
رواية
للكاتب السوري : أديب النحوي
قراءة
بقلم :
نزار ب. الزين
الأستاذ أديب بالنحوي من مواليد حلب الشهباء في الثمانين من عمره المديد ، و هو
محامي و وزير سابق لوزارة العدل لمدة تزيد على السنوات العشر ، أمضى المراحل
الأولى من حياته الدراسية في مدينة حلب ، و إذ حان حين الدراسة الجامعية ، شد
الرحال إلى دمشق لينتسب فيها إلى كلية الحقوق ، ذلك أن حلب كانت عندئذ بدون
جامعة .
بدأ حياته الأدبية في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي ، يوم تقدم لمسابقة
مجلة الهلال للقصة الوطنية ، فحصل فيها على الجائزة الثالثة ، ثم انطلق من بعد
.
أعماله الأدبية كما أوردها الدكتور حسين مناصرة :
أعماله
الروائية:
1960- "متى
يعود المطر". دار الطليعة، بيروت.
1965- "جومبي".
دار الآداب، بيروت
1970- "عرس
فلسطيني". دار العودة، بيروت.
1980- "تاج
اللؤلؤ". اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
1981- "سلام
على
الغائبين". دار الوحدة. بيروت.
1991- "آخر
من شبّه لهم". اتحاد الكتاب
العرب، دمشق.
مجموعاته
القصصية:
1947- "كأس
ومصباح". د، ن.
حلب.
1949- "من
دم القلب". د، ن. حلب.
1964- "حتى
يبقى العشب
أخضر". دار الآداب، بيروت
1967- "حكايا
للحزن". دار الآداب، بيروت.
1972- "قد
يكون الحب". اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
1982- "مقصد
العاصي".
اتحاد الكتاب العرب، دمشق.
1985- "سلاح
الأعزل". اتحاد الكتاب
العرب، دمشق.
1994- "كلمة
ذوي الشهيد". دار طلاس، دمشق.
إخترت منها ( سلام على الغائبين ) :
[ سلام على الغائبين ]
هي قصة مجموعة من الأبطال دافعوا عن موقع ( تل الفخار* ) ببطولة نادرة ، خلال
حرب حزيران 1967 ، فصنعوا نصرا – و إن كان محدودا – في قلب الهزيمة .
تل الفخار ، موقع متقدم في الجولان ، دافع عنه عناصره دفاعا مستميتا ، فعطل رأس
الحربة التي أوكل إليها حركة الإلتفاف حول الجيش السوري .
دفاع تل الفخار البطولي عطل رأس الحربة المنتقاة من أقوى كتائب لواء ( جولاني
) و هي الكتيبة المسماة ( برق ) ، فأدت هذه الواقعة إلى خسارة قائد الكتيبة مع
ثمانية و خمسين من خيرة مقاتليها ، جنودا و ضباطا ، و إعطاب تشكيل آلي من
الدبابات و الناقلات المدرعة .
و هكذا كانت موقعة تل الفخار ملحمة وثائقية حقيقية ، اطلع عليها الكاتب من
سجلات الجيش السوري و بنى عليها روايته .
*****
ينتقل بنا الكاتب لرفقة جنود الكتيبة السورية ، أيام سلمهم ثم يوم مجدهم ، يوم
ملحمة ( تل الفخار ).
هذا بكري السواس الملقب بالملك ، سكير و لكنه محبوب بين زملائه ، لما يطلقه من
ملح و طرائف ، تضفي على ليالي التل – أيام اللاسلم و اللاحرب المملة المضجرة -
تضفي عليها روحا مُسرِّية ؛ فما أحوج الجندي أيام السلم إلى الترويح و التسرية
...
هذا الضبع ، و ذاك الغضبان و ذاك الهلالي و اؤلئك : العباس و الحطاب و السخني
و الأعمى و الشعار و الفقير ...
لكل لقبه ، إما مشتق من من لقب عائلته أو من إحدى صفاته البارزة .
هذا من حلب و ذاك من إدلب أو بانياس ، و رابع من حمص أو حماه و خامس من
( كفربطنا ) إحدى قرى غوطة دمشق و سادس من الصنمين في حوران ، جمعتهم فوحدت
قلوبهم رفقة السلاح .
إبن ( مضايا ) ، يحكي عن صراع التهريب بين أهالي المنطقة و بين السلطة ، فأهل
البلدة مقتنعون تماما بأن ما يقومون لا يعدو عن كونه أحد ضروب التجارة ، أما
السلطة فترى في نشاطهم جريمة بحق الإقتصاد الوطني القومي .
و إبن حمص يتفاخر بنهر العاصي و مقاصفه التي تبذ مقاصف غوطة دمشق ، و إبن حلب
يتباهي بقلعتها السامقة المشرفة على المدينة برمتها .
هذا يشكو من الصعاب التي تعترض زواجه ممن أحب ، و ذاك يتبجح بمغامراته النسائية
؛ أما الهلالي فيحكي عن صراع محافظة حوران مع الطبيعة ، الأرض الطيبة التي ضنت
عليها السماء ، أمطرت .. لم تمطر ..أقبلت .. أدبرت ..عن هجرة شبانها إلى بيروت
أو طردهم منها ، و لكن من عاد منهم ، عاد محملاً بالهدايا و النقود ، أما
شقيقه فقد عاد مكسور الظهر .
و الحطاب يحكي عن شقاوة إبنه ، فيرد عليه الرقيب أبو النور متباهيا بابنه
المتفوق دائما و خاصة في مادة الرياضيات .
أما في ليالي الشتاء الطويلة ، فكثيرا ما يحلو السمر ، سمر منظم في حفلات ، ذلك
أن لسرية تل الفخار مطربها الملقب بالبلبل : << لكن إذا درات كؤوس الشاي بعد
ساعة من الزمن بين أيدي التلفخاريين ، و انتشر مع الحرارة المنبعثة من الشعلة
الزرقاء ، دفء الأنفاس و الود و المحبة ، و انبسط الشباب ، فإن مطرب
الأفراح ( البلبل الصداح ) يجود أكثر و أكثر ، و عند ذلك يتحلقون حوله .
إذا غنى الآهات و ناي معاونه يتأوه ، قالوا جميع : آه ؛ و إذا غنى العتابات ،
أمسكوا بالقوافي ؛ فإن كانت أن قلبه قد مال لصبية حسناء برشاقة الغزال ، و هي
تهجره دون أي سؤال ، فيا للمصيبة و سوء الحال ، فإنهم يهتفون جميعا بعد كل
قافية من القوافي " قال " ؛ أما إذا كانت عن الزمان و الأشجان و النسيان ،
فإنهم يصيحون يا مطرب الأفراح " آن " ؛ لكن إذا وصل المكتوب و العقل المسلوب و
هجران المحبوب ، و تدخل معاونه اليميني بالنقر على دربكته في الموعد المضروب ،
فلا بد أن يرتفع صوت مطرب الأفراح عذبا حنونا مشتكيا إلى الله من حبيبه الذي
ليس في قلبه شفقة ، رغم أنه كتب مكتوبا على الورقة ، آه يا عيني آه .....أعد يا
مطرب الأفراح أعد...فإذا أعاد اشتركوا معه ، و كل واحد يكتب مكتوبه على الورقة
، و يشكو الله حبيبه الذي ليس في قلبه شفقة ..
و يعم الإنشاد صاعدا برفق و عذوبة من بين شفاه الشباب ،فيسيطر على المجلس حزن
رقيق طاهر مطهر ، كأنما يغتسل به الإنسان من ذنوبه .
هل كان ثمة واحد من أفراد السرية لا تنبثق من عينيه دمعة ؟ أبدا فحتى من عيني
العريف الحطاب ، كانت تلوح الشفقة ، و من حطب جزعه اليابس تزهر في كل من خديه ،
مثقلة بقطرات الندى ، ورقة . >>
*****
أما الملازم نائب قائد الموقع ، فقد استحوذ على الجانب المشرق من الرواية ، فهو
إضافة إلى علاقته الرعوية مع مرؤوسيه من ضباط صف و جنود و مجندين ، فإنه استثمر
هذه العلاقة الطيبة ليكافح أمية الأمي منهم ، و يرفع مستوى نصف الأمي إلى مستوى
المتعلم المؤهل لدخول الدورات التخصصية الكثيرة التي يعلن عنها الجيش تباعا ؛
فقد نظم لهم فصلا دراسيا أطلق عليه اسم ( مدرسة تل الفخار الأمامية ) .
ثم ينقل إلينا الكاتب صورة من إحتفال الموقع بتخريج دفعة جديدة من المتحررين من
وصمة الأمية ، الأعمى يلقي خطبة عصماء و الهلالي يفتري على اللغة << فكسر
معظم المنصوبات و ضم كل المجرورات >> و خلط مناسبة الحدث بمشاكل
بلدته الصنمين في صراعها مع المناخ المتذبذب ، لكنه ربطها أيضا بمهارة بمشاكل
أمته القومية فقال من ضمن ما قال : << كيف تجود السماء بمطر طاهر ترتوي به
الأرض و نحن نترك الغاصبين ينجسونها بأقدامهم ؟ إنهضوا و احملوا السلاح و
اذهبوا لتحريرها ، و انظروا كيف أنكم ستسمعون و أنتم تقاتلون في فلسطين ، أنها
أمطرت في حوران >>
ثم أتى دور الشعّار : << فحكى عما يجيش في صدره من أشعار ، تأتيه في الليل
لكن تختفي أثناء النهار ، حزينة كأنها أم واقفة على شواطئ البحار ، و قد ضاع
منها في لجة اليم أطفالها الصغار ، فمن أطفأ في رؤوس الجبال مشاعل الأنوار ؟ و
سحق في أرض العروبة أنضر الأزهار ؟ سوى مصاص الدماء غول الإستعمار ؟! >>
<< و بعد انفضاض الحفل ، فتح المتخرجون علب الهدايا و استخرجوا منها الأقلام ،
و من المغلفات الأوراق البيضاء ، و ذهبوا إلى المنضدة و معهم الكراسي ، و
أخذوا يكتبون المكاتيب ، و قد أمر الرقيب أبو النور بإحضار الشاي في صينية
المحرس ، و أخذ يطوف بهم موزعا ، و هو يسألهم : " كيف تجدون الأقلام ؟"
فيجيبونه : " ممتازة " فيقول : " عال ، لا تظنوا أنها رخيصة الثمن ، فلولا أنها
بالجملة لما باعوني الزوج منها في سوق المسكية بخمس ليرات ، هيا اكتبوا يا شباب
و فاجئوا أهلكم بالمفاجأة السارة ! " >>
كل ذلك و النقيب ( خالد ضوء القمر ) قائد السرية ، في برجه العاجي ، نائيا
بنفسه ، حتى إذا حانت ساعة الجهاد ، ترك ضباطه و جنوده يقارعون العدو ، صانعين
في مجابهته ملحمة بطولية فريدة ، ليتسلل ناجيا بجلده .
و من خلال صراعات هذا الضابط الذاتية ، التي انتهت بندمه ، و محاولة تصحيح
موقفه ، التي انتهت بوقوعه في مصيدة مخابرات ( لواء جولاني ) ، فيسعى الكاتب
إلى إلقاء الضوء على حيوية الإرادة العربية و هي في عنفوان تعرضها للقهر و
محاولات المحو ، تنبثق قوية كما ينبثق الشبح من قبره ملقيا الرعب في قلب ( سليم
جدعوني ) و هو الدكتور النفسي الخبير بالحرب النفسية ، فينهار بعد أن يفرغ
رصاصاته المجنونة في راس أسيره النقيب ( خالد ضوء القمر ) .
<< قال الجنرال : " الكابتن سمحا ، يذكر في تقريره ، أنه لم يعلم منك و أنت في
حالة الإنهيار العصبي ، لماذا أنك قتلته ؟ فهيا قل لي ، كيف حدث الأمر ؟ و بكل
تفاصيله " ؛ فقال الجدعوني : " كانت أضواء الفجر الأولى ، قد أخذت تلوح في
الأفق ، و من باب الملجأ المفتوح ، كانت تتسلل أنساما عذبة ، فنزل ( ضوء القمر
) من سريره و مشى نحو الباب ؛ أتى الكابتن ريوفان و اعترض طريقه ، فقلت له دعه
يخرج لنرى ماذا سيفعل ، خرج ( ضوء القمر ) و نزل إلى خندق الإتصال ، فنزلنا و
مشينا خلفه ، أنا و سمحا و ريوفان ، فوجدناه ينعطف شرقا باتجاه خندق القتال
فتبعناه ، هي عشرون مترا ، ما أن اجتازها و اجتزناها و دخلنا خلفه خندق القتال
، حتى جثا فجأة على ركبتيه ، و أخذ يعانق القتلى من جنوده واحدا بعد الآخر ،
ثم إننا سمعناه يجهش بالبكاء ، فقال لي يورفان إنه يعانق الآن ملازمه و يبكي و
يبكي و يعانق ، فقال لي الكابتن سمحا ، إنها حتما مضاعفات مادة ( البانتوثال )
، لكنني لم أكن مهتما بما يقوله سمحا ، لأنني أخذت أسمع في الخندق أصواتا أخرى
..
سمعت ( ضوء القمر ) يكلم الموتى ، سمعت كلاما ما استوعبت معناه ، حتى امتلكني
الفزع ؛ ذلك أن ( ضوء القمر ) كان يهمس إلى جنوده بموعد ساعة الصفر .
ساعة صفر ؟
لم أتبين موعدها ، لأنه كان لا يذكره بصراحة ، بل يرمز إليه بست إشارات .
ثم إني شاهدت ( ضوء القمر ) و هو ينهض من عناق القتلى ، و يقف في الخندق ، و
إذا بعينيه تومضان بالإشارات ، فلا شك عندي أنه قد أخذ يبث بهما ساعة الصفر في
آفاق السماء ، للمهزومين أينما كانوا موجودين ، لأنه ما أن فتح ذراعيه للفجر ،
محدقا في وجه الشمس و صاح بصوت مختنق بالدموع : " يا رفاقي إنهضوا من الموت و
سامحوني ! " حتى حتى أتوا جميعا ، من البعد ، و من القرب ؛ مطبقين علينا من
جميع الجهات .
نظرت أمامي و إذا ( بضوء القمر ) ينتصب في منتصف الخندق ، طويلا وسيما طليقا
شجاعا ، و كلما هتف " إنهضوا يا رفاقي " يموج الخندق بالحركة تحت عيني ، و قد
أخذت تنتصب فوق مساند الرمي المنتشرة فيه عشرات البنادق و الرشاشات و المدافع .
فوجدت نفسي ، أمد يدي فجأة ، و أتناول المسدس ، و إذا باصبعي تبدأ فورا بالضغط
على زناده ؛ فكلما أطلقت على ( ضوء القمر ) طلقة ، كان يتحرك في الخندق ، عدد
من قتلى تل الفخار ، و من الموت كنت أشاهدهم ينهضون ! >>
*****
هكذا أخذ كاتبنا الأستاذ أديب النحوي ، يعرفنا على أبطال روايته ، هكذا بدون
تكلف ، و بدون تقنية أو تفنين ، ببساطة الحكواتي الممثل*
و بلغة سهلة ذات نكهة خاصة ، تميز بها أديب النحوي ، يمكن أن نطلق عليها (
اللغة الشعبية ) و إن كانت غير عامية ، لأنها صادقة التعبير عن شؤون و شجون
أبناء الشعب العاديين الذين خرَّجوا الأبطال الأشاوس أمثال أبطال ( تل الفخار)
.
و أبطال النحوي كثر ، و هم أيضا من الجانبين المتصارعين ؛ فبعد أن عرفنا على
الضبع و السخني و الغضبان و الملك من الجانب السوري ، عرفنا على سليم الجدعوني
و فريدة زوجته ، و هما عالمان من خبراء الحرب النفسية و كلهم من (
السفاراديم ) أي ( اليهود الشرقيون ) من فلسطين و المغرب و العراق و اليمن .
ثم يعرفنا على ريوفاني و يونا و سلويرا و هم من ( الأشكيناز ) الذين وردوا إلى
فلسطين من أوربا و باقي أركان المعمورة تحت لواء النازية الجديدة التي جهزتهم
لا بتلاع الشرق العربي ، إسوة بما فعله إخوتهم الأوربيون بالأمريكتين و جنوب
أفريقيا و أستراليا .
عرفنا على فكرهم العدواني ، و قناعاتهم الممنطقة بمنهج ديني توسعي إستيطاني ،
استطاع أن يغسل أدمغتهم تماما ، فحتى سليم الجدعوني الذي بدرت منه بعض الملامح
الإنسانية ، اتضح فيما بعد أنها تحمل في طياتها هدفا أشد بشاعة من أهداف (
سويلرا ) رئيس مخابرات ( اللواء جولاني ) حين بدأ بانتزاع اعترافات أسراه
الستة و أسيره السابع ( ضوء القمر ) بصرف النظر عن الوسائل حتى لو كانت أبشع
أنواع التعذيب ، فالجدعوني كان يحافظ على أسيره ليجري عليه الأختبارات (
الفسيوسايكولوجية ) أي الجسدية النفسية ، أجل كان ينظر إلى اسيره كفأر تجارب .
و لا يكتفي الكاتب بتعريفنا بأبطاله بل ينقلنا إلى خلفياتهم و خاصة بعد أن هدأ
غبار المعركة عن هزيمتنا المفجعة ، فتحرك الآباء باحثين عن فلذات الأكباد
المفقودين ، لاهثين وراء أضعف الآمال .
*****
نسج الكاتب روايته من خيطين أبيض و أسود ، مثلت السداة البيضاء الجانب السوري ،
الذي صنع بطولة تل الفخار في قلب هزيمة حزيران التي لم يكن له يد فيها ، و مثلت
اللحمة السوداء ، الجانب الإسرائيلي ، الذي تقمص النازية و السبرطية بكل
أبعادهما الشريرة ، و تشرب النسيج بالأرجوان القاني ، تسرب إليه في خنادق تل
الفخار .
و لم يركز النحوي على بطل واحد ، فالبطل في ( سلام على الغائبين ) هو الروح
الجماعية التي تميزت بالتآخي أيام السلم ، و بالفداء يوم الوغى ، أما عقدة
الرواية ، فظلت من البداية حتى النهاية ، هي مسألة النقيب خالد الملقب ( ضوء
القمر ) ، غموض شخصيته ، اختفاؤه ، سعي والده وراء حقيقة مصيره ، هل هو شهيد ؟
هل هو أسير ؟ و تبلغ العقدة ذروتها عندما يتضح أنه وقع بين أيدٍ أربع تتجاذبه ،
اثنتان لرئيس مخابرات لواء ( جولاني ) و اثنتان لخبير الحرب النفسية ، الذي
اكتشف فيه شعاعا بطوليا غريبا ، رغم ركونه إلى الفرار ؛ فيتصارعان لامتلاكه ،
هذا لينتزع منه المعلومات التي ستضمن إنطلاق اللواء نحو أغراضه ، و ذاك ليجري
عليه الإختبارات ليكشف سر الإرادة العربية التي ترفع رأسها و هي ميتة ، (
ذلك يذكرنا بالمغفور له ، جمال عبد الناصر في أعقاب الهزيمة ، يوم قرر تقديم
استقالته ، فمنعه شعبه و من وراء الشعوب العربية الأخرى ، من المحيط إلى الخليج
، متعاهدة معه على استمرار النضال ، كان ذلك في التاسع و العاشر من حزيران (
يونيه – جون ) عام 1967 ، و قد بلغت الجحافل الإسرائيلية قناة السويس غربا و
التهمت الجولان كله شرقا ).
و ينتصر شيطان المخابرات ، فيزرق وريد ( ضوء القمر ) بمادة ( البانتوثال )
المعطلة للإرادة ، لينطلق لسانه من عقاله ، متحدثا عن مغامرة هروبه ، التي شاهد
من خلالها عملية نزوح مفجعة لأهالي المنطقة ، ما جعل ضميره يصحو ، فيصمم على
العودة إلى موقعه في تل الفخار .
كان التل قد سقط و رأس الحربة قد وصل إلى مجدل شمس دون مقاومة فلم تستفد
( سلويرة ) من مادة ( البانتوثال ) التي أدخلتها إلى وريد ( ضوء القمر ) ،
مما أثار رعب ( الجدعوني ) خبير الحرب النفسية ، حين اكتشف ذلك الشعاع
الخالد الذي لا يمكن محوه بكل وسائل الدمار التي يمتلكها قومه و من وراؤهم ،
فيصاب بانهيار عصبي ، يدفعه لقتل ( ضوء القمر ) .
*****
أما عن لغة الرواية فقد استعرت وصف دار النشر التي تبنت عمله و الذي سجلته على
ظهر غلاف
[ سلام على الغائبين ]
:
<< في لغته مذاق الفستق الحلبي ، و نكهة الأسواق الحلبية الممتزجة بعبق العراقة
و البهار و الحنة .
في أدبه يغزل لروايته و قصصه قمصانا من حرير الشعر و مخمل الموسيقا ، حيث يتقن
بمهارة الغواص إلتقاط العبارات الشعرية من لغة الناس البسطاء . >>
فالنحوي يظل – منذ البداية و حتى آخر حرف - يمتاز بمزيتين :
الوصف التصويري الدقيق ، و خاصة عندما ينقلنا إلى جحيم المعركة ، إلى خنادق
المدافعين ، إلى مصطلحاتهم في التخاطب ، أو تبادل المعلومات في أوج السعير ،
إلى أسلحتهم و ذخائرها و ملقميها و مسددي فوهاتها ، إلى لحظة جرح أو استشهاد
أحد المقاومين ؛ و ينتقل بنا أيضا إلى تشكيلات المهاجمين و مفاجأتهم بالمقاومة
غير المتوقعة ، و وسائل علاجهم للموقف الطارئ ، و الخسائر التي منوا بها لحظة
بلحظة .
أما الميزة الثانية فهي لجوؤه إلى تجسيد الخيال و خاصة عند وصف الموتى و هم
ينهضون استعدادا للثأر .
و صفوة القول فإن رواية
[ سلام على الغائبين ]
يمكن اعتبارها من روائع أدب الحرب و المقاومة .
-----------------------------------
*هناك حكواتي يحكي
من فوق منبره ، و حكواتي يترجم عنترة العبسي و أبو زيد الهلالي حركةً و تشخيصاً
* تل الفخار : موقع
متقدم في منطقة الجولان
------------------------------------
*نزار
بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
الموقع :
www.FreeArabi.com