الأدب 1

ضيوف "العربي الحر"

 

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

             الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

مختارات قصصية  

من كل روض زهرة و من كل موقع قصة

مبادرات

ستكبر ثانية

قصة قصيرة

  

محمود سعيد*

      كان يسير أمام أمه، منتصب القامة، بخطوات واثقة، مرفوع الرأس، في ممرات السوبر ماركت الكبير، كرجل بالغ، توقف قرب نوع مألوف من الشيكولاته، التفت إلي أمه الشابة، المتشحة بالسواد، سألها: هل تشترين هذه لي؟
ــلا.
قالت الأم، بهدوء.
لم يحتج، لم يتذمر، لم يقف، سار كأنه لم يسألها شيئاً، ثم توقف علي بعد بضع خطوات قرب نوع من الكعك، التفت إليها مرة ثانية: ماذا عن هذا الكعك؟ أختي هالة تحبه، تأكله كل صباح مع الحليب.
قالت أمه ببطء وطول بال، بلهجة بغدادية واضحة أصيلة: لماذا تسأل؟ أنت تعرف أنه موجود عندنا.

ــ عفواً.
ــ شكراً.
استمر سائراً، غير أنه توقف منتصباً كرجل بالغ، ثم أشار إلي نوع من رقائق البطاطة ذات الطعم المتبل بعصير الليمون والبصل. قال: لا أظن أن هذه عندنا.
اللهجة الهادئة نفسها، كأنها تخاطب رجلاً ناضجاً، ردت أمه: لماذا تنسى؟ يجب أن تفكّّر، أنت وضعته بيدك هذا الصباح في خزانة المطبخ.
هزّ رأسه الصغير: أنت علي حق.
مرّ بالقرب من مجمدة "الآيس كريم" ذات الغطاء الزجاجي، لم يتوقف قربها، بل أشار إليها بأصبعه الصغير: أظن أن هذا النوع من "الآيس كريم" مازال عندنا.
ابتسمتُ، أحببته جداً، أردت أن أري وجهه كاملاً، لكني لم استطع، كان يسير وأمه أسرع مني، افترقنا في أروقة "السوبر ماركت" الطويلة والمتقاطعة.
كنت أبحث عن نوع من خيوط الأسنان لا تؤذي لثتي المتآكلة، إذ أنني لا بد أن أفقد شيئاً عندما أسافر. حينما وصلت صباح اليوم إلي عمان في طريقي من العراق، نزلت في فندق المنار في الساحة الهاشمية حيث اعتدت أن أنزل في التسعينات، بحثت في الجوار عن خيوط الأسنان فلم أجدها. تمشيت إلي أقرب سوبر ماركت.
عندما وصلت إلي منصة الدفع، التفت خلفي مصادفة، رأيته يقف قربي علي عربة التسوق، ويمسك بيده حافتها، فرحت، رأيت تقاطيعه، تقاطيع أمه الشابة التي تغطي شعرها القهوائي بأشارب أسود ، بصورة غير محكمة. سألتها: كم عمره؟
لم تجبني. نظرت إليه، قال بثقة: ثلاث سنوات، وستة أشهر وأسبوعين.
كدت أضحك، لكني ضبطت نفسي، نظرت إلي أمه: يبدو ذكياً جداً.
ــ نعم. قالت امه. أضافت: مستوي ذكائه عالٍ.
نظر إلي الخلف، وأخذ يعدّ الواقفين بالدور استعداداً للدفع، وبعد ان انتهي التفت إلى أمه: الواقفون وراءنا إثنان وعشرون، وأمامنا خمسة فقط.
فالتفت أمه لتتأكد، قالت: لا، أنت واهم. بل إثنا عشر.
قال كمن يكلّم نفسه: لابد أن اتعلم العدّ بشكل مضبوط.
ــ هذا صحيح.
التفتُ إليه ثانية، سألته: هل تقبلني صديقاً لك.
هزّ رأسه بتأكيد: لا.
ابتسمت: لماذا؟
ــ لا تستطيع الركض، لا تستطيع تسلق شجرة الزيتون، لا تستطيع أن تلعب معي كرة القدم، لا تستطيع أن تصعد إلي مزلقة الحديد، أنت عجوز كجدي.
ابتسمت: صحيح، لكني أتمني لو كنت في عمرك.
هزّ رأسه الصغير مرة أخري بإصرار: لا فائدة. ستكبر مرة أخري.

========================================

* محمود سعبد  -  العراق/الولايات المتحدة الأمريكية-شيكاغو