قصة قصيرة
حسن الشحرة
مكتوب
سهلة
سيدة بيت من الطراز الأول...تتفانى في إسعاد زوجها وأطفالها ...رقيقة
القلب...تظل تكدح طوال اليوم بلا كلل أو ملل...الزوج عامل بسيط ...لا
يكاد يفي راتبه المتواضع بحاجاتهم الضرورية...لكنها تساعده وتقف بجانبه
بكل استطاعتها لذا فهي تستيقظ مبكرا كل يوم ...تعد الطعام وتعتني
بالأبناء...ثم تنطلق للمراعي المجاورة تجمع الحشائش للمواشي التي تقوم
بتربيتها علها تستفيد من ألبانها في تدبير شؤون المنزل الكثيرة...البيت
عبارة عن بناء حجري أسطواني الشكل...مسقوف بالأخشاب...وعر
المسالك...مظلم الأرجاء...يتراءى لمن يلجه أنه بحضرة ساكن من الأزمنة
الغابرة...لكنه عامر بالقيم الدينية الرفيعة والشمائل العربية الأصيلة
رغم ما يكتنف ساكنيه من فقر وعوز وفاقة ...
ودعت الأم صغارها ...وتأبطت حبلا صغيرا ومنجل...وقصدت المرعى
البعيد..تمني نفسها بخير وافر ...فقد أصاب الغيث تلك الناحية الأسابيع
الماضية ...والأرض غدت خضراء قشيبة تسر الناظرين...وبينما الأم تتعقب
الحشائش النافرة ..تقفز كالنحلة من روض لآخر ..بجد كبير... ومراس منقطع
النظير...تتمتم بأغاني الرعاة حينا
وتدعو الله أن يرعى صغارها أحايين...اضطرب قلبها فجأة...وتسارعت
نبضاته...أحست أن أمرا ما قد حدث للصغار هذه اللحظة...فألقت ما بيدها
وراغت فزعة مذعورة باتجاه البيت...غشاها هلع وارتباك...أضحت لا تقوى
على المسير..تهيم على وجهها حينا ...وتتمالك نفسها عن السقوط حينا
آخر...فالمسافة بعيدة..وقد راعها منظر الدخان تعالت نذره المشؤومة في
السماء...أبصرته من بعيد...وهو يتصاعد من منزلهم الصغير...
لم يبخل أهل القرية النبلاء بتقديم الغوث والمساعدة ..في مثل هذه
الأحوال...فقد تعالت صيحاتهم...وهبوا في رجولة وبسالة من كل مكان لنجدة
الأسرة المغلوبة على أمرها...وتمكنوا من إنقاذ اثنين من الأطفال وبقي
الثالث ذو الشهور الثلاثة لم يتجاسر أحد على اقتحام النيران...فوقفوا
واجمين عاجزين لا حول لهم ولا قوة...
وما هي إلا لحظات وإذ بالأم المكلومة ...تجوس في المكان كأسد هصور
...ولما عرفت أن فلذة كبدها يصارع النيران ..وثبت وثوب
الأبطال...واقتحمت النيران...وقد علا القوم حزن ومرارة أن سمحوا لها
بزج نفسها في أتون الهلاك...وبينما الرجال يتبادلون اللوم
والعتاب...والتأنيب والتقريع ...قال القدر كلمته...وتدخلت عناية الرحمن
لتخرج الأم والرضيع لم يصابا بسوء...وساد القرية فرح وابتهاج...بعد يوم
عصيب أنى لسهلة أن تنساه!!