مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

أعمال الطبيبة الأديبة مادلين حنا

  زينب

قصة واقعية

بقلم : د.مادلين حنا

هذه القصة - للأسف الشديد - حقيقية .. حدثت و لازالت تحدث فى مصر و ربما فى بعض الدول العربية و بالتأكيد فى كل دول العالم الثالث الفقيرة ..

 إسم الطفلة فقط هو الحقيقى أما باقى الأسماء و الأماكن فأحتفظ بها لظروف شخصية و لكى لا أسبب الحرج لأصحابها ..

 

           ولدت على يدى (زينب) فى مساء الأول من فبراير عام 2000 لأسره تنتمى لأولئك الذين تصفهم صحفنا بلقب مهذب وهو (محدودى الدخل) بدلاً كلمة (فقراء) .. الأب موظف حكومى بسيط و الأم ربة منزل ريفية الأصل ، و لها شقيقين أكبر منها (خمس سنوات و سبع سنوات) ..

 

كنت و من واقع متابعتى لأمها كحالة مرضية حولت للمستشفى الذى أعمل به من مستشفى التأمين الصحى التابع لإحدى الوزارات و طوال أشهر الحمل أتوقع ولادة صعبة فقد كانت (زينب) تعانى - و دون الدخول فى تفاصيل طبية - من مشكلة كبيرة تتلخص فى ثلاثة كلمات مرعبة : الكبد لا يعمل ..

 قال لنا أحد زملائنا ملخصاً حياة (زينب) قبل أن تولد : لن تعيش هذه الطفلة أكثر من شهرين أو ثلاثة .. لكننى تمسكت بالأمل كما تمسك به والدي (زينب) ..

و جاءت (زينب) للحياة وسط إعدادات دقيقة قدتها بنفسى منها أنها ستخرج من رحم أمها فى حالة غيبوبة كاملة لتعيش فى جهاز إعاشة خاص (حضانة) مزود بنظام تنفس خاص و نظام تغيير للدم كل بضعة أيام لأن دمها ستزيد فيه كمية الصفراء باستمرار لتوقف عمل الكبد ..

 كانت شاحبة اللون و منخفضة الوزن جداً عن المعتاد لكنها عاشت متحدية كل القواعد الطبية .. و فى اليوم الثالث لمولدها استطعنا بحيلة طبية إيقاف تسمم الدم بالصفراء نتيجة توقف الكبد عن العمل مؤقتاً حتى نجد حلاً نهائياً..

و فى بادرة توحى بالأمل أصر أهلها على إقامة (سبوع) على عادة أهل مصر فى ردهه قسم الرعاية الخاصة فى المستشفى ..

 و وسط كل هذا الحزن جاء الأمل ..

هناك جراحة يمكن أن تجرى لتلك الطفلة المسكينة بزرع خلايا من كبد متبرع تقوم بتنشيط كبدها المتوقف عن العمل .. لكن تلك العملية مقترنه بعدة عراقيل ..

أولها من هو ذلك المتبرع الذى تتوافق فصيلة دمه و أنسجته مع (زينب) ؟؟

و جاء الرد سريعاً من والدها بأنه سيعطي إبنته عمره و ليس بضع خلايا من كبده

و ثانيها أن تلك الجراحة تجرى فى لندن و ليس فى مصر لأننا لا نمتلك التكنولوجيا و لا الخبرة اللازمة لإجراءها و تكلفتها على الأقل عشرين ألف جنيه إسترلينى بخلاف أجر الطبيب الذى سيجريها..

و ثالثها أن الطفلة (زينب) عمرها أسبوعان الآن و يجب الإنتظار حتى تكمل ثلاثة أشهر على الأقل ليكون جسدها جاهزاًُ للتدخل الجراحى الدقيق و فى هذا مخاطرة كبيرة لطفلة تتحدى الموت فى كل دقيقة تحسب من عمرها ..

ووجد والد (زينب) نفسه أمام مشكلة كبيرة : من أين له و هو الموظف الحكومى البسيط ذلك المبلغ الضخم ؟؟ (عشرين ألف جنيه إسترلينى كانت تعادل وقتها مائة و سبعين ألف جنيه مصرى) ..

و كان الحل أن يطلب علاجها على نفقة الدولة كأي مواطن مصرى يعمل فى الحكومة المصرية فتقدم الرجل بطلبه لهيئة التأمين الصحى و دخل فى دائرة معقدة من الروتين و الإجراءات ..

 لن أصف لكم يا قرائي الأعزاء مدى تعقد تلك الإجراءات و كيف و بمساعده كثير من الأطباء و المسئولين المتعاطفين مع حالة (زينب) تم إختصار تلك الإجراءات التى تأخذ فى المتوسط ستة أشهر إلى إسبوعين فقط .. مثلاً كان من ضمن تلك الإجراءات ضرورة عرض (زينب) على لجنة القومسيون الطبى الخاص بالتأمين الصحى فى مدينة نصر و هو ما استلزم نقل (زينب) فى سيارة إسعاف - مجهزة بجهاز إعاشة بنفس المواصفات الموجودة فى المستشفى - تسير عبر أزحم شوارع القاهرة و ميادينها الساعة 12 ظهراً لتلحق بموعد الساده عباد الروتين فى التأمين الصحى ..

 و أخيراً صدر قرار لجنة التأمين الصحى فى أوائل مارس بالموافقة على علاج (زينب) على نفقة الدولة فى إحدى مستشفيات لندن المتواضعة و سفر مرافق واحد معها (إما أمها و إما ابوها) و صرف عشرة آلاف جنية إسترلينى كإجمالى تكلفة للعلاج ..

صدمنا بالقرار الذى سيصرف نصف التكلفة فقط ..

ما الذى سيفعله الرجل و الفارق أكثر من ثمانين ألف جنيه ؟؟

ذهب الرجل ليشكى للمسئولين علهم ينصفوه و يعدلوا القرار بزيادة العشرة آلاف جنيه إسترلينى الفارق..

 ذهب ليشكى للسيد الوزير الذى يعمل فى إدارة تابعة لوزارته لعله يتدخل و ينصفه لكن زملاءه و مديروه نصحوه بألا يعقد الأمل لأن السيد الوزير رجل صناعة و لا يهتم بالمشاكل الشخصية و لا الإنسانية ..

 فكر أن يذهب للمسؤول الأول عن الصحة فى مصر .. السيد وزير الصحة .. إكتشف بأن الوزير بالفعل يقابل المواطنين و يطمئنهم ببعض الكلمات المشجعه ثم يحول شكاويهم للسكرتاريه التى إما تلقيها فى أقرب سلة مهملات أو تحيلها من جديد للتأمين الصحى لتتكرر نفس دورة الروتين و الإجراءات بلا جدوى ..

 و أخيراً فكر فى السيد عضو مجلس الشعب عن الحى الذى يسكن فيه و ممثله فى البرلمان (كان عام 2000 هو عام إنتخابات مجلس الشعب و كان المرشحين يتسابقون فى خدمه الناس طمعاً فى أصواتهم) و بالفعل قابله الرجل و طمأنه بأنه فور نجاحه فى الإنتخابات فى شهر نوفمبر القادم سيتقدم بطلب لوزير الصحة لتعديل القرار ..

 شعر الرجل بأن الدنيا انسدت فى وجهه و الأيام تمر بلا جدوى و حالة (زينب) تسوء يوماً بعد يوم ..

و فى محاولة يائسة منه جمع عناوين كل الصحف و المجلات الصادرة فى مصر و أرسل لهم بشكواه و مرفق بها كل المستندات و التقارير الطبية و فوجىء بنشر شكواه فى مطبوعة يتيمة و تحت عنوان مستفز (ساعدوا زينب)..!!

 شهر كامل و الرجل يدور على مكاتب المسؤولين بلا جدوى .. شهر كامل و هو يرى إبنته تحتضر و لا يملك أن يفعل لها شيئاً .. إسودت الدنيا فى وجه الرجل و امرأته بينما كانت حالة (زينب) راقدة فى غيبوبتها ..

 آه لو شاهدتم (زينب) خلف زجاج جهاز الإعاشة السميك و هى راقدة فى غيبوبة لن تفيق منها إلا بعد حين ..

آه لو شاهدتم وجهها الملائكى الذى يتحدى كل الظروف ..

لو شاهدتم إرتعاش جسدها الضئيل عند رفع جهاز التنفس لتغذيتها ..

لو سمعتم أنينها المكتوم عند غرس الإبر فى شرايينها ..

لو سمعتم بكاء أمها و شاهدتم وجهها الذى شحب و إنطفأ ..

هل رأيتم ملاكاً و هو يحتضر من قبل ؟؟ .. هكذا كانت (زينب)..

 فى أحد أيام أبريل الأولى حدثت المعجزة ..

(( كنتُ نائمة بجوار ابنتى الصغيرة عندما هزنى زوجى ليوقظنى بعنف و هو يصرخ فى فرح طفولى ، زينب فاقت .. إتصلوا بالدكتورة الآن و يقولوا أن زينب فاقت ..))

سبحانك يا من تهب الموت و الحياة ..

حدثت المعجزة و إستفاقت زينب من غيبوتها التى إستمرت منذ مولدها ..

فتحت عينيها لترى هذه الدنيا القاسية لأول مرة ..

رضعت من صدر أمها لأول مرة وسط بكاء كل من فى المستشفى تأثراً بالموقف ..

لكنها لم تبك كما يبكى الأطفال و لم تضحك كما يضحون ..

كان صوتها مزيج من الأنين و البكاء الخافت ..

 بعد أن تأكد الناس من وجود الأمل عملياً بدأ معظم المتعاطفين مع (زينب) من الأطباء و ذويهم و بشكل سرى فى جمع تبرعات مالية لمحاولة إستكمال المبلغ الباقى لكن مبلغ الثمانين ألف جنيه كان صعب المنال ..

 و فى منتصف شهر أبريل جاءت مفاجأه سارة حيث سمع أحد الأساتذه الكبار فى جامعة إقليمية عريقة بحالة (زينب) و ظروف أهلها الصعبه فخاطب صديق له مهاجر لبريطانيا منذ زمن و قاما بحجز مكان لها و لوالديها فى إحدى المستشفيات البريطانية و الإتفاق مع أحد الأطباء الأيرلنديين المشهورين فى جراحات زرع الكبد على علاجها بل و تبرعا مشكورين بجزء كبير من تكلفة الجراحة و أجر الطبيب ..

 و بحلول آخر أبريل و بمبادرة من صحفية شابة تم إستكمال باقى التكاليف و قدمناها لوالد (زينب) وسط دموعه ..

 لكن بدأت (زينب) تدخل بإنتظام فى غيبوبة متقطعة كنتيجة طبيعية لتوقف عمل الكبد..

وقتها كان السفر لإجراء جراحة زرع الكبد ضرورياً كما لم يكن من قبل ..

و بدأنا فى إتخاذ الإجراءات اللازمة لسفر (زينب) ووالديها و حددنا موعداً نهائياً لإجراء الجراحة فى لندن صباح يوم العاشر من مايو أى بعد عشرة أيام ..

لكن و بخطأ روتينى تأجل سفر زينب و والديها لمدة شهر كامل و إضطررنا لتأجيل موعد الجراحة لمدة شهر كما أراد السادة عباد الروتين ..

 فى الأول من مايو بدأت (زينب) تعانى من بعض المشاكل فى التنفس و حينها تبرع أحد الأساتذه الكبار المتخصصين فى أمراض الجهاز التنفسى و القلب بالإشراف بشكل شخصى على حالة (زينب) و قرر إجراء جراحة عاجلة لها فى القصبة الهوائية فى نفس اليوم لكى تتمكن من التنفس بطريقة طبيعية ..

 و بالفعل أجريت الجراحة بنجاح و أفاقت (زينب) بعد يومين وسط فرحة كل من بالمستشفى و صلواتهم و دعائهم و ساعتها قلنا ربما كان تأجيل السفر خيراً فإلى أن تتعافى  من جراحة القصبة الهوائية تكون جاهزة للجراحة الأصعب ..

 لكن القدر لم يمهل (زينب) ..

فى مساء العاشر من مايو عام 2000 رحلت (زينب) بعد حياة دامت تسعة و تسعين يوماً ملأى بالعذاب و الألم ..

صعدت روح (زينب) إلى ملكوت ربها شاكية ظلم الدنيا ..

ماتت (زينب) فى اليوم الذى كنا قد حددناه لإجراء الجراحة التى ستنقذ حياتها لكن الروتين لم يعطها الفرصة لتعيش ..

ماتت (زينب) و تركت ورائها الحسرة فى قلوب كل من رأى ذلك الملاك المعذب و لم يستطع أن يفعل له شيئاً..

 ربما كانت حياة طفلة مولودة بعيب خلقى يعطل عمل الكبد تماماً لمدة أكثر من ثلاثة شهور هى معجزة إلهية و طبية بكل المقاييس ..

لكنها حدثت .. وولدت (زينب) وعاشت و كان من الممكن أن تكون جالسة الآن وسط أخويها تتفرج على التليفزيون فى منزلهم ..

كان من الممكن أن تكون (زينب) الآن فى الصف الأول الإبتدائى لو كانت قد سافرت و أجرت الجراحة ..

لكن الروتين و الإهمال كانوا لذلك الملاك النقى الطاهر بالمرصاد ..

كان من الممكن أن تكون (زينب) إبنتى أنا أو إبنتك أنت عزيزى القارىء ساعتها ماذا سيكون تصرفك ؟؟

 أخيراً .. عزيزى القارىء ..

ربما أكون قد قسوت عليك بهذه القصة المأساوية التى كنت - و يا للأسف - أحد أبطالها..

ربما أكون قد نجحت فى استدرار دموعك لو كنت ممن يحسون بآلالام الغير..

لكنى أرجوك .. قبل أن تذهب .. رجاء أخير ..

إقرأ الفاتحة و صلى لأجل (زينب) وكل من قتلهم نظامنا العلاجى ..