه إلى الصيد مع فريق من
الأولاد. وعلى الرغم من أن بيجي أصر على أن خلاصهم يكمن في إبقاء النار متقدة،
فإنه لا يجد من يهتم برأيه سوى رالف وبعض الصبية الصغار. وكان جاك لا يفوت أية
فرصة للاستهزاء ببيجي وشكله ووصفه بالجبن.
يتفاقم الصراع لينشق جاك مع فريقه عن المجموعة، ولا يبقى مع رالف سوى بيجي
وسايمون وتوأمين، ونظرا لصعوبة الوصول إلى قمة الجبل يقرر رالف أن تشعل النار
بجوار الشاطئ.
وعندما يرى الأطفال في عتمة الليل جثة محارب مقتول سقط مع مظلته على جبل
الجزيرة، يظنون بأنه وحش من الغابة، وعليه يستنفر الجميع للبحث عنه بعد تنحية
خلافاتهم جانبا. وخلال فترة البحث يصطاد جاك خنزيرا بريا يقطع رأسه وينصبه على
رمح في أعلى قمة الجبل كرمز لقوة فريقه، ويبدأ الاحتفال بهذه المناسبة بشعائر
تمثل طقوس الصيد حيث يطلي الأطفال وجوههم بدم الفريسة.
وهنا يشير غولدينغ إلى تحولهم من صيادين إلى برابرة سيما بعدما رسموا وجوههم
كصيادي القبائل البدائية مع تخليهم عن ثيابهم التي أتوا بها. وفي إحدى جولات
البحث يفترق عنهم سايمون، الذي يجد نفسه في ركن من الغابة يأسره بسكينته وجمال
طبيعته المزدانة بالورود وثمار الفواكه. وتوحي تلك الأجواء بالروحانية التي
يحملها سايمون في داخله. وعندما يتقدم في بحثه يجد نفسه قبالة رأس الخنزير
المعلق الذي كان الذباب يحوم حوله باستمرار حتى اسماه الجميع سيد الذباب، قد
بات مجرد جمجمة.
وهنا يبدأ سايمون بالهذيان ويهيأ له بأن سيد الذباب يحاوره ويسخر منه ومن أمله
في الخلاص، وبعد حين يغيب الطفل عن الوعي. وحينما يستيقظ ويتابع سيره يكتشف جثة
المحارب، حينها يسرع باتجاه مقر أصدقائه ليكشف لهم بأن الوحش غير موجود. لكنه
لدى وصوله ونظرا لصراخه غير المفهوم يهجم عليه الجميع ظنا بأنه الوحش ولا
يدركون الحقيقة إلا بعد قتلهم له.
وفي صراع آخر بين فريق جاك ورالف لدى محاولة الأول سرقة زجاج النظارة لإيقاد
نار خاصة بهم، يقتل بيجي بعد محاولته الهرب منهم، لدى انزلاق بعض الصخور التي
جمعها فريق جاك. حينها يبقى رالف بمفرده ولا يجد أمامه سوى الهرب بعد مطاردة
الجميع له، ويدرك بأن الجميع تحولوا إلى قتلة.
وخلال تخفيه قريبا منهم في الغابة، يسمع خطة جاك في القبض عليه من خلال إحراق
الغابة لإجباره على الخروج، مما يصيب رالف بالأسى نظرا لأن إحراق الغابة يعني
حرمان الجميع من الثمار التي تساعدهم على البقاء أحياء. وحينما يفر رالف إلى
الشاطئ يجد خلاصه في القبطان الذي كان واقفا قبالته.
وعندما سألهم القبطان عن عددهم صمت الجميع، فأنبّهم لفوضويتهم وعدم تصرفهم
بنظام يليق بالبريطانيين، ظنا منه بأن تلك الرسوم على وجوه الصبية مجرد لعب
أطفال. وعندما سأل أحد الأولاد عن اسمه وعائلته، وقف الطفل حائرا وبدأ بالبكاء
فقد نسي خلال تلك الفترة إنسانيته. ويدرك رالف بأن هذه التجربة في الجزيرة كانت
نهاية لمرحلة البراءة، فقد أدرك هزيمة عقلانية وتحضر المجتمع المتمثلة في بيجي
لصالح الغريزة المتمثلة في الوحشية والعنف.
===============
رشا المالح
rmaleh57@hotmail.com