
رواية قصيرة

بقلم : كمال
عارف
أما
السمك فهى تلك الوجبة الدسمة التى قدمتها لى أمى قبل عودتى للكلية الحربية ، فى
آخرساعة من أجازتى القصيرة ..
واما أكواب اللبن و التمر هندى ..فتلك هى المشاريب التى "حبست" بها تلك الوجبة
الشهية ..
بعد صلاة المغرب فى مسجد محطة الإسكندرية ،إستلقيت فى المقعد الخلفى لإحدى
سيارات الأجرة ؛ منتظر تحركها إلى القاهرة ..
لم أكن انام عادة فى أجازاتى القصيرة .. فقد كانت تطلق على هذه الأجازة ، إسم
:"اجازة 48ساعة".. فكيف أنام هذه الساعات وأحرم نفسى من حلاوة دقائقها ..
فاليوم داخل أسوار الكلية الحربية يعادل مائة ساعة من العذاب!!
وأنطلقت العربة .. وسندت رأسى على النافذة .. وتتابعت الأشياء والأعمدة
واللافتات .. ثم تداخلت ..وتلاشت ....
**كان لابد من فنجان القهوة السادة فى كافتيريا باب الحديد بالقاهرة !!
وجدت إحدى النساء تجلس على المائدة المجاورة .. كانت تبكى .. لم أستطع منع نفسى
من الشفقة على تلك المراة التعيسة . وإقتربت منها ، وسألتها :
ــ هل استطيع أن أقدم لك أى معاونة ؟
نظرت لى المرأة وكانها مترددة ، ثم يبدو أنها قررت إقتناص الفرصة .. وعندما
قرأت ذلك فى عينيها ؛ سحبت مقعدا وجلست فى مواجهتها ، قالت :
ــ أنا تزوجت ضد رغبة أهلى .. أنا من أسرة فقيرة .. هربت مع من أحببته ..تعرفت
عليه عندنا فى الإسكندرية ...
قاطعتها مندهشا قائلا :
ــ ولأنك من بلدياتى ، فأنا مُصّر أن أتعاون معك. أكملى .
قالت المرأة ؛ وقد لفت نظرى جمالها ، وزادها جمالا تلك العبرات التى تلألأت فى
عينيها :
ــ .. كان يشترى بعض لوازم عمله ؛ فهو صاحب ورشة للأحذية فى القاهرة ، ولما كان
محدود الثراء ؛ رفضوه أهلى !! كانوا يريدون تزويجى من رجل ثرى !! .. وهربت معه
للقاهرة ، ورأيت معه كل ألوان السعادة ؛ وسرعان ما إكتشفت انه صاحب مزاج ..
مدمن خمر و مخدرات .. وكل مايكسبه من عمله يشترى به المخدرات ، ويترك القليل
الذى لا يكفى .. ولما عاتبته ؛ ضربنى وطردنى .. والآن انا فى مأزق ولا أستطيع
العودة لأسرتى !!
سالتها : هل لك إخوة ؟
قالت : لى شقيقا يكبرنى ، ولو عدت للإسكندرية لقتلنى!!
قلت : هل رآه زوجك ؟
هزت رأسها بالنفى ، وعلى الفور طرأت لى فكرة شيطانية ، وقلت لها : انا شقيقك
منذ اللحظة ، وسأذهب معك لزوجك الآن ..
بدلت ثيابى العسكرية فى إحدى مكاتب الشرطة العسكرية بالمحطة .. ودقائق معدودة
كنت اقف أمام ورشة زوجها بحى الضاهر ، وما أن رآنى مع زوجته ، حتى تقدم يرحب بى
وقد إرتسمت الدهشة على ملامحه ، وبادرته بنظرة رسمت فيها القسوة ، قائلا :
ــ كيف تجرؤ على ضرب شقيقتى !!وطردها ليلا ، وأنت تعلم أنها إشترتك وباعتنا يوم
هربت معك ؟!
وجدت الرجل يحتضنى معتذرا ، ومعللا بأنه الشيطان .. قال هذا وهو يأمر صبيانه
بغلق الورشة ، ثم إلتفت لى قائلا :
ــ سنصعد توا لبيت أختك وبيتك .. فأنت ضيفى على العشاء !!.. سرعان ما جهزت
شقيقتى المزعومة " هناء " وجبة عشاء .. وكان الرجل إبن بلد سريع النكتة ،
وسرعان ما أصبحنا أصدقاء .. وجدته ينتقل إلى ركن فى الصالة الواسعة ويخرج
الشيشة ولوازمها .. قائلا :
ــ الصلح خير .. ونشرب حجرين تعميرة !!
ــ ليس لى فى هذا .. وأنا وقتى محدود ومضطر للمغادرة ، وأوصيك خيرا بهناء !!
قال الرجل وقد غمر المكان دخان الشيشة ممزوجا برائحة الحشيش :
ــ أنت ضيفى ، وسوف تنام معنا اليوم
لاحظت أن الرجل بدأت عليه أعراض الإنسطال ؛ فقد تباطئت كلماته ، وإنغلقت عينيه
بعض الشيئ .. وإرتسمت على وجهه علامات الإنشراح .. وقال :
ــ بيتنا متواضع مثل ماترى .. سأنام أنا هنا فى الصالة ، وستنام مع أختك فى
حجرة النوم الوحيدة !!
لم أكن أعرف أن تأثير الدخان الممزوج بالحشيش له سرعة التأثير التى شعرت بها !!
فقد شعرت بأننى أحلق فى الهواء .. وإنبسطت أساريرى ، وقد زال عنى التوتر ..
ونسيت أننى من المفروض أن أكون فى معسكرى الآن !!
أما هناء فأمسكت بى من يدى تستحلفنى بعدم الرحيل الآن.. وقد لاحظت عليها نفس
العلامات الإنسطالية !!
دقائق معدودة كان صوت شخير زوجها أشبه بشخير كلب يشرف على الموت !!
قامت متمايلة تستند على كتفى .. وبحركة يبدوا أنها فعلتها كثيرا من قبل ؛ أفرغت
ماتبقى فى زجاجة البيرة فى جوفها .. ثم قلبت الشيشة وأمسكت ليـّها أو خرطومها
وأفرغت ماءها على النار المتاججة ؛ فإنطفئت جمرات الفحم محدثة دخانا كثيفا ..
ثم قادتنى لفراشها .......
....دقائق معدودة كان صوت شخير زوجها
أشبه بشخير كلب يشرف على الموت !!
قامت متمايلة تستند على كتفى .. وبحركة يبدوا أنها فعلتها كثيرا من قبل ؛ أفرغت
ماتبقى من زجاجة البيرة فى جوفها .. ثم قلبت الشيشة وأمسكت ليـّها أو خرطومها
وأفرغت ماءها على النار المتاججة ؛ فإنطفئت جمرات الفحم محدثة دخانا كثيفا ..
ثم قادتنى لفراشها!!
كانت المرأة تترنح من أثر ما تجرعته من خمر ، وما إستنشقته من دخان مُشبع
بالحشيش !!
وفجأة .وجدت المرأة تسقط على الأرض بلا حراك !!.. إعتقدت فى بادئ الأمر أنها
غيبوبة السُكْر ..فاجريت لها بعض الإسعافات الأولية التى تدربنا عليها فى
الكلية الحربية .. ولكنها قد ماتت !!..
وجدت نفسى فى مأزق .. وتبخرت من رأسى كل الأدخنة الممتزجة بالحشيش .. احسست أن
رأسى سينفجر .. وأن عقلى وكأنه نزعت منه عنوة كل خلاياه .. وبات لا يعمل !!..
لحظات رهيبة .. امرأة مقتولة بفعل المخدر .. ورجل علا شخيره وكأنه يعزف
سيمفونية جنائزية بآلات صدأة .. ومن أنا ؟! ولماذا أنا هنا ؟!.. بحثت عن حذائى
..وعن أشيائى .. ولحظات كنت وحقيبتى نسرع الخطى ، ولا أعلم إلى أين .. أحسست
بأن حقيبتى هى التى تحكم مخالبها على تلابيبى وتقودنى إلى حيث لا أدرى !!
وجدت نفسى أمام مسجد كبير تنبعث منه إبتهالات ماقبل صلاة الفجر ..تطهرت ..
وارتديت ملابسى العسكرية .. لحظات وإمتلأ المسجد .. وقامت الصلاة ..
إنبلج نور الصباح .. وبدت أصوات الطيور وكأنها تصيح قائلة: اذهب حيث ماكنت ..
حيث مكان جريمتك !!
ووجدت نفسى أعود لنفس الشارع !! ..وجدت عربات شرطة أمام المنزل ..وجمهرة من
البشر .. سألت ؛ قالوا قتيلة!! حضر إليها شقيقها من الإسكندرية ؛ وقتلها !!
وفجأة برز الزوج من وسط الجمهرة يصرخ .إنه هو .. هذا هو شقيقها الذى قتلها!!..
وجدت نفسى محاطا بالبشر.. الكل يتكالب فى صيحات : إياكم أن يهرب .. إمسكوه !!
**..............هبيت مذعورا .. وجدت نفس على مقعدى الخلفى فى سيارة الأجرة ..
والركـّاب ينظرون لى ويبتسمون . أحدهم قال : يبدو أنه كابوس .. أما أنا فقد كنت
أعلم السبب .. إنه السمك واللبن والتمر هندى!!
وعلى الفور كنت داخل كافتريا المحطة ، أبحث عن فنجان من القهوة السادة .. وعن
إمرأة تبكى على أحد الموائد !!
ـــــــــــــــــ
كمال عارف.