مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 سفرية مع عزرائيل

قصة

أمياي عبد المجيد

دنيا الوطن

           خيم على مدينة الحسيمة , في ذلك اليوم هدوء ليس من عادته أن يرتاد هذه المدينة .. البيضاء الصغيرة كلونها.. والمتلألئة على جبال الريف , واقفة في وجه تيارات المتوسط , بكل عزم وإصرار.. هي التي تحكي بطولات المجاهدين , وترسم ملامح تاريخ حافل بالأمجاد.. فجأة تحول الهدوء المشكوك فيه .. إلى رعب يلامس كل زاوية في المدينة ..أسدل الخوف ستائره , على العموم .. وعلى التلاميذ خصوصا .. أمام فوضى المدينة يرون أن القادم مجهول , والأتي قريب فترى وجوه الناس مصبوغة باللون الأحمر.. وكأننا في مهرجان للقتل , والدمار , نساء يصحنا , وأطفال يبكون , شيوخ استسلموا لواقع الشيخوخة وتوسدوا الأرض.. هذه هي الجولة الأولى من حرب الشر.. والخير في مدينة الحسيمة .. قتل من قتل .. وضرب من ضرب .. وسجن من سجن .. كان ذلك في لمح البصر , وفي تغريده للرياح .. أصبح كل شيء على ما يرام المهمة تمت على أحسن وجه .. البشاشة.. والسعادة تظهر على أولائك الرجال .
حكاية السجون كانت هي اغرب حكاية.. من بين حكايات الثمانينات .. في الزنازين , والمعتقلات لا صوت يسمع سوى أنين المعتقلين وصراخ المعذبين .
تحكي فاطمة قصتها اليتيمة.. والمبتورة اليدين .. والمخربة الدماغ .. قصة جائعة لم تأكل شيء منذ زمن طويل .
- أخذوني من الشارع عندما كنت عائدة من المدرسة .. كان ذلك أشبه بعملية اختطاف بل هو الاختطاف بأم عينيه , وإذنيه هكذا رددت فاطمة .
- لم أكن اعلم بان أولائك الرجال أشداء إلى تلك الدرجة.. أيديهم خشنة وكبيرة كايدي الفلاحين والحرفيين .. بجسمي النحيل كنت اظهر وسطهم كالإبرة في القش .. بشريط من الثوب الأسود عصبوا عيني .. وتبادر إلى ذهني فلم شاهدته حينما اختطفت مجموعة مسلحة عدد من الأطفال وعصبوا أعينهم.. ثم قتلوهم في غابة بعيدة .. خفت أن يقع معي نفس الشيء .. ولعلى هؤلاء الرجال ممن تأثروا بذلك الفلم .. أرغموني على دخول سيارة مشوهة الزوايا ومزركشة من الداخل بألوان الأوساخ.. تنبعث منها رائحة خمر شديدة .. دليل على تعاطي هؤلاء الرجال للكحول .. حاولت أن أقاوم .. لكن لم أنل سوى بعض الصفعات على وجهي الجميل قلبي كان أشبه بمضخة هواء اتوماتيكية.. يضرب بسرعة, وقوة كبيرتين.. لم اعلم باني في قبضة رجال السلطان.. بعد برهة من الوقت الذي أمضيناه في السير على متن السيارة .. توقفت بي السيارة عند مبنى يظهر من الخارج انه بناء قديم ومهجور .. تتردد عليه الأرواح الشريرة, والشياطين .. رأيت ذلك عندما أزاح احدهم عني الشريط الأسود, وكأنه يريد ترويعي بالمشهد.. دفعوني بالقوة ليدخلوني المبنى المخيف ذو الصمت الرهيب .. أدخلوني إلى غرفة في الطابق الأول كما يبدوا .. كانت غرفة بالكاد ترى فيها من حولك .. وكان بانتظاري رجل لا هو سمين ولا نحيف ولا ابيض ولا اسود انه مغربي خالص كعسل الأطلس .
- في خوف سألت ..لماذا أنا هنا وما الذي تريدونه مني ؟
- لا يا عزيزتي نحن من سيسال وأنت عليك الإجابة.
-لكن من انتم ؟
-لا يهم المهم أننا سنسألك.
- وماذا تريدون أن تعرفوا من تلميذة لا حول ولا قوة لها؟!
- بدون لف ولا دوران يا صغيرتي واخبرينا عن من زودك بالمنشورات ؟
-أي منشورات ؟ لابد أنكم من المخابرات أأكد لكم أنكم اخطاتم الهدف .
-لا تجعليني ارتكب حماقة في حقك يا حلوة .. أتحسبين نفسك ذكية ؟ .اعترفي وإلا ...
- اقسم لكم أني لا اعلم شيء عن ما تتحدثون عنه .. ثم إني تلميذة لا دخل لي بالسياسة .
- كل من القين القبض عليهم يقولون نفس الكلام .. تلاميذ وأبرياء.. إذن من الفاعل يا غبية ؟
- لا اعرف بالتأكيد سيدي .. ولكن أرجوك أن ترحمني.
- انك عنيدة جدا , لو اعترفت سيكون العذاب مخففا عنك .. وسنطلق صراحك في الوقت المناسب.
- عذاب !! عذاب !! لا يا سيدي جسمي لن يتحمل لم اعتد على الضرب .. ارحمني أرجوك.
-خذوها خذوها .. سيكون حسابها عسيرا معي وسأعلمها كيف لها أن تحترم الشرفاء
زحزحوني على الأرض.. كالهرة بقوة .. وانهالوا علي بالضرب والشتم .. كل صرخة أطلقها تقابلها لكمة قوية .. في غرفة مظلمة, وضيقة , ومتسخة , القوا بي .. ثم احكموا إغلاق الباب الحديدي وتحولت إلى عصفور بهي .. وقع في شراك صياد غاشم ..ثم وضعه في قفص صغير واغتصب حريته ..فكرت مليا فيما قاله المحقق .. وتأكدت بان البلاط يعيش في أزمة كبيرة .. فكرت أيضا في أهلي.. وفي كل من يعرفي كيف ستكون ردة فعلهم حينما يعلمون أنني اتهمت بتهمة عارية من الصحة .. أنا متأكدة بان الكثير منهم سيصدق أحجية المخزن.. المهم أنني وحدي مع الجدران وزمهرير مارس القارص.. مصيري بعد اليوم ,كمصير سائح يعشق ركوب أمواج الصحراء , والكثبان الرملية ,وفجأة أضاع طريقه , وبدت له البطحاء ملتهبة أينما وضع قدميه أحس بلفحات نار الرمال .
لم اصدق ما يحصل لي أنا الوردة الجميلة اسجن .. أنا عاشقة الحياة تغتصب حريتي ..توالت الأيام السوداء , واللحظات الجوفاء , حاولت أن أتمرد على الزمان وافقده قيمته .. حاولت أن اكسر حواجز الصمت بداخلي وانطق بكلمات تجعلني أكثر يقينا باني يوما ما سأحيى من جديد في زنزانة الأرض الكبيرة, واقضي على الشر حيثما وجد .. كنت ارسخ في مخيلتي أنني قادرة على تحمل كل شيء سيقع , وهو لابد له أن يقع انتظرت أياما عديدة قبل أن أرى حزمة من الشمس دخلت مصحوبتا بالرعب .. كان ذلك احد الجلادين .. دخل وبسوطه في يده .. كدت افقد السيطرة على مسالكي ومخارجي .. ولا اخفي أني مرارا وقع لي فلتان في المسالك .. حاوت أن أهدر بعض الوقت للجلاد اللعين حتى أتجنب اكبر عدد ممكن من الجلدات وتحايلت عليه وقلت له
- ايمكنني ان الطف جوك يا سيدي بنكتة تفتح لك مزاجك للعمل ؟
استغرب الرجل وابتسم مستهزئا .
كانت أسناني تتقفقف كأوتار العود .. في زمن الأندلس , وأنا اخبره بقصة ذلك الأمير الذي خرج ذات يوم في لباس مدني ممتطيا صهوة جواد كباقي جياد القوم , وفي طريقه صادف راع للإبل فقال الأمير مستفسرا :
- كيف هي سيرة أميركم بينكم يا غلام ؟
- الراعي: غشوم ظلوم وماكر حقود .
-الامير : لما لا تشكوه إلى أمير المؤمنين لديكم ؟
- الغلام : هو أكثر ظلما منه وأغشم.
أمر الأمير بالجند أن يحيط بالراعي ..
وقال الراعي ارجوا يا سيدي ان يبقى حديثنا سرا بيننا
ضحك الأمير وأمر بان يخلى سبيله ..
قصصت هذه الأقصوصة الطريفة على الجلاد الضخم الذي لم يستوعب منها شيء ربما الشحوم أغلقت ذهنه وبإحكام.. ولا يفهم إلا لغة الضرب والشتم ..
كانت تلك أصعب أيامي في الزنزانة .. انزف دما من كل أطراف جسمي .. واحترق شوقا .. كنت أتمنى الموت في بعض الأحيان .. عشت مرارة ليست كالمرارات .. مرارتي لها أبعاد أخرى ولم تكن فيها أشعة الضوء .. كل شيء يتم في الظلام حتى أصبحت جزء من الظلام نفسه .. أكابده عناء الزمان, وأشاركه تعاقبه مع النهار.. هو الليل الأبدي الذي عاشرته طوال الأيام .. ودق له قلبي وتعاطف كل منا مع الأخر.. نسجت معه علاقة حب .. كما تنسج العنكبوت خيوطها الحريرية الناعمة .. لكن أفوله المستمر ادخل إلى قلبي الشكوك والضنون ودفعتي الوساوس عنه .
التعذيب طال كل أجزاء جسمي حياة الغربان أعيشها.. شراسة تجمح قلبي .. أتصور نفسي بشراستي أني قادرة على هزم أسد من اسود الأطلس الكبير ...كنت أهان يوميا .. من الطعام أأكل القليل .. طعام تخالطه الحشرات والطفيليات .. ومن الضرب الكثير .. ومن السب والشتم ما يعادلهما معا.. تهديدات مستمرة باقتحام باب الشرف .. وتمزيق أوتار الحياة المتبقية .
في هذا اليوم أكملت السنتين على تواجدي وراء هذه القضبان.. رأيت خلالها كل مظاهر المأساة التي يمكن أن يتصورها أي بشري .. سنتين كانتا مجرد بداية لحياة الجحيم .. نقلوني بعد هذه المدة ربما احتفاء واحتفالا بي إلى زنزانة أخرى بمدينة أخرى.. لا تختلف عن الأولى الا انها كثيرة الحركة والصراخ .. لا يهم انا تعودت على الأمر لا أكن أي اهتمام لما يجري حولي .. رغم ان الصرخات تسمع كنباح الكلاب في فصل الشتاء .. في هذه الزنزانة كنت اقضي حاجتي أحيانا في مكاني لان المرحاض لم يكن متوفر .. والغريب أنني منذ وصولي لم أتعرف للتعذيب .. ربما انتهت المدة المخصصة لهذا الجانب .. أو هي استراحة من السفر .. وبعد عشرة أيام أخبرتني إحدى الحارسات البدينات أن محاكمتي ستتم بعد ثلاثة أيام.. وقلت في نفسي سنتين مضت ولا اعلم كم ينتظرني بعد .. سنتين قضيتها في التحقيق كما يسمونه .. الوساوس تحيط بي من كل جانب.. عذاب نفسي لحق بي كلعنة المظلوم .. شاءت الأقدا وقبل بضع ساعات من الحكم أن احصل على جلباب ابيض .. كان في زاوية الغرفة .. وفي الموعد المحدد نقلوني إلى المحكمة قبل ذلك سمحوا لي بلقاء سريع مع والديّ اللذان لم أراهما منذ سنتين يبدوا على وجهيهما السكون والخوف المصاحب للارتقاب .. وكان هذا اكبر جميل قدمه الجلاد لضحيته.. بسرعة كبيرة أدخلت إلى قاعة المحكمة .. لم يكن فيها حضور من المدنيين .. بعض رجال الشرطة ,وهيئة القضاء .. كان القاضي الذي سينطق بالحكم تبدوا عليه إشارات الحنكة في القضاء .. وبعد هنيهة وقع الحكم عليّ كوابل رصاص .. لم أتذكر مقدماته , وخلفياته .. المهم أني سأعدم رميا بالرصاص .
- كتبت فاطمة قصتها عندما كانت تسير بروحها إلى السماء فوزعتها على شكل منشورات فاعل خير .